د. سوليكا علاء الدين
في خضم الحروب الجيوسياسية الكبرى، تتجاوز الجغرافيا كونها واقعًا طبيعيًا لتصبح أداة استراتيجية تتحكم في مسار الاقتصاد العالمي وتحدد موازين القوى بين الأقطاب الكبرى. ومع تصاعد حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، عاد التركيز الدولي إلى الممرات البحرية الحيوية، حيث أصبحت مضائق مثل هرمز وباب المندب نقاطًا حاسمة، ليس فقط للصراع العسكري، بل كمفاتيح للتحكم في تدفقات الطاقة والموارد وتحقيق النفوذ الاستراتيجي. تعمل هذه الممرات الضيقة كشبكات حيوية تنقل النفط والغاز والسلع الأساسية بين القارات، وأي اضطراب فيها يتجاوز تأثيره على الملاحة ليشكل صدمة اقتصادية عالمية تؤثر مباشرة على الاقتصادات الكبرى والصغرى على حد سواء.
لذلك، لم تعد مراقبة هذه النقاط وحمايتها مجرد هدف أمني أو عسكري، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في حرب الاقتصاد العالمي. كل اضطراب في هذه الممرات يكشف هشاشة سلاسل الإمداد ويختبر قدرة الأنظمة الاقتصادية على الصمود، ما يجعل السيطرة على الطاقة والموارد قلب الصراع الحديث، حيث تتقاطع الحروب العسكرية مع الحروب الاقتصادية في آن واحد.

هرمز: قلب معادلة الطاقة العالمية
يشكّل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية واستراتيجية في العالم، إذ يعد الخط الرئيسي الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. يمر عبره حجم هائل من الموارد الاستراتيجية، بما في ذلك نحو 35 في المئة من النفط الخام المتداول بحراً، وربع السوائل الغازية، وخمس الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب نسب كبيرة من الأسمدة والمعادن والمواد الكيماوية والمنتجات النفطية. وتنبع أهمية المضيق من اعتمادية معظم صادرات النفط لدول الخليج عليه بشكل مباشر، بما يشمل السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، إلى جانب جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله نقطة ارتكاز حيوية لأمن الطاقة العالمي.
غير أن الحرب على إيران قلبت هذا التوازن، إذ أدت الضربات العسكرية وتصاعد التوترات البحرية إلى هجمات على سفن مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ما تسبب في انخفاض حركة الملاحة بشكل حاد بعد أن كان يعبره تاريخيًا نحو 138 سفينة يوميًا. ومع توقف جزء كبير من تدفقات النفط، بدأت الأسواق تواجه خطر عجز كبير في الإمدادات، في حين تظل قدرة خطوط الأنابيب البديلة محدودة، قادرة على تعويض كميات صغيرة فقط، ما يهدد بحدوث صدمة غير مسبوقة قد تصل إلى نحو 15 مليون برميل يوميًا في حال الإغلاق الكامل.
صدمة النفط وتداعياتها على الاقتصاد العالمي
انعكس هذا الاضطراب سريعًا على أسعار الطاقة، إذ يتوقع المحللون ارتفاع خام برنت إلى 180 دولارًا للبرميل إذا استمر تعطل الملاحة في الأسابيع المقبلة. ولا يقتصر تأثير الأزمة على قطاع النفط فحسب، بل يمتد ليطال الاقتصاد العالمي بأسره، إذ تلعب الطاقة دورًا محوريًا في جميع مراحل الإنتاج والنقل، ما يؤدي إلى تضخم متسارع، وزيادة تكاليف النقل والتشغيل الصناعي والزراعي، ويؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي الأكثر استهلاكًا للطاقة.
وتصف الوكالة الدولية للطاقة هذا الاضطراب بأنه "أكبر أزمة في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي"، بعد أن تقلصت تدفقات النفط اليومية من نحو عشرين مليون برميل قبل الصراع إلى مستويات منخفضة جدًا، مع ارتفاع سعر خام برنت إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، مسجّلًا ارتفاعًا بنحو 50 في المئة منذ بداية الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي.
