موفق حرب*
لم تُحدث الحرب مع إيران اضطراباً في أسواق النفط وقنوات الدبلوماسيّة فحسب، بل كشفت، بوضوح قاسٍ، الوهم الذي قامت عليه الاستراتيجية الخليجيّة لسنوات، وهو أنّ الازدهار الاقتصاديّ والتنويع والانفتاح على العالم يمكن أن تتقدّم على حساب بناء منظومة أمنيّة صلبة ومتكاملة.
منذ اندلاع الحرب في أواخر شباط، لم تعد دول الخليج بعيدة عن النيران. طالت التهديدات والضربات مباشرة عمقها الحيويّ، من مضيق هرمز إلى منشآت الطاقة والبنى التحتيّة، وصولاً إلى محطّات تحلية المياه. في موازاة ذلك، كانت العواصم الخليجيّة تحذّر واشنطن من أنّ أيّ تصعيد إضافيّ قد يفتح الباب أمام استهداف مباشر لمصادر الحياة نفسها في المنطقة.
مع ذلك، لم يدخل الخليج هذه الحرب وهو في موقع ضعف. على العكس، دخلها وهو أكثر تماسكاً اقتصاديّاً ممّا كان عليه في أزمات سابقة، مع نموّ في القطاعات غير النفطيّة، ومشاريع تكامل اقتصاديّ، ومسارات إصلاح كانت تمضي قدماً.
التّهديد أصبح مباشراً
هنا تكمن المفارقة التي تنطلق منها أيّ قراءة جدّية لمستقبل مجلس التعاون الخليجيّ: الخليج ليس هشّاً، لكنّه اكتشف مجدّداً أنّ الثروة ليست استراتيجية، وأنّ اللوجستيّات ليست ردعاً، وأنّ التنويع الاقتصاديّ لا يُلغي حقائق الجغرافيا.
السؤال الحقيقيّ الذي يشغل العواصم الخليجيّة اليوم ليس متى تنتهي الحرب، بل كيف تنتهي… وأيّ إيران ستخرج منها، لأنّ مستقبل مجلس التعاون لم يعد مرتبطاً فقط بمسار المعارك، بل بطبيعة النظام الإيرانيّ بعد توقّفها.
فرضت الحرب، عمليّاً، هذا التحوّل في التفكير. لم يكن الاجتماع الاستثنائيّ لوزراء خارجيّة دول المجلس في الأوّل من آذار، عقب الضربات التي طالت أكثر من دولة خليجيّة، موقفاً تضامنيّاً وحسب، بل إعلان ضمنيّ بأنّ التهديد أصبح مباشراً. هذا وكشفت التحذيرات الخليجيّة من استهداف منشآت الطاقة والمياه أنّ الاقتصادات الأكثر تقدّماً نفسها تبقى عرضة لحروب غير متكافئة.
ولم يكن البيان الأخير الصادر عن الاجتماع الوزاري لدول مجلس التعاون، بحضور الأردن، مجرد تعبير تقليدي عن التضامن، بل عكس تحوّلاً في إدراك طبيعة التهديد؛ إذ انتقل من كونه شأناً خليجياً يمكن احتواؤه ضمن أطر المجلس، إلى كونه تحدّياً إقليمياً عابراً للحدود يستدعي توسيع دوائر التنسيق السياسي والأمني. كما كرّس البيان معادلة جديدة مفادها أن أمن مجلس التعاون لم يعد منفصلاً عن أمن محيطه العربي، بل بات جزءاً من منظومة أوسع قيد التشكّل، عنوانها الربط بين الردع الجماعي والاستقرار الإقليمي.
في العمق، لم تضرب الحرب الشعور بالأمن فقط، بل طاولت صلب النموذج الخليجيّ نفسه. مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالميّة، لم يعد ممرّاً تجاريّاً وحسب، بل نقطة اختناق استراتيجيّة، وأيّ اضطراب طويل الأمد فيه لا يهدّد فقط العائدات، بل يضرب فكرة الاستقرار التي قامت عليها جاذبيّة الخليج للاستثمار.
مع ذلك، ليس مجلس التعاون اليوم كما كان في ثمانينيّات القرن الماضي. اقتصاداته أكثر تنوّعاً، وقطاعاته غير النفطيّة أكثر حضوراً، ومشاريعه التكامليّة، من الربط التجاريّ إلى النقل والخدمات، أصبحت أكثر تقدّماً. هذا يعني أنّ السؤال لم يعد: هل يستطيع الخليج تحمّل الصدمة؟ بل: هل يستطيع تحويلها إلى استراتيجية؟
الإجابة تبدأ من إيران.
ليس الحسم العسكريّ هو ما سيحدّد شكل المرحلة المقبلة، بل مآلات النظام الإيرانيّ نفسه. يمكن قراءة ذلك من خلال أربعة سيناريوات رئيسة:
– السيناريو الأوّل هو بقاء النظام مع نوع من إعادة التموضع. تخرج إيران من الحرب ضعيفة نسبيّاً، لكنّها متماسكة، أكثر حذراً، وربّما أكثر ميلاً إلى خفض التصعيد دون أن تتخلّى عن ثوابتها.
