من النفط إلى المواد الصناعية:
اثار حرب ايران تمتد إلى سلاسل الإنتاج العالمية

12.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

فيصل أبوزكي

تكشف الحرب الحالية المرتبطة بإيران أن أهمية الخليج في الاقتصاد العالمي تتعدى النفط والغاز لتمتد إلى شبكة واسعة من المواد الصناعية والزراعية التي تعتمد عليها قطاعات كاملة من الإنتاج العالمي. فإلى جانب الطاقة، يمر عبر هذه المنطقة جزء مهم من تجارة الكبريت واليوريا وغاز الهيليوم والأسمدة والألمنيوم والمشتقات البترولية والمواد البتروكيماوية. ومع اضطراب الملاحة وارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الخليج، بدأت آثار الحرب تتسرب إلى هذه الأسواق أيضاً، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط التضخمية التي بدأت تمتد إلى الغذاء والصناعة والتكنولوجيا.

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن الخليج يمثل مركزاً رئيسياً لعدد من المواد الوسيطة التي تدخل في قلب سلاسل الإنتاج العالمية. فالكثير من هذه المواد لا تصل مباشرة إلى المستهلك النهائي، لكنها تدخل في تصنيع منتجات أخرى. ولذلك فإن اثار أي اضطراب في تدفقها  تبدأ في المصانع والمزارع قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الأسواق والمستهلك.

الكبريت: مادة صامتة تربط النفط بالزراعة

من أبرز الأسواق التي بدأت تتأثر بالاضطرابات الحالية سوق الكبريت. تُنتج هذه المادة أساساً كمنتج ثانوي من عمليات معالجة النفط والغاز، ولذلك يرتبط إنتاجها بشكل وثيق بصناعة الطاقة. وتشير تقديرات مؤسسات الصناعة مثل معهد الكبريت  The Sulphur     Institute إلى أن دول الخليج تمثل ما بين  40و 45 في المئة من صادرات الكبريت العالمية، مع دور رئيسي للسعودية والإمارات وقطر في تزويد الأسواق الآسيوية.

ومع اضطراب الشحنات في الخليج في الأسابيع الأخيرة، بدأت الإمدادات المتجهة إلى آسيا تتباطأ، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع في بعض الأسواق الرئيسية، خصوصاً في الصين التي تعد أكبر مستهلك لهذه المادة. وقد ارتفعت الأسعار هناك بنحو  15 في المئة خلال فترة قصيرة.

تكمن أهمية الكبريت في أنه المادة الأساسية لإنتاج حمض الكبريتيك، وهو من أكثر المواد الكيميائية استخداماً في العالم. ويُعد هذا الحمض حجر الأساس في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، إضافة إلى استخدامه في صناعات كيميائية ومعدنية متعددة. لذلك فإن أي ارتفاع في سعر الكبريت ينعكس بسرعة على تكلفة إنتاج الأسمدة، ما يربط بشكل غير مباشر بين اضطرابات الطاقة في الخليج وأسعار الغذاء في العالم.

الأسمدة: الطريق غير المباشر إلى تضخم الغذاء

تزامنت الاضطرابات في سوق الكبريت مع ارتفاع أسعار اليوريا، أحد أهم الأسمدة النيتروجينية في العالم. وتشير بيانات التجارة العالمية إلى أن الشرق الأوسط يمثل نحو ربع تجارة اليوريا العالمية. ويتركز الجزء الاكبر من هذه الصادرات في دول الخليج، لا سيما قطر والسعودية والإمارات التي تعد من أبرز الموردين للأسواق الاسيوية.

ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن، يُقدر ان أسعار اليوريا ارتفعت في بعض الأسواق بنحو 30 إلى 45 في المئة منذ بداية الأزمة. وقد لا يبدو هذا التطور مؤثراً فوراً في أسعار الغذاء، لكن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة ينتقل تدريجياً إلى أسعار الحبوب والمحاصيل الزراعية.

ويعود ذلك إلى أن المزارعين يشترون الأسمدة قبل موسم الزراعة، ثم تظهر آثارها في موسم الحصاد اللاحق. لذلك فإن ارتفاع تكلفة الأسمدة اليوم قد ينعكس على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة أو في الموسم الزراعي التالي، وهو ما يجعل الاضطرابات الحالية عاملاً إضافياً في الضغوط التضخمية العالمية.

الهيليوم: سوق صغيرة لكنها حيوية للتكنولوجيا

في جانب آخر من الاقتصاد العالمي، برزت مخاوف تتعلق بإمدادات غاز الهيليوم. وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن قطر تمثل نحو 25 في المئة من إنتاج الهيليوم العالمي، ما يجعلها أحد الموردين الرئيسيين لهذه المادة النادرة.

