بقلم د. خالد عيتاني*
لم يعد ما يجري في لبنان اليوم مجرد فصلٍ حدودي من فصول الصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، ولا مجرد أثر جانبي للمواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران. ما تكشفه التغطيات الدولية والإقليمية والمحلية، على اختلاف لهجاتها ومقارباتها، هو أمر أعمق بكثير: لبنان يُقرأ الآن بوصفه ساحة اختبار كبرى لسؤال الدولة نفسها؛ دولة تريد استعادة قرارها العسكري، لكنها لا تملك بعد كامل أدوات الحسم، وبلد يواجه مشروعاً إسرائيلياً يتجاوز الردع الآني إلى محاولة فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة في الجنوب، فيما يتمسّك «حزب الله» بربط الجبهة اللبنانية بمصير المواجهة الإقليمية الأوسع. هذا التوصيف لم يعد حكراً على خطاب سياسي داخلي، بل صار ظاهراً بوضوح في مسارات التغطية الإخبارية والتحليلية خلال هذا الشهر مارس/آذار 2026.
أولاً: ماذا قالت الصحافة عن البعد العسكري؟ من «احتواء الحدود» إلى إعادة تشكيل الجنوب
في البعد العسكري، يكاد الإعلام الدولي يجتمع على أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع جنوب لبنان كجبهة ردّ متبادل فقط، بل كحيّز تسعى إلى إعادة صياغته ميدانياً. رويترز نقلت في 24 مارس/آذار 2026 إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي نية السيطرة على شريط واسع من جنوب لبنان حتى نهر الليطاني وإنشاء ما سمّاه «منطقة أمنية»، مع استهداف الجسور والبنى التحتية، في خطوة تعني عملياً الانتقال من منطق الضربات الموضعية إلى منطق فرض حزام أمني طويل الأمد. كما نقلت قبل ذلك دعوات إسرائيلية داخل الحكومة نفسها إلى جعل «الحدود الجديدة» عند الليطاني، ما يعكس أن النقاش في إسرائيل لم يعد تكتيكياً فقط، بل صار يتصل بتغيير الوقائع الحدودية ذاتها.
أما في الإعلام الإقليمي واللبناني، فقد برزت قراءة موازية تعتبر أن إسرائيل تُسرّع الإيقاع الميداني في لبنان لكي تفرض إيقاع التفاوض لاحقاً. تقارير «الشرق» وL’Orient Today وL’Orient-Le Jour تناولت اتساع العمليات الإسرائيلية، والاستعداد لصراع أطول، وربط ذلك بمحادثات مباشرة أو غير مباشرة حول وقف إطلاق النار، والانسحاب، والسلاح، وترتيبات ما بعد الحرب. هكذا بدا الجنوب في معظم هذه القراءات ليس مجرد مسرح معركة، بل ورقة ضغط لإعادة رسم المعادلة السياسية اللبنانية تحت النار.
ومن الجهة المقابلة، قدّمت التغطيات صورة واضحة عن تمسّك «حزب الله» بخيار الاستمرار في القتال وربط الجبهة اللبنانية بالمواجهة الإيرانية الأوسع، مع توصيف هذا المسار داخل بعض المواد التحليلية اللبنانية بأنه انتقال من الدفاع عن موقع لبناني إلى الدفاع عن محور إقليمي. هذه الزاوية تحديداً ظهرت بوضوح في تغطيات L’Orient Today، التي وصفت اتساع الشرخ بين الدولة اللبنانية والحزب، وأشارت إلى إصرار الحزب على القتال حتى النهاية وربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية.
ثانياً: ماذا قالت الصحافة عن البعد الاقتصادي؟ الحرب لم تعد على الحدود فقط بل في قلب الاقتصاد
إذا كان البعد العسكري هو ظاهر المشهد، فإن البعد الاقتصادي هو عمقه الحقيقي. وهنا تكشف التغطية الدولية شيئاً بالغ الأهمية: الحرب على إيران وامتداداتها اللبنانية لم تعد تُقرأ بوصفها أزمة أمنية فقط، بل بوصفها صدمة اقتصادية دولية وإقليمية. رويترز أشارت إلى أن الحرب بدأت تضرب الاقتصاد العالمي من خلال اضطراب الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز وتراجع مؤشرات الأعمال في أوروبا والولايات المتحدة واليابان والهند، مع تصاعد مخاوف الركود التضخمي. كما نقلت تراجع مناخ الأعمال في ألمانيا بفعل تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
لكن خطورة هذا البعد على لبنان مضاعفة. فبلد يعاني أصلاً من انهيار مالي، وضعف احتياطات، وبنية تحتية هشّة، لا يمكنه تحمّل حرب طويلة ولا «شبه احتلال» جديد للجنوب ولا شلل مزمن في الجسور والطرق والخدمات. وعندما تتحدث التغطيات عن تدمير الجسور، وتهجير أكثر من مليون شخص، وارتفاع أعداد القتلى، فهي لا تنقل أرقاماً إنسانية فقط، بل تنقل أيضاً صورة اقتصاد يُدفع نحو مزيد من الانكماش والتشظي: الزراعة في الجنوب تُضرب، النقل الداخلي يختنق، الكلفة الاجتماعية على الخزينة تتضخم، والاستثمار يتبخر أكثر فأكثر. هذا كله حاضر بوضوح في تغطيات رويترز ووكالات أخرى.
