قالت وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقاريرها إن الحرب في الشرق الأوسط تُسبب أكبر اضطراب لإمدادات النفط في التاريخ، وذلك بعد يوم من موافقة الوكالة على الإفراج عن كمية قياسية من النفط من المخزونات الاستراتيجية لتعويض النقص وارتفاع الأسعار. وأوضحت الوكالة أن تدفقات النفط الخام ومنتجاته عبر مضيق هرمز تراجعت من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى مستوى شبه متوقف حالياً، ما دفع دول الخليج إلى خفض إجمالي الإنتاج النفطي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر في الإمدادات ستتفاقم بشكل أكبر ما لم يتم استئناف حركة الشحن بسرعة.
ومن المتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط بمقدار 8 ملايين برميل يومياً خلال مارس، مع تعويض جزئي للخفض في الشرق الأوسط بزيادة الإنتاج لدى منتجين خارج "أوبك+ " مثل كازاخستان وروسيا. وتُظهر التقديرات أن المعروض العالمي سيشهد ارتفاعاً متوسطاً قدره 1.1 مليون برميل يومياً في 2026، مع تحمّل المنتجين خارج "أوبك+ " كامل هذه الزيادة.
تأثير الأزمة على أسواق المنتجات النفطية
وبحسب الوكالة، لا يقتصر تأثير الحرب على النفط الخام، بل امتد إلى أسواق المنتجات النفطية العالمية، حيث تكاد صادرات المنتجات تتوقف عبر مضيق هرمز. ففي 2025، صدرت دول الخليج نحو 3.3 ملايين برميل يومياً من المنتجات المكررة، و1.5 مليون برميل يومياً من الغاز المسال. وأدى الهجوم على المنشآت النفطية وامتلاء خزانات التخزين إلى توقف أكثر من 3 ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير في المنطقة، مع محدودية خيارات التشغيل في مناطق أخرى بسبب نقص المواد الخام.
وفي هذا السياق، اتفقت دول أعضاء وكالة الطاقة الدولية في 11 آذار/مارس على طرح 400 مليون برميل من احتياطياتها الطارئة في الأسواق لمعالجة الاضطرابات الناتجة عن الحرب. وتُظهر البيانات أن المخزونات العالمية الملاحظة من النفط بلغت 8.21 مليار برميل في كانون الثاني/يناير، وهو أعلى مستوى منذ شباط/فبراير 2021، نصفها تقريباً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، و15 في المئة في الصين، و25 في المئة على السفن، والباقي في دول أخرى غير أعضاء في المنظمة.
ارتفاع أسعار النفط وتقلب الأسواق
وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة منذ بدء الهجمات الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير. وارتفعت أسعار خام برنت إلى حدود 120 دولاراً للبرميل قبل أن تهبط إلى نحو 92 دولاراً عند كتابة التقرير، بزيادة 20 دولاراً خلال الشهر. وأدى توقف حركة الناقلات وامتلاء خزانات التخزين إلى خفض الإنتاج في العراق وقطر والكويت والإمارات والسعودية بنحو 8 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، مع إيقاف 2 مليون برميل يومياً من المكثفات والغازات غير التقليدية.
كما أدت الهجمات إلى إغلاق المصافي ومنشآت معالجة الغاز، ما أدى إلى خفض إنتاج المنتجات النفطية، خاصة الديزل ووقود الطائرات، وجعل أسواق هذه المنتجات الأكثر عرضة لأي اضطراب طويل في الإنتاج والتصدير من الشرق الأوسط.
انخفاض الطلب العالمي على المنتجات النفطية
من جهة أخرى، تسببت إلغاءات الرحلات الجوية في الشرق الأوسط وتأثيرها على مراكز النقل العالمية في تراجع الطلب على وقود الطائرات. كما أدت انخفاضات إمدادات الغاز المسال والنافثا إلى إجبار المصانع البتروكيماوية على خفض إنتاج البوليمرات، مع مخاطر على استخدام الغاز المسال في الطهي والتدفئة في الهند وشرق أفريقيا. وبشكل أوسع، أدى ارتفاع أسعار النفط وتدهور آفاق الاقتصاد العالمي إلى تقليل الطلب عبر مختلف المنتجات النفطية، ما دفع وكالة الطاقة الدولية إلى خفض توقعات نمو الطلب العالمي في آذار/مارس وأبريل بمليون برميل يومياً، وللسنة كاملة 2026 بمقدار 210 آلاف برميل يومياً.
الاحتياطيات العالمية ودور الدول المستهلكة
وفقَا للتقرير، تمتلك الدول المستهلكة كميات كبيرة من النفط في المخزون لسد النقص المؤقت في الإمدادات. وتُقدر المخزونات العالمية بأكثر من 8.2 مليار برميل، نصفها تقريباً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، منها 1.25 مليار برميل للاستخدام الطارئ الحكومي، و600 مليون برميل تحت سيطرة القطاع الصناعي بموجب التزامات حكومية.
وتعليقاً على الأزمة، وافقت دول أعضاء وكالة الطاقة الدولية على توفير 400 مليون برميل من احتياطياتها الطارئة للسوق لتخفيف آثار اضطرابات الإمدادات. وقدمت هذه الخطوة وسيلة مؤقتة مهمة لتخفيف الضغط، لكنها تبقى غير كافية دون حل سريع للنزاع واستئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
مستقبل النفط رهن مضيق هرمز
وعليه، يبقى التأثير النهائي للحرب على أسواق النفط والغاز والاقتصاد العالمي مرتبطاً ليس فقط بشدة الهجمات العسكرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، بل بشكل رئيسي بمدة توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وتشير التحليلات إلى أن توفير آليات التأمين والحماية الفعلية للسفن يمثل عاملاً محورياً لاستئناف التدفقات النفطية، وهو شرط أساسي لاستقرار السوق النفطي العالمي في المرحلة المقبلة.