ورغم أن سوق الهيليوم صغيرة نسبياً مقارنة بأسواق السلع الأخرى، فإن أهميتها تكمن في استخدامها في صناعات متقدمة، أبرزها صناعة أشباه الموصلات.  فالهيليوم يستخدم في عمليات التبريد والتحكم بالحرارة داخل مصانع الرقائق الإلكترونية، وهي مكونات أساسية في الهواتف الذكية والحواسيب والسيارات الحديثة ومراكز البيانات.

وبما أن عدد المنتجين العالميين محدود، فإن أي تعطل كبير في الإمدادات من الخليج يمكن أن يؤدي إلى نقص سريع في السوق، ما يضيف ضغوطاً جديدة على صناعة التكنولوجيا العالمية التي تعاني أصلاً من هشاشة سلاسل الإمداد.

 الألمنيوم: معدن صناعي سريع التأثر

كما بدأت سوق الألمنيوم تشهد توتراً ملحوظاً نتيجة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة. وتشير بيانات معهد الالمنيوم الدولي ( (International Aluminum Instituteإلى أن دول الخليج تمثل نحو  9 إلى 10 في المئة من إنتاج الألمنيوم الأولي في العالم، مع مصانع ضخمة في الإمارات والبحرين وقطر.

ومع تصاعد التوترات وارتفاع المخاطر في الشحن البحري، ارتفعت أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن بنحو  8 إلى 10 في المئة منذ بداية الأزمة. ويعد هذا المعدن من أكثر المواد استخداماً في الصناعة الحديثة، إذ يدخل في صناعة السيارات والطائرات ومواد البناء والكابلات الكهربائية وعلب الأغذية والمشروبات.  ولهذا فإن ارتفاع أسعاره قد ينعكس تدريجياً على تكلفة عدد كبير من السلع الصناعية والاستهلاكية.

 المشتقات البترولية والبتروكيماويات: الحلقة الأكثر حساسية

إلى جانب هذه المواد، برز عامل آخر بالغ الأهمية في الأزمة الحالية، يتمثل في انعكاس الحرب على توافر وأسعار المشتقات البترولية والمواد البتروكيماوية.

فالخليج يعد أحد أكبر مراكز إنتاج وتصدير المنتجات النفطية المكررة في العالم، مثل الديزل والنافثا ووقود الطائرات.  وتشير تقديرات السوق إلى أن المنطقة تُصدر ملايين البراميل يومياً من هذه المنتجات إلى آسيا وأوروبا. ومع اضطراب الملاحة في الخليج، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين على السفن، ما انعكس سريعاً على أسعار هذه المنتجات في الأسواق العالمية.

ويكتسب الديزل أهمية خاصة لأنه الوقود الأساسي للنقل والشحن العالميين. فهو يستخدم في الشاحنات والسفن والمعدات الزراعية والآلات الصناعية. ولذلك فإن أي ارتفاع في سعره ينعكس مباشرة على تكلفة نقل معظم السلع.

أما النافثا، وهي أحد المشتقات النفطية الرئيسية، فتعد مادة أساسية في صناعة البتروكيماويات والبلاستيك. ومع ارتفاع أسعارها أو اضطراب إمداداتها، ترتفع تكلفة إنتاج عدد كبير من المواد البلاستيكية والكيماوية التي تدخل في الصناعات الحديثة، من التغليف إلى الإلكترونيات.

ثلاث موجات تضخم في وقت واحد

ما يميز الأزمة الحالية أنها لا تضغط على الاقتصاد العالمي عبر قناة واحدة فقط. فإلى جانب ارتفاع أسعار النفط، بدأت تظهر ضغوط في أسواق المواد الصناعية والزراعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن.

وهكذا يواجه الاقتصاد العالمي ثلاث موجات متزامنة من الضغوط تتجلى بارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب إمدادات المواد الصناعية والزراعية، وارتفاع تكاليف النقل والشحن.

وعندما تجتمع هذه العوامل يمتد التضخم من اسعار الطاقة إلى الغذاء والصناعة والبناء والسلع الاستهلاكية.

 الخليج عقدة مركزية في سلاسل الامداد العالمية

تكشف التطورات الأخيرة حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي وهي أن الخليج، اضافة الى كونه مصدر رئيسي للنفط والغاز، يمثل أيضاً عقدة مركزية في شبكة أوسع من سلاسل الإنتاج العالمية.

فالكبريت يؤثر في صناعة الأسمدة والغذاء، والهيليوم في صناعة الرقائق الإلكترونية، والألمنيوم في البناء والصناعة، والمشتقات النفطية في النقل والبتروكيماويات.

ولهذا فإن أي اضطراب كبير في المنطقة لا يبقى محصوراً في سوق الطاقة، انما يمتد إلى مجموعة واسعة من الصناعات التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. وإذا استمرت الحرب أو بقيت الملاحة في الخليج مضطربة لفترة طويلة، فقد يجد العالم نفسه أمام موجة تضخم جديدة تبدأ من النفط  والغاز وتمتد الى المواد الصناعية والزراعية التي يقوم عليها جزء كبير من الإنتاج العالمي.