والأهم أن جانباً من الإعلام العربي واللبناني لم يعد يتحدث فقط عن «كلفة الحرب»، بل عن كلفة غياب القرار. أي أن المشكلة الاقتصادية لا تكمن فقط في القصف، بل في أن لبنان يدخل المواجهة من دون استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة الطوارئ الاقتصادية، ومن دون سلطة قادرة بالكامل على توحيد القرار الأمني والسياسي والمالي. هنا تصبح الحرب مكلفة ليس فقط لأنها مدمرة، بل لأنها تقع على دولة لم تستعد أصلاً لبقائها الاقتصادي. وهذا استنتاج تحليلي تدعمه الوقائع الميدانية والسياسية التي عرضتها تلك التغطيات.
ثالثاً: ماذا قالت الصحافة عن البعد السيادي؟ من «المقاومة» إلى سؤال لمن يقاتل لبنان؟
في هذا المستوى، تصبح اللغة أكثر حساسية، لكن أيضاً أكثر كشفاً. جزء مهم من الإعلام الدولي والعربي لم يعد ينظر إلى «حزب الله» بوصفه فاعلاً لبنانياً مسلحاً فقط، بل بوصفه جزءاً من هندسة إيرانية أوسع في المنطقة. مجلة Foreign Affairs تناولت الحزب على أنه ما زال تهديداً جدياً رغم الضغوط، مع الإشارة إلى أن علاقته بإيران ليست علاقة دعم عابر، بل علاقة بنيوية ممتدة في التمويل والتسليح والوظيفة الإقليمية. وفي الوقت نفسه، برزت في الإعلام العربي واللبناني قراءات تصف ما يجري بأنه لحظة تَكشُّف نهائية لسؤال: هل يقاتل الحزب عن لبنان، أم أن لبنان يقاتل نيابة عن محور أوسع منه؟
هذا لا يعني أن الإعلام الجاد تبنّى خطاباً تبسيطياً يبرّئ إسرائيل أو يتجاهل الاحتلال والعدوان، بل على العكس: كثير من التغطيات شددت على استمرار الخطر الإسرائيلي، وعلى أن الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل لا تُخفي استعدادها لتوسيع الحرب وفرض وقائع جديدة في الجنوب. لكن تلك التغطيات نفسها ربطت بين هذا العدوان وبين المعضلة اللبنانية الداخلية: كيف يمكن لبلد أن يواجه عدواً خارجياً فيما قرار الحرب والسلم فيه موزع بين الدولة والتنظيم والمحور؟ هنا يصبح البعد العقائدي ليس مجرد خلفية فكرية، بل بنية عملية تحدد من يقرر، ولأي غاية، وبأي كلفة على المجتمع اللبناني.
ومن هذه الزاوية تحديداً، اكتسبت الصياغة الصادمة «المقاومة الإيرانية حتى آخر لبناني» حضورها في النقاش العام. فهي ليست وصفاً محايداً، لكنها تختزل الخشية التي تتكرر في قطاعات واسعة من الإعلام والتحليل: أن يتحول لبنان إلى خط دفاع أمامي عن بقاء نفوذ إقليمي، فيما يدفع اللبنانيون الثمن دماً ونزوحاً وخراباً واحتمال فتنة داخلية. هذا الاستنتاج ليس نقلاً حرفياً موحداً من جميع الصحف، لكنه خلاصة تحليلية تستند إلى ما عرضته التغطيات عن ربط الجبهة اللبنانية بالساحة الإيرانية، وعن التوتر المتصاعد بين الدولة اللبنانية وإيران، بما في ذلك قرار بيروت طرد السفير الإيراني، وعن تعمق الشرخ بين الدولة والحزب.
