حرب إيران
تعيد اختبار تدفقات
رؤوس الأموال إلى مصر

17.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال

منذ اندلاع الحرب على ايران في نهاية فبراير الماضي، بدأت الأسواق المالية في عدد من الاقتصادات الناشئة تشهد إعادة تقييم سريعة للمخاطر الجيوسياسية، وكان الاقتصاد المصري من بين أكثر الحالات حساسية لهذه التحولات بسبب اعتماده الكبير على استثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين الحكومية. وقد انعكس هذا التحول مباشرة في حركة رؤوس الأموال الأجنبية، حيث سجلت السوق موجة خروج من أذون وسندات الخزانة، في وقت بقي تأثير الحرب على سوق الأسهم أكثر اعتدالاً نسبياً.

فقد أظهرت بيانات السوق أن المستثمرين الأجانب سجلوا صافي بيع بنحو 37.25 مليون دولار في أذون الخزانة المصرية عبر السوق الثانوية خلال تعاملات الاثنين، في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية. وعلى الرغم من أن هذه القيمة تعد من بين الأدنى منذ اندلاع الحرب، فإنها تأتي ضمن موجة تخارج أكبر بدأت مع الأيام الأولى للأزمة.

وتشير تقديرات السوق إلى أن إجمالي التخارجات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية المصرية بلغ أكثر من 6 مليارات دولار منذ بداية الحرب. وقد جاءت هذه التحركات ضمن اتجاه أوسع شهد خروجاً للأموال من عدد من أسواق الدين في الاقتصادات الناشئة مع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الإقبال العالمي على الأصول الآمنة مثل الدولار والسندات الأميركية.

سوق الدين في قلب التأثيرات

تفسَّر سرعة انتقال أثار الحرب إلى مصر بطبيعة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية، وهي استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الحركة غالباً ما تُعرف بالأموال الساخنة.

كانت مصر قد نجحت خلال العامين الماضيين في استعادة جزء كبير من هذه التدفقات بفضل العوائد المرتفعة التي توفرها أذون وسندات الخزانة المقومة بالجنيه المصري. وبلغت حيازات المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة المحلية نحو 45.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، وفق أحدث رقم منشور في بيانات البنك المركزي المصري.

وفي محاولة للحفاظ على جاذبية السوق، بقيت عوائد أدوات الدين الحكومية عند مستويات مرتفعة. فقد أظهرت نتائج مزادات وزارة المالية في مارس 2026 أن متوسط العائد على أذون الخزانة لأجل 91 يوماً بلغ 24.157 في المئة في مزاد الأول من مارس و24.372 في المئة في مزاد الثامن من مارس. كما بلغ متوسط العائد على أذون 182 يوماً نحو 23.840 في المئة ثم 24.117 في المئة في المزادين المتتاليين.

وكانت هذه المستويات المرتفعة من العوائد أحد العوامل الرئيسية التي جذبت المستثمرين الأجانب إلى سوق الدين المحلي في السنوات الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه تعكس حساسية هذه الاستثمارات لأي تغير في تقييم المخاطر المتنوعة.

تأثير أكثر اعتدالاً في سوق الأسهم

في المقابل، كان تأثير الحرب على سوق الأسهم المصرية أكثر اعتدالاً مقارنة بسوق الدين. فقد أظهرت بيانات البورصة المصرية أن المستثمرين الأجانب تحولوا تدريجياً من صافي شراء إلى صافي بيع خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، لكن حجم التخارجات بقي محدوداً نسبياً.

ويرجع ذلك إلى أن سوق الأسهم المصرية تعتمد بدرجة أكبر على المستثمرين المحليين والعرب، ما يوفر قاعدة طلب قادرة على امتصاص جزء من عمليات البيع الأجنبية. كما أن أداء الشركات المدرجة يرتبط بعوامل تشغيلية واقتصادية أوسع، وليس فقط بحركة أسعار الفائدة أو تدفقات المحافظ الأجنبية.

ضغوط على الجنيه المصري

لم يقتصر تأثير الحرب على حركة رؤوس الأموال فحسب، انما امتد أيضاً إلى سوق الصرف. فقد أدى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية إلى زيادة الطلب على الدولار، وهو ما انعكس ضغوطاً إضافية على الجنيه المصري.

وكان الجنيه قد دخل عام 2026 في وضع أكثر استقراراً نسبياً بعد سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والتمويل الخارجي الذي حصلت عليه مصر. لكن التوترات الإقليمية أعادت تقلبات سوق الصرف إلى الواجهة. فقد تجاوز سعر الدولار مستوى خمسين جنيهاً خلال الأسابيع الأولى للحرب، بينما تظهر أحدث بيانات البنك المركزي المصري تداول العملة الأميركية عند مستويات تقارب 52.4 جنيهاً.

وترتبط هذه التطورات ارتباطاً مباشراً بحركة استثمارات المحافظ الأجنبية، إذ يؤدي خروج هذه الأموال إلى زيادة الطلب على الدولار عندما يقوم المستثمرون بتحويل استثماراتهم إلى العملات الأجنبية.

قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة

على الرغم من هذه الضغوط، دخل الاقتصاد المصري هذه المرحلة من موقع أكثر قوة نسبياً مقارنة بالأزمات السابقة. فقد ارتفعت الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي إلى أكثر من خمسين مليار دولار في بداية العام، كما سجل صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي مستويات مرتفعة. وفي نهايى فبراير، بلغ صافي الاصول الاجنبية لدى البنك المركزي المصري حوالي 15.63 مليار دولار اميركي.

كما حصلت مصر في فبراير على دفعة تمويل جديدة من صندوق النقد الدولي ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، ما ساهم في تعزيز الثقة بقدرة البلاد على إدارة الضغوط الخارجية.

اختبار جديد لنموذج التمويل

مع ذلك، تعيد الأزمة الحالية تسليط الضوء على أحد أبرز التحديات الهيكلية في الاقتصاد المصري، وهو الاعتماد الكبير على تدفقات المحافظ الأجنبية في تمويل الدين المحلي. فهذه الأموال توفر مصدراً سريعاً للسيولة، لكنها تجعل الاقتصاد أيضاً أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية والمالية.

وتقدم الحرب الحالية مثالاً واضحاً على سرعة انتقال المخاطر إلى الأسواق المالية. ففي غضون أسابيع قليلة تحولت مصر من مرحلة استعادة التدفقات الأجنبية إلى مواجهة موجة خروج جزئية لرؤوس الأموال.

وفي المدى القريب سيبقى مسار هذه التدفقات مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات الحرب نفسها. فإذا هدأت التوترات في المنطقة، فمن المرجح أن تبدأ بعض الاستثمارات الأجنبية بالعودة تدريجياً إلى سوق الدين المصري مدفوعة بمستويات العائد المرتفعة. أما إذا طال أمد الأزمة، فقد تستمر الضغوط على رؤوس الأموال وسعر الصرف، ما يضع الاقتصاد المصري أمام اختبار جديد لقدرته على إدارة الصدمات الخارجية.