الحرب تضرب الحلقة الخفية
في النظام الغذائي العالمي

18.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال

 في الأيام الأولى للحرب مع إيران، انشغلت الأسواق العالمية بسؤال واحد وهو إلى أي مستوى يمكن أن تصل اسعار النفط والغاز؟ لكن مع مرور الوقت بدأت تتضح قناة أخرى أكثر عمقاً قد تنقل آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي، وهي سوق الأسمدة. فممر هرمز البحري الذي تعثرت فيه ناقلات النفط والغاز هو نفسه الممر الذي تمر عبره كميات كبيرة من اليوريا، الأمونيا، الكبريت، والغاز الطبيعي المسال، وهي المواد التي تقوم عليها الزراعة الحديثة.

وبينما يمكن للأسواق عادة امتصاص صدمة نفطية محدودة عبر المخزونات أو زيادة الإنتاج من مناطق أخرى، فإن سوق الأسمدة أقل مرونة بكثير. فالإنتاج العالمي يعتمد على عدد محدود من المراكز الصناعية التي تقوم أساساً على توفر الغاز الطبيعي باسعار تنافسية، وفي مقدمتها الخليج، روسيا، أجزاء من أميركا الشمالية، واستراليا. لذلك فإن تعثر الملاحة في مضيق هرمز يرفع كلفة الشحن، ويضغط أيضاً على واحدة من أهم حلقات الإنتاج الزراعي في العالم.

تعثر الملاحة في هرمز ينقل الصدمة من الطاقة إلى الزراعة

ينتج الغاز الطبيعي الأمونيا، والأمونيا تنتج الأسمدة النيتروجينية، وهذه الأسمدة مسؤولة عن جزء كبير من الإنتاج الزراعي العالمي. وتشير تقديرات الصناعة إلى أن الغاز يمثل ما بين سبعين وتسعين في المئة من كلفة إنتاج الأمونيا، ما يجعل أي اضطراب في إمداداته أو في طرق نقله ينتقل بسرعة إلى أسعار الأسمدة.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن الخليج ليس مورداً هامشياً في هذه السوق. وتمر نسبة كبيرة من صادرات المنطقة من المواد الاساسية لصناعة الاسمدة عبر مضيق هرمز ما يجعل استمرار تعثر الملاحة فيه عاملاً ضاغطاً على السوق العالمية بأكملها.

الأسمدة تصبح القناة الأهم لانتقال التضخم الغذائي

يعني هذا التركيز الجغرافي للإمدادات أن طول الحرب يهم أكثر من حجم الصدمة الأولى. فالسوق يمكن أن تتكيف مع اضطراب قصير، لكن استمرار التعثر في الشحن لأسابيع أو أشهر يدفع الأسعار إلى الارتفاع بسرعة، لأن البدائل اللوجستية محدودة ولا يمكن زيادة القدرة الإنتاجية خارج المنطقة فوراً.

وهذا ما بدأت المؤشرات تعكسه بالفعل. فقد  ارتفعت أسعار الأسمدة في بعض الأسواق الأميركية خلال أيام من نحو 516 دولاراً للطن إلى أكثر من 680 دولاراً، بينما ارتفع سعر اليوريا العالمية من نحو 487 دولاراً إلى ما يقارب 700 دولار للطن. وفي الوقت نفسه بدأ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء يتحرك صعوداً، مع تسجيل زيادات في أسعار الحبوب والزيوت النباتية.

لكن الأثر الأهم لهذه التطورات لا يظهر فقط في البورصات السلعية انما ايضا في قرارات المزارعين. فموسم الزراعة الربيعي في أميركا الشمالية وأوروبا يبدأ في وقت يعتمد فيه المزارعون على شحنات الأسمدة التي تصل عادة قبل أسابيع من بدء الزراعة. وعندما ترتفع الأسعار فجأة أو تتأخر الإمدادات، يصبح أمام المزارعين خياران: دفع الكلفة المرتفعة أو تقليل الاستخدام.

وتشير الدراسات الزراعية إلى أن الأسمدة مسؤولة عن نسبة كبيرة من الزيادة في الإنتاج الزراعي خلال العقود الماضية. لذلك فإن تقليص استخدامها يؤدي إلى ارتفاع الكلفة، وأيضاً إلى انخفاض الغلة الزراعية نفسها، خصوصاً في المحاصيل الأكثر استهلاكاً للنيتروجين مثل الذرة والقمح.

موسم الزراعة العالمي يدخل مرحلة عدم اليقين

تجعل هذه المعادلة صدمة الأسمدة مختلفة عن صدمات الطاقة التقليدية. فارتفاع أسعار النفط يضغط على الاقتصاد، لكنه لا يغير بالضرورة حجم الإنتاج الغذائي. أما ارتفاع أسعار الأسمدة فيمكن أن يؤثر مباشرة في كمية الغذاء المنتجة.

وفي وقت تدخل فيه الأسواق الزراعية موسم الزراعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، يصبح أي نقص في الأسمدة أو ارتفاع حاد في أسعارها عاملاً قد يغير قرارات الزراعة نفسها، سواء عبر تقليل المساحات المزروعة أو خفض كمية المغذيات المستخدمة.

وفي الوقت الذي تمتلك فيه بعض الدول الكبرى مخزونات أو قدرة مالية تمكنها من امتصاص الصدمة لفترة محدودة، فإن الدول منخفضة الدخل تبقى الأكثر عرضة للتأثر. فارتفاع أسعار الأسمدة يرفع كلفة الإنتاج الزراعي المحلي، ويزيد في الوقت نفسه أسعار الغذاء المستورد.

 العالم العربي يقف في الخط الأمامي لصدمة الأسعار

تظهر هذه الهشاشة بوضوح في المنطقة العربية التي تعد من أكثر مناطق العالم اعتماداً على الواردات الغذائية. فمحدودية الأراضي الزراعية وندرة المياه جعلت العديد من الدول تعتمد على الأسواق العالمية لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتها من الحبوب والزيوت النباتية.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستورد أكثر من أربعين في المئة من غذائها، بينما تصل النسبة في بعض دول الخليج إلى نحو خمسة وثمانين في المئة من الاستهلاك الغذائي.

ولهذا فإن أي ارتفاع في أسعار الحبوب أو تكاليف الإنتاج الزراعي العالمية ينعكس سريعاً على فواتير الاستيراد الغذائي في هذه الدول، كما يضغط على موازنات الحكومات التي تدعم الغذاء.

4

وفي اقتصاد عالمي مترابط، يمكن لاضطراب في ممر بحري واحد أن ينتقل تدريجياً من أسواق الطاقة إلى مصانع الأسمدة، ومن هناك إلى الحقول الزراعية، قبل أن يظهر في النهاية على شكل ارتفاع في أسعار الخبز والأرز والسلع الغذائية الأساسية.