البنوك المركزية امام معادلة صعبة
في ظل استمرار الحرب

12.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والآعمال

عندما كانت البنوك المركزية الكبرى تدخل عام 2026، كان المزاج السائد داخل المؤسسات النقدية يميل إلى الحذر المتفائل. فقد بدأ التضخم العالمي يتراجع تدريجياً بعد موجة التشديد النقدي الطويلة التي أعقبت جائحة كورونا وأزمة الطاقة في 2022، وبدأت الأسواق تراهن على مرحلة انتقالية نحو سياسات نقدية أقل تشدداً تسمح بعودة النمو دون المخاطرة بعودة التضخم. غير أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير قلبت هذا المسار رأساً على عقب، وأعادت الاقتصاد العالمي فجأة إلى معادلة كلاسيكية لم تختبرها البنوك المركزية بهذه الحدة منذ سنوات والمتمثلة بصدمة طاقة تدفع التضخم إلى الأعلى في وقت يبدأ فيه النمو بالتباطؤ.

بهذا المعنى، تحولت الحرب سريعا من مجرد حدث جيوسياسي جديد إلى عامل يعيد صياغة البيئة التي تتحرك فيها السياسات النقدية حول العالم. فارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الأسعار في معظم الاقتصادات، فيما يؤدي التوتر الجيوسياسي وتعطل سلاسل الإمداد إلى إضعاف النشاط الاقتصادي في الوقت ذاته. والنتيجة هي ما تخشاه البنوك المركزية أكثر من أي سيناريو آخر وهو احتمال عودة الركود التضخمي، أي اجتماع التضخم المرتفع مع النمو الضعيف.

صدمة طاقة تتجاوز النفط

لفهم التحدي الذي تواجهه البنوك المركزية اليوم، لا بد من النظر إلى طبيعة الصدمة التي فجّرتها الحرب. فهي صدمة متعددة القنوات تضرب الاقتصاد العالمي في أكثر من اتجاه في آن واحد.

في غضون أيام قليلة من اندلاع المواجهة، قفز سعر خام برنت من نحو  67 دولاراً إلى أكثر من 82 دولاراً للبرميل وتجاوز عتبة ال 100 دولار قبل ان يعاود الانخفاض الى مستوى الثمانينات نهار الاثنين، فيما شهدت أسعار الغاز الأوروبية قفزة حادة بعد توقف جزء من صادرات الغاز المسال من الخليج نتيجة اضطرابات الملاحة في المنطقة. هذه القفزات السريعة أعادت إلى الأسواق ذكريات أزمات الطاقة السابقة، لكنها جاءت في لحظة كان فيها التضخم العالمي لا يزال فوق المستويات المستهدفة في معظم الاقتصادات الكبرى. ارتفاع اسعار النفط ينتقل بسرعة الى المشتقات النفطية والكثير من المواد الصناعية الوسيطة والاسمدة وبالتالي الى أسعار الغذاء والكثير من المنتجات التي تستخدم هذه المشتقات والمواد الوسيطة.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط يمكن أن تضيف بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي إذا استمرت لفترة طويلة. غير أن أثر الحرب لا يقتصر على قناة الطاقة فقط. فالاضطرابات في النقل البحري، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، كلها عوامل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع الصناعية والغذائية والخدمات.

في الوقت ذاته، بدأت مؤشرات النشاط الاقتصادي تظهر علامات تباطؤ. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فقد الاقتصاد نحو 92 ألف وظيفة في فبراير، وهو أسوأ أداء لسوق العمل منذ عدة أشهر. وهكذا وجدت البنوك المركزية نفسها أمام ثلاثة أهداف متعارضة في اللحظة نفسها وهي كبح التضخم، ودعم النمو، والحفاظ على الاستقرار المالي.

الاحتياطي الفيدرالي بين التضخم والركود

ربما لا يوجد بنك مركزي يواجه هذا التحدي بحدة أكبر من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. فقبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الأميركي يقف بالفعل على خط توازن دقيق: التضخم لا يزال أعلى من هدف 2 في المئة. وقد  بدأ سوق العمل يظهر إشارات تباطؤ، فيما بدأت التعرفات الجمركية الأمريكية الجديدة تضيف ضغوطاً إضافية على سلاسل الإمداد.

مع صدمة الطاقة الجديدة، أصبح الفيدرالي أمام معضلة حقيقية. فرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم قد يزيد من تباطؤ الاقتصاد، في حين أن خفضها لدعم النمو قد يسمح بعودة الضغوط التضخمية.

 في هذه البيئة، تتراوح السيناريوهات المحتملة للسياسة النقدية الأميركية بين ثلاثة مسارات رئيسية وهي تثبيت الفائدة إذا بقي النفط حول 80 دولاراً، أو احتمال تشديد إضافي إذا تجاوزت الأسعار 100 دولار، أو العودة إلى خفض الفائدة إذا هدأت أسواق الطاقة سريعاً.

أوروبا أمام معضلة أكثر حدة

إذا كان الاحتياطي الفيدرالي يواجه معادلة معقدة، فإن البنك المركزي الأوروبي يواجه معضلة أشد صعوبة. فالاقتصاد الأوروبي أكثر اعتماداً على واردات الطاقة من الخارج، إذ تستورد أوروبا نحو 90 في المئة من احتياجاتها النفطية، فيما تعتمد بشكل متزايد على الغاز الطبيعي المسال لتعويض انخفاض الإمدادات الروسية منذ حرب أوكرانيا.

