
يعتبر قرار شركة طلبات إطلاق برنامج لإعادة شراء أسهمها خطوة لافتة في مسار الشركة بعد أقل من عامين على إدراجها في سوق دبي المالي. وهو يعكس قراءة استراتيجية من الإدارة لتقييم السهم في السوق وللمرحلة التي تمر بها الشركة والمنطقة في آن واحد. كما أنه يحمل إشارات متعددة للمستثمرين حول ثقة الإدارة في مستقبل الشركة وقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستثمار في النمو وتقديم عوائد مباشرة للمساهمين.
جاء الإعلان عن البرنامج في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً جيوسياسياً ملحوظاً نتيجة الحرب الدائرة حالياً، وما رافقها من اضطرابات في النقل والتجارة وحركة الطيران في بعض الأسواق. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأسواق المالية أكثر حساسية للمخاطر، خصوصاً بالنسبة للشركات المدرجة حديثاً التي لا يزال المستثمرون في طور تقييم نماذج أعمالها وقدرتها على تحقيق نمو مستدام. من هنا فإن توقيت الإعلان بحد ذاته يحمل رسالة إلى السوق مفادها أن الشركة تدخل هذه المرحلة بميزانية قوية وتدفقات نقدية تسمح لها بالاستمرار في الاستثمار والنمو وفي الوقت نفسه إعادة جزء من رأس المال إلى المساهمين.
من الإدراج إلى إعادة التسعير: مسار السهم منذ الطرح
أكملت شركة طلبات طرحها العام الأولي في سوق دبي المالي في ديسمبر 2024، في واحدة من أبرز عمليات إدراج شركات الاقتصاد الرقمي في المنطقة. وقد جاء الطرح في سياق موجة إدراجات شهدتها أسواق الخليج خلال السنوات الأخيرة مع سعي الحكومات إلى تعميق أسواق المال وجذب شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية إلى البورصات المحلية.
وخلال الفترة التي تلت الإدراج، مرّ سهم طلبات بمرحلة إعادة تقييم واضحة من قبل السوق. فقد تم تسعير السهم في الطرح العام الأولي عند 1.60 درهم، وهو الحد الأعلى للنطاق السعري الذي حددته الشركة قبل الإدراج، ما منحها قيمة سوقية تقارب 37.3 مليار درهم (نحو 10.1 مليارات دولار) عند الإدراج.
وفي يوم التداول الأول في ديسمبر 2024 افتتح السهم عند نحو 1.70 درهم ولامس مستوى 1.72درهم قبل أن يتراجع ويغلق قرب 1.49 درهم مع نهاية الجلسة، في إشارة مبكرة إلى أن السوق بدأ سريعاً في إعادة تقييم السهم بعد موجة الحماس الأولية للطرح.
ومنذ ذلك الحين شهد السهم تقلبات مرتبطة بعوامل عدة، من بينها تقييمات المستثمرين لقطاع المنصات الرقمية وبيئة الأسواق الإقليمية. وبحسب بيانات السوق لتداولات نهار الجمعة الفائت، اقفل سعر السهم على حوالي 0.67 درهم، مع نطاق تداول سنوي تراوح بين نحو 0.63 درهم و 1.54 درهم.
وبذلك يكون السهم قد تراجع بأكثر من 50 في المئة تقريباً مقارنة بسعر الطرح، وهو أداء يعكس إلى حد كبير مسار العديد من أسهم التكنولوجيا بعد الإدراج، حيث ينتقل تقييم الشركات من مرحلة التفاؤل المرتبط بالطرح إلى مرحلة تسعير أكثر ارتباطاً بمؤشرات الربحية والنمو الفعلي. وفي هذا السياق يمكن أيضاً قراءة قرار الشركة إطلاق برنامج لإعادة شراء الأسهم كإشارة من الإدارة إلى أن التقييم الحالي للسهم لا يعكس بالكامل إمكانات الشركة على المدى الطويل.
منصة إقليمية سريعة النمو في سوق شديد المنافسة
تعمل طلبات منذ تأسيسها في الكويت عام 2004 على تطوير منصة رقمية تربط بين المطاعم ومتاجر التجزئة والمستهلكين عبر خدمات الطلب والتوصيل، وقد توسعت عملياتها لتشمل الإمارات والكويت وقطر ومصر والبحرين وسلطنة عمان والأردن والعراق، مع قاعدة تتجاوز 6.5 مليون عميل نشط. كما تستفيد الشركة من كونها جزءاً من مجموعة Delivery Hero العالمية، ما يمنحها دعماً تقنياً واستراتيجياً في تطوير منصتها وتعزيز قدرتها على المنافسة في قطاع يشهد نمواً سريعاً وتصاعدا في المنافسة.
لماذا إعادة شراء الاسهم؟
في هذا السياق أعلن مجلس إدارة طلبات اقتراح إطلاق برنامج لإعادة شراء أسهم يصل إلى خمسة في المئة من رأس المال المصدر للشركة، على أن يتم تنفيذ البرنامج خلال فترة قد تمتد إلى عامين بعد موافقة الجمعية العمومية. وسيتم تنفيذ عمليات إعادة الشراء عبر تداولات في السوق المفتوحة في سوق دبي المالي وفق الأنظمة المعمول بها.