وفي محاولة لتهدئة أسواق الطاقة ، أعلنت الإدارة الأميركية خطة للإفراج عن نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وفق وثائق وزارة الطاقة الأميركية، التي أشارت إلى إطلاق 45 مليون برميل منها بشكل فوري. كما تتعاون الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية لضخ ما يصل إلى 400 مليون برميل، في أكبر عملية من نوعها على مستوى الوكالة.
ومع ذلك، تبقى الفجوة في الإمدادات كبيرة، إذ فقدت الأسواق ما بين 10 و15 مليون برميل يوميًا نتيجة توقف حركة المضيق، في حين كانت التدفقات الطبيعية تصل إلى نحو 20 مليون برميل يوميًا. وتشمل الإجراءات منح إعفاء لمدة 30 يومًا للدول لشراء النفط الروسي ومنتجاته العالقة في البحر والخاضعة للعقوبات، في محاولة لتخفيف الضغوط على الأسواق، لكنها لم تحقق سوى أثر محدود على الأسعار.
الأمن الغذائي العالمي في مواجهة الأزمة
لا يقتصر تأثير الحرب على إيران على أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد ليطال الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر. تشكّل الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر شريانًا حيويًا لنقل الحبوب، الأسمدة الزراعية، والمواد الغذائية بين القارات، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على سلاسل الإمداد الغذائية. ويعد مضيق هرمز محورًا رئيسيًا لهذه التجارة، إذ يمر عبره نحو 30 في المئة من صادرات الأسمدة النيتروجينية عالميًا، بما في ذلك اليوريا، بينما تمثل دول الشرق الأوسط نحو خُمس تجارة الفوسفات العالمية ونصف إمدادات الكبريت الأساسية لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
وأدى توقف الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والوقود إلى نقص حاد في الإمدادات، ما دفع أسعار الأسمدة إلى القفز بنحو 19 في المئة في الشرق الأوسط و32 في المئة في الولايات المتحدة خلال فترة وجيزة. ومع اعتماد العديد من الدول منخفضة الدخل بشكل كبير على واردات الغذاء والأسمدة من الشرق الأوسط، أصبح الخطر مضاعفًا: ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، نقص الإمدادات الأساسية، وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا. ونتيجة لذلك، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي إلى 125.3 نقطة في فبراير/شباط، بعد خمسة أشهر من الانخفاض المتواصل، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار النزاع قد يدفع ملايين إضافيين إلى الجوع الحاد.
ويبرز ملف الأسمدة بوصفه أحد أخطر المسارات الأقل ظهورًا لتداعيات الحرب، إذ يمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة إنتاج الحبوب، ويؤثر أي اضطراب في تدفقها على المزارعين أولًا، ثم على المستهلكين لاحقًا. مع توقف الإنتاج في مصانع كبيرة مثل مصنع اليوريا في قطر وقيود الإمدادات من الهند والبرازيل ومصر، تصبح الأسواق العالمية أمام ضغط مزدوج: نقص في الإمدادات وارتفاع في الكلفة.

الولايات المتحدة وإيران: خيارات النفوذ والتكلفة الاقتصادية
في ظل هذه الاضطرابات المتصاعدة، تواجه الولايات المتحدة خيارين رئيسيين: إما التوصل إلى اتفاق مع طهران لإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، وهو ما قد ينجم عن مفاوضات الظل الجارية، أو تصعيد المواجهة العسكرية لضمان أمن الممر، بما يشمل إشراك دول أخرى في النزاع أو السعي للسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، التي تمثل نحو 90 في المئة من صادرات الطاقة الإيرانية، للضغط على إيران لإعادة فتح المضيق، مع ما يصاحب هذا الخيار من مخاطر جسيمة تهدد الملاحة البحرية والأمن الإقليمي والعالمي.
