فيصل ابوزكي
على الرغم من جسامة الحرب التي فُرضت على منطقة الخليج، وعلى الرغم من حجم المخاطر التي حملتها إلى مدنه واقتصاداته ومجتمعاته، وعلى الرغم أيضاً من استمرارها حتى الآن من دون وضوح كامل للمخارج والحلول، يمكن القول إن دول الخليج نجحت، حتى هذه اللحظة، في اجتياز أصعب اختبار جيوسياسي واجهته منذ سنوات طويلة. فقد تمكنت، بأفضل السبل الممكنة، من امتصاص صدمة لم تسعَ إليها، بل عملت طويلاً على تفاديها، ونجحت في الحد من أضرارها العسكرية والإنسانية والاقتصادية، وفي منعها من التحول إلى انهيار شامل في الثقة والاستقرار. واظهرت مدى متانة ومرونة النموذج الاقتصادي والسياسي الذي تبنته.
هذه النتيجة لا يمكن النظر إليها بوصفها ثمرة ظرف عابر أو استجابة ظرفية محدودة. فهي تمثل في جوهرها حصيلة أكثر من عقدين من العمل المتواصل على بناء نموذج مختلف في القيادة والإدارة والاقتصاد. فعلى مدى السنوات الماضية، شرعت بلدان الخليج في إعادة صياغة أولويات الدولة نفسها، على قاعدة الأداء والكفاءة والمرونة والانفتاح والاعتدال، وبنت في الوقت ذاته شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة التي أتاحت لها مساحة حركة أكبر في لحظة اشتداد الاستقطاب الإقليمي والدولي.
في البعد العسكري والأمني، كشفت الحرب أن دول الخليج لم تدخل هذه المواجهة مكشوفة، انما دخلتها وقد راكمت على مدى سنوات قدرات دفاعية ومنظومات حماية واستجابة جعلتها أكثر استعداداً للتعامل مع الهجمات الكثيفة التي تعرضت لها. صحيح أن الحرب فرضت مخاطر حقيقية ووضعت المدن والمنشآت الحيوية أمام تهديد مباشر، لكن ما ظهر حتى الآن هو قدرة عالية على الاحتواء والتعامل السريع والحد من الأضرار، بما سمح بحماية المواطنين والمقيمين والحفاظ على الاستقرار العام. وهذا في ذاته إنجاز كبير، لأن نجاح أي دولة في أوقات الحرب هو بقدرتها على حماية المجتمع والحفاظ على انتظام الحياة بقدر ما هو بقدرتها على الرد والدفاع عن نفسها.
أما على المستوى الإنساني، فقد كان الاختبار أكثر حساسية. فالحروب هي أيضاً اختبار لقدرة الدول على رعاية مجتمعاتها تحت الضغط. وهنا أيضاً قدمت دول الخليج نموذجاً لافتاً. فقد تعاملت مع جميع السكان، مواطنين ومقيمين، باعتبارهم جزءاً من مسؤوليتها المباشرة، وحرصت على توفير الغذاء والرعاية الطبية والخدمات الأساسية وأدوات الدعم المختلفة في لحظة كان يمكن أن تنزلق فيها الأوضاع بسهولة نحو الارتباك. ولعل من أكثر المؤشرات دلالة في هذا السياق بقاء معظم المقيمين وعدم حدوث موجة نزوح جماعي واسعة، وهو ما يعكس مستوى الثقة في قدرة هذه الدول على إدارة الأزمة وحماية من يعيش على أراضيها وارتباط المقيمين العميق بها.
وفي الاقتصاد، بدا الاختبار بالغ القسوة، لأن الحرب جاءت في منطقة تشكل قلباً للطاقة العالمية، وفي توقيت دولي شديد الحساسية أصلاً. ومع ذلك، أظهرت اقتصادات الخليج أنها لا تواجه الصدمات الكبرى اليوم بالأدوات نفسها التي كانت تملكها قبل عشرين عاماً. فقد دخلت هذه المرحلة وهي ترتكز إلى أوضاع مالية متينة، واحتياطيات كبيرة، واستثمارات سيادية ضخمة، ومصادر تمويل متنوعة، وهوامش مالية مريحة نسبياً تسمح لها بامتصاص الصدمة من دون السقوط في ارتجال مكلف. هذه القوة المالية العميقة منعت أثر الحرب من التحول إلى أزمة وجودية، ورسخت قدرة الحكومات على التدخل عند الحاجة، ودعمت استمرارية الخدمات والإنفاق ومتانة القطاع المالي والأسواق.