رابعاً: ماذا قالت الصحافة عن الدولة اللبنانية نفسها؟ دولة تريد الاحتكار للقرار… لكنها لا تملك بعد احتكار القوة
ربما كان هذا هو المحور الأشد تكراراً في الإعلام كله: الدولة اللبنانية تريد استعادة السيادة، لكن قدرتها التنفيذية لا تزال محدودة للغاية. رويترز و«الشرق» وغيرهما نقلوا قرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» والمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، كما نقلوا سعي الرئاسة والحكومة إلى البحث في مسارات تفاوض لوقف النار والانسحاب، وسط حديث عن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل. في المقابل، أوضحت تغطيات أخرى أن الحزب رفض هذه المقاربات ووصف بعضها بأنه «تنازل» أو «خطأ كبير»، ما يعكس عمق التناقض بين منطق الدولة ومنطق التنظيم.
وهنا تبرز مفارقة شديدة القسوة: الإعلام الدولي نفسه الذي يطالب بتقوية الدولة اللبنانية يعترف في الوقت نفسه بأن مطالبتها بنزع سلاح الحزب تحت القصف أمر غير واقعي. فرنسا، على سبيل المثال، وصفت هذا التوقع بأنه غير معقول في ظل استمرار القصف. وهذا يعني أن لبنان عالق بين حدّين كلاهما مرّ: حدّ الحرب الخارجية، وحدّ العجز الداخلي عن استعادة القرار بالقوة أو بالسياسة الكاملة.
الخلاصة التحليلية — من قراءة إعلامية إلى حقيقة سياسية
إذا أُعيد تركيب كل هذه المستويات-العسكري، الاقتصادي، والسيادي — ضمن تسلسل واحد، تتضح صورة لا تخطئها العين:
لبنان لا يعيش حرباً واحدة، بل يعيش تراكب أربع حروب في آنٍ واحد:
- حرب على حدوده
- حرب على اقتصاده
- حرب على هويته السياسية
- وحرب على مفهوم الدولة نفسه
وما كشفه الإعلام، من دون أن يقوله دائماً صراحة، هو أن الخطر الأكبر ليس في أي من هذه الحروب منفردة، بل في اجتماعها داخل دولة لم تستكمل بعد بناء قرارها.
في لبنان اليوم، لا تختصر الأزمة بالحرب على الحدود، بل تتكشف كأزمة مركّبة تتقاطع فيها الجبهة العسكرية مع الانهيار الاقتصادي ومع صراع عميق على هوية القرار نفسه. فالتغطيات الإعلامية، على اختلاف مصادرها، تلتقي عند حقيقة واحدة: لبنان لا يدخل الحرب كدولة مكتملة، بل كمساحة يتنازعها أكثر من قرار وأكثر من منطق.
عسكرياً، يتحول الجنوب من خط اشتباك إلى محاولة إعادة رسم وقائع ميدانية طويلة الأمد. اقتصادياً، لم تعد الحرب مجرد كلفة، بل صدمة تضرب بنية بلد منهك أصلاً، فيتفاقم الانهيار مع كل تصعيد. أما عقائدياً وسيادياً، فيبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يُتخذ قرار الحرب انطلاقاً من المصلحة اللبنانية، أم ضمن سياق إقليمي أوسع يتجاوزها؟
هنا تحديداً تتجلى المشكلة الحقيقية: ازدواجية القرار والشرعية. فلبنان لا يفتقر فقط إلى القوة، بل إلى الإطار الذي يحدد متى تُستخدم هذه القوة ولماذا. ومع غياب هذا الإطار، تتحول كل مواجهة إلى عبء مفتوح، وكل تسوية إلى حل مؤقت.
لذلك، لا يبدأ الحل بنزع السلاح أو بالمواجهة الداخلية، بل بتوحيد القرار ضمن مرجعية وطنية واحدة، وربط الأمن بالاقتصاد، وإعادة تموضع لبنان خارج منطق الساحة المفتوحة، عبر إدارة توازناته لا الانخراط فيها.
أما إذا استمر المسار الحالي، فإن الاتجاه يبدو واضحاً:
- تثبيت لبنان كساحة صراع مفتوحة
- استنزاف اقتصادي متواصل
- وفرض وقائع أمنية وسياسية جديدة من الخارج
في المقابل، يبقى مسار آخر—أصعب لكنه ممكن:
- إعادة بناء قرار الدولة
- وتحويل لبنان من ساحة إلى نقطة توازن
لبنان اليوم بين مسارين: أن يُدار من الخارج… أو أن يبدأ باستعادة قراره من الداخل.
فحين يتوحّد القرار، يتغير الاتجاه… ويتحدد المصير ويصبح ما عداه قابلاً للحل.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