وتزيد من حدة التوتر التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن أي عمل عسكري أميركي ضد جزيرة خارك قد يؤدي إلى تصعيد شامل، يشمل زعزعة الأمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب شن المزيد من الهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة، مما يضاعف المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية على المستوى العالمي.

باب المندب: الحلقة الثانية في سلسلة الإمداد العالمية
إذا كان إغلاق مضيق هرمز يترك أثره على أسواق الطاقة العالمية، فإن تهديد مضيق باب المندب يتركز على تكلفة الوقت وتأمين تدفق السلع الاستراتيجية. يقع المضيق بين اليمن وجيبوتي وإريتريا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويبلغ طوله نحو 50 كيلومترًا وعرضه نحو 26 كيلومترًا، ما يجعله أحد أبرز نقاط الاختناق البحرية في العالم.
تكمن أهميته في كونه المدخل الجنوبي لقناة السويس، مما يجعله جزءًا أساسيًا من الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا. تمر عبره معظم السفن التي تنقل النفط والبضائع بين الخليج وأوروبا قبل الوصول إلى قناة السويس، ويعبر المضيق نحو 14 في المئة من تجارة الحبوب العالمية، إلى جانب الفحم والحديد والمواد الخام الأخرى. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 30 في المئة من تجارة النفط و40 في المئة من البضائع الجافة تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، فيما تبلغ نسبة حركة الحاويات نحو 22 في المئة سنويًا وفق منظمة الأونكتاد.
وازدادت أهمية المضيق مؤخرًا مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر والهجمات على السفن التجارية والتهديدات القادمة من اليمن، ما جعله ورقة ضغط استراتيجية تؤثر مباشرة على التجارة العالمية. وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة سيجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل ويطيل زمن الرحلات، ويؤدي إلى تأخير وصول البضائع إلى الأسواق العالمية وارتفاع أسعار السلع نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين.
تشير التحليلات إلى أن أي إغلاق للمضيق قد يؤثر على نحو 12 في المئة من حركة التجارة البحرية العالمية، ويقطع معبرًا رئيسيًا بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ويضاعف أثر إغلاق مضيق هرمز على الصادرات النفطية الخليجية. كما يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الذي تحتاجه أوروبا، ونحو 98 في المئة من السفن المتجهة إلى قناة السويس، مما يبرز دوره المحوري في أمن الطاقة والتجارة الدولية.
سيناريو "نقطتي الاختناق": الأزمة الكبرى
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب معًا، ما يُعرف بـ"نقطتي الاختناق المزدوجتين". في هذه الحالة، قد تتعطل أجزاء كبيرة من تجارة النفط العالمية، وتواجه أكبر الاقتصادات الصناعية، خصوصًا في آسيا، انقطاعًا في الإمدادات الحيوية، مع إعادة رسم مسارات التجارة العالمية عبر طرق أطول وأكثر تكلفة، ما يؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة وارتفاع أسعار الطاقة والسلع.
وفي حال الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، فإن التداعيات لن تقتصر على المنطقة، بل ستطال الاقتصاد العالمي بأسره. فمن المتوقع أن تشهد التجارة بين أوروبا وآسيا تباطؤًا ملحوظًا، مع ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة، واضطراب في سلاسل الإمداد الغذائية والصناعية، وزيادة كبيرة في تكاليف الشحن والتأمين. تكمن مخاطر المرحلة الحالية في احتمال تزامن الضغوط على باب المندب مع تهديدات في هرمز، مما يخلق صدمة مزدوجة: الأولى على مستوى تجارة الطاقة، والثانية على مستوى التجارة العامة وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
ويمكن القول، إن مضيق باب المندب يشكل أكثر من مجرد ممر بحري ضيق؛ فهو عقدة استراتيجية حيوية تتقاطع عندها تجارة النفط والغاز والسلع الأساسية. وأي اهتزاز واسع في المضيق، لا سيما إذا تزامن مع توترات في هرمز، قد يعيد رسم خريطة الشحن العالمية مؤقتًا، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة جديدة من الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو.