كذلك، أعادت الحرب تأكيد حقيقة كثيراً ما جرى اختزالها في النفط والغاز فقط، وهي أن أهمية الخليج في الاقتصاد العالمي أوسع بكثير من كونه مجرد مصدر للطاقة. فهذه المنطقة باتت تحتل موقعاً محورياً في سلاسل الإمداد العالمية، سواء عبر إنتاج وتصدير النفط والغاز، أو عبر دورها في تجارة وتدفقات عدد من المواد الوسيطة واللقيم والمنتجات الأساسية التي تدخل في الصناعة والزراعة والنقل والطاقة. ومن هنا، فإن ما كشفته الأزمة أيضاً هو حساسية العالم نفسه لما يجري في الخليج. وهذه نقطة قوة استراتيجية كبرى، لأنها تعني أن استقرار المنطقة مصلحة دولية واسعة النطاق بقدر ما هو مصلحة خليجية وعربية.
والأهم من ذلك أن صمود الخليج في هذه الحرب كان صمودا دفاعيا واختبارا في القدرة على امتصاص الصدمة، وكان أيضاً إعادة تأكيد على نجاح خياراته الكبرى خلال العقد الأخير. فالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، والموانئ، والمطارات، والطاقة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والمدن الجديدة، تحولت في زمن الأزمة إلى عناصر قوة حقيقية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإصلاحات الاقتصادية والمالية والتنظيمية، والانفتاح على الاستثمار الأجنبي، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية البلدان الخليجية لرؤوس الأموال والثروات والكفاءات البشرية. كل ذلك جعل الخليج أكثر قدرة على امتصاص انعكاسات الحرب، لأن لديه احتياطيات ضخمة ومؤسسات أكثر نضجاً، وقدرة أعلى على التنفيذ، ونموذجاً أكثر تماسكا في إدارة الدولة والاقتصاد.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب مجرد اختبار أمني أو اقتصادي عابر. انها لحظة كشفت الفارق بين نموذجين متناقضين في المنطقة: نموذج يسعى إلى البناء والاستقرار والازدهار والعقلانية، ونموذج آخر لا ينتج إلا الحروب والاضطراب وتبديد الموارد وتآكل فرص التنمية. لقد أثبت النموذج الخليجي، حتى الآن، أنه أكثر قدرة على حماية المجتمعات، وصون الاقتصاد، وإدارة العلاقات الدولية بقدر عالٍ من التوازن، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، رغم أنه يقع في قلب واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية.
كما كشفت الأزمة أيضاً مستوى لافتاً من التلاحم والتنسيق بين حكومات دول الخليج في مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب. فقد برزت قدرة واضحة على التشاور السريع وتبادل المعلومات وتنسيق السياسات في المجالات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، بما ساعد على إدارة الصدمة بصورة أكثر فعالية. ويعكس هذا الأداء المشترك درجة متقدمة من الثقة والعمل الجماعي بين دول المنطقة، وهو ما قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، تقوم على تعميق التكامل في مجالات الدفاع والاقتصاد والبنية التحتية والأسواق، وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات المستقبلية.
وعندما تسدل هذه الحرب ستارها، فإن الخليج سيكون مرشحاً للعودة بقوة لأن ما بُني خلال السنوات الماضية كان تحولاً عميقاً في بنية الدولة والاقتصاد وموقع المنطقة في العالم. ومع انحسار الخطر، يمكن لهذه الدول أن تستأنف مسارها بوتيرة أقوى في النمو، واستقطاب الاستثمار العالمي، وتعزيز دورها كعقدة مركزية عالمية في التجارة والمال والطاقة والتكنولوجيا. فالثقة التي تُبنى في أوقات الرخاء تبقى مهمة، لكن الثقة التي تتكرس في لحظات الخطر تكون أكثر وزناً وأبقى أثراً.
أظهرت الازمة الحالية أن مشروع الخليج التنموي أكثر صلابة مما ظن كثيرون، وأن الرؤية التي حكمت سياساته خلال العقد الأخير أثبتت فاعليتها تحت النار. برز الخليج، رغم كل المخاطر، كمنطقة تعرف كيف تدير الأزمات، وتحمي مكتسباتها، وتستعد لما بعد العاصفة بثقة أكبر.