بالنسبة لدول الخليج، هذا هو السيناريو الأكثر قابليّة للإدارة. يبقى وجود دولة مركزيّة في طهران، حتّى لو كانت خصماً، أفضل من فراغ أو فوضى. يمكن ردعها، ويمكن التفاهم معها ضمن خطوط واضحة. في هذا الإطار، قد نشهد دفعاً نحو ترتيبات أمنيّة أكثر وضوحاً، سواء في الملاحة أو في حماية البنى التحتيّة الحيويّة.
لن يكون ذلك سلاماً، لكنّه قد يكون استقراراً مضبوطاً.
– السيناريو الثاني هو بقاء النظام، لكن بصيغة أكثر تشدّداً وعسكرة، مع نفوذ أكبر للمؤسّسات الأمنيّة. هنا لا تنتهي الحرب فعليّاً، بل تتغيّر أدواتها.
تدخل المنطقة مرحلة من المواجهة الرماديّة: ضغوط بحريّة، هجمات سيبرانيّة، عمليّات غير مباشرة، واستهداف محسوب للبنى التحتيّة. في هذا السياق، يصبح الخليج أكثر تحصيناً: إنفاق دفاعيّ أعلى، تنويع في مسارات التصدير، وتركيز أكبر على حماية الداخل.
يبقى الخليج مركزاً اقتصاديّاً، لكن بكلفة مخاطر أعلى.
– السيناريو الثالث هو اهتزاز داخليّ في إيران: صراع على الخلافة، أو تآكل في مركزيّة القرار دون انهيار كامل. وهذا ربّما الأكثر تعقيداً.
قد يكون النظام المأزوم أكثر اندفاعاً، قراراته أقلّ وضوحاً، وإشاراته أكثر التباساً، وقد يلجأ إلى التصعيد لتعويض ضعفه الداخليّ. بالنسبة لدول الخليج، هذا يعني بيئة غير مستقرّة يصعب التنبّؤ بها.
سيكون الردّ مزدوجاً: تعزيز التنسيق الأمنيّ من جهة، وتوسيع قنوات التهدئة والوساطة من جهة أخرى، عبر أدوار متزايدة لدول مثل عُمان وقطر، إلى جانب الانفتاح على أطراف دوليّة مختلفة.
– السيناريو الرابع، وهو الأخطر، هو تفكّك النظام أو انهياره الجزئيّ. قد يبدو للبعض أنّه نهاية لتهديد طويل، لكنّه في الواقع قد يفتح الباب أمام تهديدات أكثر تعقيداً.
إيران المتفكّكة لا تختفي، بل تتحوّل إلى ساحة مفتوحة: تعدّد في مراكز القوّة، ضعف في السيطرة على السلاح، فوضى في القرار، واحتمال تحرّك جهات غير منضبطة. عندها، يصبح مضيق هرمز مساحة اضطراب دائم، لا ورقة ضغط بيد دولة.
بالنسبة لدول الخليج، هذا ليس نصراً بل بداية مرحلة من عدم اليقين العميق، حيث يصبح الردع أصعب، والدبلوماسيّة أكثر تعقيداً، وإدارة المخاطر أكثر كلفة.
بين الرّدع والتّهدئة
من هنا، يتّضح أنّ مستقبل الخليج لا يتحدّد بما إذا كانت إيران قويّة أو ضعيفة، بل بما إذا كانت متماسكة أو مفكّكة.
إيران قويّة ومتماسكة يمكن ردعها.
إيران ضعيفة لكن متماسكة يمكن احتواؤها.
أمّا إيران المفكّكة فهي التحدّي الأكبر.
لهذا لا تراقب العواصم الخليجيّة مسار الحرب فقط، بل تتابع بدقّة ما يجري داخل إيران: تماسك القيادة، توازن المؤسّسات، وطبيعة الخطاب بين الأيديولوجية والبراغماتيّة.
في المقابل، بدأت الحرب تعيد تشكيل أولويّات مجلس التعاون نفسه.
لم يعد الأمن عسكريّاً فقط، بل يشمل الماء والغذاء والطاقة والبنية الرقميّة.
لم يعد التنويع الاقتصاديّ خياراً تنمويّاً، بل ضرورة استراتيجيّة.
لم يعد التكامل الدفاعيّ مؤجّلاً، بل مطلب ملحّ، ولو بشكل تدريجيّ.
أمّا السياسة الخارجيّة فباتت أكثر توازناً تجمع بين الشراكة مع واشنطن والرغبة في تنويع العلاقات.
في النهاية، ستنتهي هذه الحرب. لكن بالنسبة للخليج، ما بعدها هو الأهمّ.
ما سيخرج من طهران لن يبقى فيها. سيحدّد شكل الأمن في الخليج، مسار اقتصاده، وطبيعة توازناته.
بالنسبة للخليج، ليست نهاية الحرب وقف إطلاق النار، بل شكل الدولة الإيرانيّة التي ستبقى بعدها.
*نشر في موقع أساس ميديا