إيران: نفوذ مؤقت وتكلفة اقتصادية عالية
في حربها على الاقتصاد العالمي، تمتلك إيران أوراق ضغط قوية، أبرزها تهديدها بوقف الشحن في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لأسواق الطاقة، ما أحدث صدمات ملموسة في النظام الاقتصادي الدولي. تكمن فعالية استراتيجيتها في الجمع بين الأسلحة الاقتصادية وأدوات الحرب التقليدية، إذ من الصعب لإيران هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل عسكريًا، لكنها قادرة على رفع تكلفة أي تدخل خارجي إلى مستويات قد تهز الإرادة السياسية الأميركية. فالصواريخ والطائرات المسيرة والألغام، أو مجرد التهديد باستخدامها، تشكل أسلوبًا منخفض التكلفة نسبيًا لكنها قادرة على كبح جماح أنظمة تعتمد على التخطيط والانستقراروالتوازن في اتخاذ القرارات.
وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي تفرضها الحرب وتهديدات إغلاق المضائق على الاقتصاد العالمي، تحقق إيران مكاسب جزئية محدودة، فإمكانية فرض رسوم على عبور السفن وارتفاع أسعار النفط مؤقتًا تتيح لطهران زيادة الإيرادات وتحسين ميزان المدفوعات، بما يعزز قدرتها على تمويل برامجها الداخلية واستثماراتها العسكرية. غير أن هذه المكاسب تواجه قيودًا كبيرة، إذ يظل الاقتصاد الإيراني مثقلاً بالعقوبات الدولية والقيود المصرفية وضعف الاستثمارات الأجنبية، مما يجعل أي استفادة قصيرة المدى عرضة للتراجع في حال حدوث تهدئة أو تدخل عسكري دولي.
اقتصاديًا، لم تحقق إيران حتى الآن أرباحًا صافية من الصراع، إذ تأتي المكاسب الجيوسياسية على حساب تكاليف اقتصادية فعلية، مع استمرار ضغوط التضخم والعجز المالي وضعف القدرة الإنتاجية، ما يؤكد أن استراتيجيتها الراهنة تبني نفوذًا مؤقتًا دون تحويله إلى قوة اقتصادية مستدامة.

الاقتصاد الأميركي: ربح جزئي مع مخاطر هيكلية
تخوض الولايات المتحدة حربين متوازيتين: الأولى عسكرية، والثانية اقتصادية عبر أدواتها الجيواقتصادية التقليدية لتعزيز قوتها ونفوذها الاقتصادي، بدلاً من استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
على صعيد الأسواق، يبدو الاقتصاد الأميركي مستفيدًا جزئيًا من ارتفاع أسعار النفط. فقد أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن هذا الارتفاع يعني «أرباحًا كبيرة» للولايات المتحدة. ورغم إمكانية أن تحقق شركات النفط الأميركية عشرات المليارات من الدولارات إذا استمرت الأسعار عند المستويات الحالية، فإن الولايات المتحدة لا تعد رابحة صافية. فالعديد من المنتجين الأميركيين معرضون مباشرة للاضطرابات في الشرق الأوسط، وخسارة مليارات الدولارات ممكنة إذا تأثرت سلاسل الإمداد أو ارتفعت تكاليف النقل والتأمين.