في هذا السياق، فإن أي اضطراب في تدفقات الطاقة عبر الخليج أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين يمكن أن ينعكس بسرعة على أسعار الطاقة في أوروبا. وقد ظهر هذا الأثر بالفعل مع الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الأوروبية فور تصاعد التوترات في المنطقة.

 تدفع صدمة الطاقة التضخم إلى الأعلى في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي من ضعف النمو نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة والرسوم الجمركية الأميركية.  

وقد بدأت الأسواق المالية بالفعل تُسعّر احتمال تغير المسار. فمع ارتفاع أسعار الطاقة، عادت التوقعات بارتفاع التضخم الأوروبي، ما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في رهاناتهم السابقة على خفض الفائدة الأوروبية خلال العام.

دول الخليج بين استفادة النفط وقيود السياسة النقدية

في منطقة الخليج، تبدو الصورة مختلفة ظاهرياً لكنها لا تقل تعقيداً. فارتفاع أسعار النفط يمنح اقتصادات الخليج دفعة مالية واضحة، لكنه يأتي في لحظة تتعرض فيها بعض القطاعات غير النفطية لضغوط نتيجة الحرب، مثل السياحة والطيران والاستثمار الأجنبي.

لكن العامل الأكثر حساسية هنا يتعلق بالسياسة النقدية. فمعظم العملات الخليجية مرتبطة بالدولار، ما يعني أن البنوك المركزية في المنطقة تضطر عملياً إلى مواكبة قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للحفاظ على استقرار سعر الصرف.

يخلق هذا الارتباط مفارقة لافتة. فدول الخليج تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الذي يفترض ان يرفع التضخم عالمياً، لكنها في الوقت ذاته قد تضطر إلى الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة إذا قرر الفيدرالي تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم. والنتيجة أن تكاليف التمويل في الاقتصادات الخليجية قد ترتفع في وقت تحتاج فيه هذه الاقتصادات إلى رؤوس اموال ضخمة لدعم مشاريع التنويع الاقتصادي.

ان الاستفادة من ارتفاع اسعار النفط مرهونة بقدرة بلدان الخليج على شحن النفط وايصاله الى الاسواق. وباستثاء الخطوط البديلة في السعودية والامارات، فإن البلدان الاخرى غير قادرة على التصدير حالياً بسبب تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز. وبالتالي فأن بلدان الخليج ستكون عرضة لتراجع ايراداتها من النفط ومن المصادر غير النفطية في وقت يتوقع ان تحافظ على مستوى مداخيلها من الاستثمارات الخارجية الضخمة والمتنوعة.

الأسواق الناشئة...الحلقة الأضعف

بعيداً عن الاقتصادات المتقدمة ودول الطاقة، تبدو الأسواق الناشئة الأكثر عرضة لآثار هذا التفاعل بين الحرب والسياسة النقدية. فارتفاع أسعار النفط يرفع فاتورة الاستيراد للطاقة، فيما يؤدي تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة إلى جذب رؤوس الأموال نحو الدولار، ما يزيد الضغوط على العملات المحلية في هذه الدول.

النتيجة هي معادلة مزدوجة القسوة تتمثل بارتفاع تكاليف الطاقة من جهة، وارتفاع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار من جهة أخرى. وفي بعض الحالات، يمكن أن تتحول هذه الضغوط إلى أزمة مالية كاملة.

المؤشرات التي تراقبها الأسواق

في ظل هذا التداخل بين الحرب والسياسة النقدية، يركز المستثمرون على مجموعة محددة من المؤشرات التي يمكن أن تحدد اتجاه الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة.

أول هذه المؤشرات هو سعر النفط، إذ إن تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل قد يغير حسابات معظم البنوك المركزية. أما المؤشر الثاني فهو عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، الذي يعكس توقعات الأسواق لمسار أسعار الفائدة. كما يراقب المستثمرون عن كثب فروق العائد على السندات السيادية في الأسواق الناشئة والخليجية باعتبارها مؤشراً على علاوة المخاطر الجيوسياسية.

عندما تصبح السياسة النقدية إدارة للأزمات

في الظروف الطبيعية، تستطيع البنوك المركزية الموازنة بين أهدافها الثلاثة الأساسية المتمثلة باستقرار الأسعار، والنمو الاقتصادي، والاستقرار المالي. أما في أوقات الصدمات الكبرى، فإن هذه الموازنة تتحول إلى عملية اختيار صعبة بين أهداف متعارضة.

وهذا تحديداً ما تواجهه البنوك المركزية اليوم. فقد رفعت الحرب احتمالات التضخم، لكنها في الوقت نفسه تهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي. لذلك لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات النقدية هو ما إذا كانت أسعار الفائدة سترتفع أو تنخفض، بل أي هدف يجب التضحية به مؤقتاً للحفاظ على استقرار الاقتصاد.

بالنسبة لبلدان الخليج والأسواق الناشئة، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً. فارتفاع أسعار الطاقة قد يوفر دعماً مالياً لبعض الاقتصادات، لكنه يأتي في وقت تصبح فيه شروط التمويل العالمية أكثر تشدداً.

ولهذا فإن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمسار أسعار النفط، بل أيضاً بمدى استمرار الحرب الحالية . فكلما طالت هذه الحرب، زادت احتمالات تحول صدمة الطاقة الحالية إلى دورة تضخمية أطول، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أسابيع قليلة فقط.