تواجه شركات الطيران حول العالم ضغوطاً متزايدة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، الذي تجاوز بكثير وتيرة صعود أسعار النفط الخام منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ما يهدد هوامش الأرباح ويجبر الشركات على رفع أسعار التذاكر وفرض رسوم إضافية على الوقود وتقليص السعة التشغيلية.
وعلى الرغم من اعتماد بعض شركات الطيران على استراتيجيات التحوط للحماية من تقلبات أسعار النفط، فإن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمواجهة الارتفاع الاستثنائي في أسعار وقود الطائرات الناتج عن اتساع هوامش التكرير. فبينما تتحرك أسعار وقود الطائرات عادة بالتوازي مع أسعار النفط، تضاعفت منذ بداية الصراع مقارنة بارتفاع يقارب الثلث فقط في أسعار النفط الخام.
وقالت المديرة المالية لشركة «كاثي باسيفيك إيرويز»، ريبيكا شارب، إن الزيادة في الأسعار «دراماتيكية»، موضحة أن تحوطات الشركة ترتبط بأسعار النفط الخام وليس وقود الطائرات مباشرة، ما يوفر حماية جزئية فقط من الارتفاع الحالي.
شركات عرضة لتقلبات الأسعار
وتشير البيانات إلى أن شركات الطيران الكبرى في الولايات المتحدة والصين لا تمتلك حالياً عقود تحوط للوقود، ما يجعلها أكثر عرضة للتقلبات الحادة في الأسعار. ويرى خبراء الطيران أن أسعار الوقود تميل تاريخياً إلى البقاء مرتفعة لفترات طويلة خلال الأزمات الجيوسياسية مثل التوترات في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال ناثان جي، رئيس أبحاث النقل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى بنك أوف أميركا، إن شركات الطيران منخفضة التكلفة ستكون الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها على عملاء شديدي الحساسية للأسعار، ما يحد من قدرتها على تمرير الزيادات إلى المسافرين.
التحوط سلاح ذو حدين
ورغم أن التحوط عبر عقود المشتقات يمكن أن يخفف من تأثير الارتفاعات المفاجئة في تكاليف الوقود، فإنه يحمل أيضاً مخاطر في حال انخفاض الأسعار، إذ قد تجد الشركات نفسها ملتزمة بأسعار أعلى من السوق.
وفي أوروبا، حيث يعد التحوط أكثر انتشاراً، تشير تقديرات «جيه.بي. مورغان» إلى أن ارتفاعاً مستداماً بنسبة 10 في المئة في أسعار وقود الطائرات قد يخفض أرباح التشغيل لشركة الطيران منخفضة التكلفة «ويز إير» بنحو 31 في المئة خلال العام الجاري، في حين قد تتراوح التأثيرات بين 3 و10 في المئة لدى شركات مثل «إير فرانس-كيه إل إم» و«لوفتهانزا» و«رايان إير» ومجموعة «آي إيه جي» المالكة لـ«بريتيش إيرويز».
وأفادت «ويز إير» بأن الصراع في الشرق الأوسط قد يكلفها نحو 50 مليون يورو، رغم أنها قامت بالتحوط لنحو 83 في المئة من احتياجاتها من وقود الطائرات حتى آذار/مارس.
اتساع غير مسبوق في هوامش التكرير
في آسيا، ارتفع الفارق بين أسعار وقود الطائرات والنفط الخام بشكل حاد. فبعد أن كان وقود الطائرات أعلى بنحو 21 دولاراً للبرميل من النفط قبل الصراع، قفز هامش التكرير إلى 144 دولاراً في 4 آذار/مارس، قبل أن يستقر عند نحو 65 دولاراً يوم أمس الأربعاء.
وبحسب بنك أوف أميركا، قد تنخفض أرباح شركات الطيران الآسيوية في عام 2026 بنحو 6 في المئة في المتوسط مقابل كل زيادة قدرها 10 دولارات في هامش التكرير للبرميل لمدة 90 يوماً، ما لم تتمكن الشركات من تعويض ذلك عبر رفع الأسعار.
ورغم أن بعض الشركات مثل «إير نيوزيلندا» و«كوانتاس» الأسترالية لا تسير رحلات إلى الشرق الأوسط وتتمتع بمستويات تحوط تتجاوز 80 في المئة ضد تقلبات أسعار النفط الخام، فإنها بدأت بالفعل في رفع أسعار التذاكر لحماية هوامش أرباحها.
ويشير محللون إلى أن العديد من شركات الطيران الآسيوية لا تتحوط لوقود الطائرات مباشرة بسبب صغر حجم السوق وارتفاع تكلفته مقارنة بالتحوط للنفط الخام، بينما تتمتع شركات مثل «الخطوط الجوية السنغافورية» و«فيرجن أستراليا» بدرجة حماية أكبر نسبياً.
وأكدت شارب أن سوق التحوط لوقود الطائرات «ضيق ومكلف للغاية»، مضيفة أن أسعار الوقود قد تشهد تقلبات حادة، ما يجعل التنبؤ بمسارها المستقبلي أمراً بالغ الصعوبة.