علاوة على ذلك، بعد سنوات من تقليص القدرة الإنتاجية نتيجة انخفاض أسعار الجملة، تعاني معظم شركات النفط الصخري الأميركية من صعوبة زيادة الإنتاج بسرعة لتلبية الطلب المتزايد. والأهم من ذلك، أن الأميركيين يعدون أكبر مستهلكي النفط والغاز للفرد على مستوى العالم، ما يجعلهم حساسين مباشرة لتقلبات الأسعار. ويشير الاقتصاديون في Oxford Economics إلى أن صعود أسعار النفط إلى 140 دولارًا للبرميل واستمرارها عند هذا المستوى قد يضعف الاقتصاد الأميركي ويؤدي إلى انكماش محتمل.
ومع ذلك، فإن المكاسب المباشرة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط تقابلها تكاليف غير مباشرة كبيرة، إذ تهدد الاضطرابات في الشرق الأوسط سلاسل الإمداد للطاقة والمواد الخام، وتزيد الضغط على المستهلك الأميركي، الأكثر اعتمادًا على النفط والغاز، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب المحلي وإبطاء النمو الاقتصادي. في هذه المرحلة، يمكن اعتبار منتجي النفط الأميركيين "المنتصرين النسبيين"، إذ يحققون أرباحًا مؤقتة من ارتفاع الأسعار، بينما يظل الاقتصاد الأميركي كمؤسسة ومستهلك معرضًا بشكل كبير للصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، يشير تقرير "تداعيات العدوان الأميركي-الإسرائيلي على أسواق النفط وانعكاس ذلك على الاقتصاد الأميركي واقتصادات الدول الصناعية" الصادر عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق إلى أن ارتفاع أسعار النفط بفعل النزاع أدى إلى صدمة مباشرة في الاقتصاد الأميركي، حيث تنتقل تكاليف الطاقة المرتفعة بسرعة إلى أسعار السلع والخدمات عبر زيادة كلفة النقل والإنتاج. ويؤكد التقرير أن أي ارتفاع طويل الأمد للأسعار فوق 120–130 دولارًا للبرميل يعزز الضغوط التضخمية، وقد يدفع الاقتصاد نحو حالة "ركود تضخمي" إذا استمر فوق 150 دولارًا، بينما يظهر تأثير الصدمة تدريجيًا خلال شهرين إلى أربعة أشهر، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات صعبة بين رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم أو الإبقاء على سياسة نقدية ميسرة، مع انعكاسات مباشرة على نمو الاقتصاد الأميركي وأرباح الشركات والأسواق المالية.
سلاح الاقتصاد
يتضح من مجمل التطورات أن الصراع في الشرق الأوسط يتجاوز إطار الحرب العسكرية التقليدية ليصبح حربًا اقتصادية متكاملة، يرتكز محورها على السيطرة على مصادر الطاقة والنفط. فالهيمنة العسكرية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة لفرض النفوذ على الممرات الاستراتيجية التي تتحكم في تدفقات النفط والغاز والسلع الأساسية، بما يتيح التأثير المباشر على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.
في هذا السياق، تُدار الحروب الحديثة وفق حسابات اقتصادية دقيقة، حيث تتحول نقاط الاختناق البحرية إلى أدوات ضغط على الاقتصاد العالمي، وتصبح أسعار النفط والموارد الطبيعية مؤشرات رئيسية للقوة السياسية والاقتصادية. وتكشف الأحداث أن السيطرة على الموارد، سواء كانت طاقة، معادن، أسمدة أو مياه، تمثل جوهر النتيجة، وأن العوائد الاقتصادية المحتملة من التحكم بهذه الموارد تفوق كثيرًا المكاسب العسكرية المباشرة.
الحرب الحالية نموذج واضح للمعارك التي تُخاض للسيطرة على كنوز الأرض، حيث تُستخدم القوة القتالية كغطاء لتحقيق أهداف استراتيجية اقتصادية، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمي. وأي اضطراب في هذه الموارد لا يقتصر تأثيره على الأسواق الإقليمية، بل يخلق موجات صدمة تمتد إلى النمو العالمي والتجارة الدولية والتضخم، ما يجعل الاقتصاد في الوقت نفسه أداة ضغط وساحة مواجهة.