كما أوضحت الشركة أن البرنامج سيُموَّل من السيولة المتاحة لديها ومن التدفقات النقدية الحرة الناتجة عن عملياتها التشغيلية، وهو ما يعكس متانة ميزانيتها العمومية وقدرتها على توليد النقد.
ويتزامن البرنامج أيضاً مع استمرار الشركة في توزيع الأرباح على المساهمين، إذ سيصوت المساهمون خلال الجمعية العمومية المقبلة على توزيعات أرباح نهائية لعام 2025 بقيمة 219 مليون دولار، ليصل إجمالي توزيعات العام إلى 421 مليون دولار.
وعادة ما تلجأ الشركات إلى برامج إعادة شراء الأسهم عندما ترى أن سعر السهم في السوق لا يعكس قيمتها الحقيقية. فعندما تقوم الشركة بشراء أسهمها من السوق فإنها ترسل إشارة واضحة إلى المستثمرين بأنها تعتبر السهم مقوماً بأقل من قيمته العادلة، وأنها ترى في إعادة الشراء استثماراً جيداً لرأس المال.
الموازنة بين التوسع والعائد للمساهمين
إلى جانب ذلك، تمثل إعادة الشراء أداة فعالة لإدارة رأس المال. فالشركات التي تحقق تدفقات نقدية قوية تجد نفسها أمام خيارين رئيسيين. فإما تلجأ الى إعادة استثمار هذه الأموال في التوسع والنمو، أو الى إعادة جزء منها إلى المساهمين. وفي حالة طلبات يبدو أن الإدارة تسعى إلى تحقيق توازن بين هذين المسارين، من خلال مواصلة الاستثمار في تطوير المنصة وتوسيع خدماتها في قطاعات الطعام والبقالة والتجزئة، وفي الوقت نفسه إعادة جزء من الفائض النقدي إلى المساهمين.
كما أن خفض عدد الأسهم المتداولة في السوق يؤدي عادة إلى رفع ربحية السهم، وهو مؤشر يحظى بمتابعة وثيقة من قبل المستثمرين المؤسساتيين، ما قد يعزز جاذبية السهم على المدى المتوسط.
مرونة نموذج الأعمال
لكن توقيت الإعلان عن البرنامج في ظل التوترات الإقليمية يضيف بعداً آخر للقرار. فالحروب والأزمات الجيوسياسية غالباً ما تدفع المستثمرين إلى الحذر وإلى إعادة تقييم المخاطر، وهو ما قد يضغط على أسعار الأسهم حتى في الشركات التي لا تتأثر عملياتها بشكل مباشر. ومن هنا يمكن قراءة القرار أيضاً كخطوة استباقية لدعم ثقة السوق في الشركة ومنع حدوث تقلبات مفرطة في سعر السهم.
لا يمكن تجاهل أن قطاع خدمات الطلب والتوصيل يرتبط بمستويات النشاط الاقتصادي والإنفاق الاستهلاكي. وفي أوقات الأزمات قد يتباطأ الاستهلاك في بعض الأسواق نتيجة تراجع الثقة أو اضطراب سلاسل الإمداد. غير أن نموذج أعمال طلبات يتمتع بدرجة من المرونة، إذ إن الطلب على خدمات توصيل الطعام والبقالة يميل في كثير من الحالات إلى الاستقرار حتى في فترات الاضطراب، بل قد يشهد في بعض المدن زيادة عندما يفضل المستهلكون الاعتماد على الخدمات الرقمية بدلاً من التنقل المباشر.
تعزيز سيولة السهم في السوق
وإلى جانب برنامج إعادة شراء الأسهم، قرر مجلس الإدارة تفويض الإدارة التنفيذية بتعيين مزود سيولة لسهم الشركة في سوق دبي المالي بهدف تعزيز عمق التداول وتحسين مستويات السيولة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للشركات المدرجة حديثاً، إذ يساعد وجود مزود سيولة على تقليص الفجوات بين أوامر البيع والشراء ويحد من التقلبات الحادة في سعر السهم، ما يجعل السهم أكثر جاذبية للمستثمرين المؤسساتيين.
بداية مرحلة جديدة بعد الإدراج
ويمكن القول ان قرار طلبات إطلاق برنامج لإعادة شراء أسهمها يؤشر الى مرحلة جديدة في مسار الشركة بعد الإدراج. فبعد فترة التركيز على التوسع السريع في الأسواق، يبدو أن الشركة بدأت في بناء إطار أكثر توازناً لإدارة رأس المال يجمع بين الاستثمار في النمو وتقديم عوائد مباشرة للمساهمين.
كما أن توقيت القرار في ظل الظروف الإقليمية الحالية يمنحه بعداً إضافياً، إذ يشير إلى أن الشركة تسعى إلى تثبيت ثقة المستثمرين في نموذج أعمالها وفي قدرتها على مواصلة النمو حتى في بيئة اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيداً. وفي حال نجحت الشركة في الحفاظ على وتيرة توسعها وتحسين ربحيتها التشغيلية، فقد يشكل برنامج إعادة شراء الأسهم خطوة مهمة في تعزيز جاذبية السهم وترسيخ موقع طلبات كواحدة من أبرز شركات الاقتصاد الرقمي المدرجة في أسواق المنطقة.




