حذر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) من أن الصراع القائم في الشرق الأوسط قد يثقل كاهل النشاط الاقتصادي في مناطق عمله، مع توقع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، واضطرابات في التجارة والسياحة، وتشديد شروط التمويل. وأكد البنك أنه مستعد لدعم عملائه والدول التي يعمل فيها للتعامل مع التداعيات الاقتصادية لهذه التطورات، ضمن إطار تحديثه الاقتصادي الإقليمي حول "الأثر الاقتصادي المحتمل للصراع في الشرق الأوسط".
توضح تحليلات البنك كيف تنتقل التوترات الجيوسياسية عبر أسواق السلع وسلاسل التوريد والقنوات المالية، ما يعكس سرعة تأثير الصدمات على الأسواق والظروف المالية. وأشارت بياتا يافورشيك، كبيرة الاقتصاديين في البنك، إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يأتي في وقت يواجه فيه قطاع التصنيع الأوروبي تحديات كبيرة، في حين تضغط التداعيات الأوسع على الميزانيات الحكومية التي تعاني أصلاً من زيادة الإنفاق الدفاعي وارتفاع تكاليف خدمة الدين في جنوب وشرق البحر المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. ومن المرجح أن تستمر آثار الصراع حتى بعد انتهاء الأعمال العدائية.
القنوات الاقتصادية والمالية المتأثرة
تأثرت أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجة الانقطاعات في الإنتاج ومسارات النقل في الخليج العربي. ورغم أن الأسعار لا تزال أقل من مستوياتها التاريخية، فإن الطلب قصير الأجل على الطاقة غير مرن نسبيًا، وقد يؤدي استمرار الانقطاعات إلى زيادة كبيرة في الأسعار. وتوقع البنك أن يؤدي بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل واستمرار تعطل سلاسل الإمداد إلى ارتفاع التضخم العالمي بأكثر من 1.5 نقطة مئوية، ما قد يستلزم تعديل توقعات النمو في مناطق البنك الأوروبية والآسيوية. كما أشار إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 180 دولارًا للبرميل إذا استمر انخفاض الإمدادات القادمة من دول الخليج، نظرًا لأن الطلب العالمي لا يتفاعل سريعًا مع التغيرات المفاجئة في الإمدادات.
وتظل أسواق الغاز متوترة، مع انخفاض مستويات التخزين الأوروبية بشكل كبير، ما قد يحافظ على الأسعار المرتفعة حتى بعد انتهاء الصراع بسبب الوقت اللازم لاستئناف الإنتاج وبناء المخزونات. ويتأثر قطاع الزراعة وسلاسل التوريد الصناعية أيضًا، إذ يمر جزء كبير من التجارة العالمية في الأسمدة عبر مضيق هرمز، ما يزيد من مخاطر ارتفاع أسعار الغذاء، إلى جانب تأثير تعطلات مسارات التجارة على مدخلات حيوية مثل الألمنيوم والكبريت والهيليوم والبتروكيماويات والبلاستيك، مما يضيف ضغوطًا تضخمية عالمية.
التجارة مع دول مجلس التعاون الخليجي تبقى محورًا مهمًا للاقتصادات الإقليمية، بينما تبقى التجارة المباشرة مع إيران محدودة. كما قد تواجه الاقتصادات المعتمدة على المرور عبر مضيق هرمز، مثل العراق، تحديات إضافية، رغم أن الاحتياطيات الحالية من السلع الأساسية مثل القمح توفر بعض التخفيف. وتعتبر السياحة والتحويلات المالية قنوات إضافية لنقل الصدمات؛ فالاقتصادات المعتمدة على السياحة، مثل الأردن، قد تشهد انخفاضًا في عدد الزوار، في حين قد تتعرض التحويلات المالية من دول الخليج لضغوط تؤثر على لبنان والأردن ومصر، كونها مصدرًا مهمًا للدخل.
الدول الأكثر تضررًا وآثار أسعار الطاقة
أكد البنك أن لبنان والأردن والعراق ومصر وأوكرانيا ومنغوليا والسنغال وتونس ومولدوفا وكينيا وتركيا ومقدونيا الشمالية هي الأكثر تضررًا في مناطق عمل البنك، وذلك بالنظر إلى مجموعة واسعة من العوامل تشمل الطاقة والغذاء إلى جانب القدرة المالية على امتصاص الصدمات. وأضاف أن مصر والمغرب والسنغال تعاني من عجز كبير في تجارة الطاقة واعتمادًا كبيرًا على النفط، بينما تتراوح فوائض تجارة النفط والغاز في أذربيجان والعراق وكازاخستان ومنغوليا ونيجيريا بين 11 و39 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع مراعاة توقف الإنتاج أو خفضه في أكبر حقول النفط العراقية.
وأشار البنك إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط تمنح روسيا "إيرادات غير متوقعة" من مبيعات النفط والغاز والأسمدة تعادل حوالي 1.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مما يعكس أثر الصراع على التحولات الاقتصادية العالمية.
التأثير المالي والتوقعات المستقبلية
من الناحية المالية، ارتفعت عوائد السندات في جنوب وشرق البحر المتوسط وتركيا، بينما ظلت تدفقات رأس المال الخارجة تحت السيطرة، لكنها قد تتفاقم إذا ساءت الأوضاع المالية العالمية. وقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات التجارية تعتمد على احتياطياتها المالية والخارجية، إذ إن الدول الأكثر عرضة للتأثر هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والأسمدة والغذاء ولها روابط قوية مع الخليج ومساحة مالية محدودة.
ويختتم البنك بالإشارة إلى أن الصراع قد يعزز على المدى الطويل أهمية الأمن الطاقي ويعجل بانقسام التجارة العالمية، خصوصًا في مجالات الطاقة والمواد الخام الحيوية، في الوقت الذي توفر فيه أسعار الطاقة المرتفعة بالفعل إيرادات فائضة لبعض مصدري السلع، بما في ذلك روسيا.




