هل ينجح السحب
من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي
في تهدئة الأسواق؟

11.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

1

الإقتصاد والأعمال

حين تقفز أسعار النفط بسرعة مهدِّدة استقرار الاقتصاد العالمي، تلجأ الدول الصناعية إلى أحد أكثر أدواتها الاستراتيجية حساسية وهي السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

عاد هذا الخيار إلى الواجهة مع اقتراح وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية إفراج منسق عن النفط المخزن لدى الدول الصناعية، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في الأسعار الذي رافق الحرب مع إيران وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.

فقد دخلت الأسواق النفطية مرحلة توتر حاد منذ بداية التصعيد العسكري، إذ قفزت الأسعار بسرعة نتيجة المخاوف من تعطّل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ومع أن الأسعار هدأت نسبياً بعد موجة الارتفاع الأولى، فإن القلق لا يزال قائماً من احتمال تحوّل الصدمة الجيوسياسية إلى أزمة طاقة أوسع تنعكس تضخماً مرتفعاً وتباطؤاً اقتصادياً عالمياً.

وفي هذا السياق، يصبح الاحتياطي النفطي الاستراتيجي أداة تدخل استثنائية تستخدمها الحكومات لامتصاص الصدمات المفاجئة في سوق الطاقة.

 أداة نشأت بعد أزمة السبعينيات

تعود فكرة الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية إلى أعقاب حظر النفط العربي عام 1973، حين أدركت الدول الصناعية مدى اعتمادها على واردات النفط. وقد أدى ذلك إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية عام 1974، التي وضعت قاعدة تلزم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزون نفطي يعادل  90 يوماً على الأقل من صافي وارداتها النفطية.

اليوم تمتلك دول الوكالة مخزونات ضخمة موزعة بين احتياطيات حكومية ومخزونات تجارية لدى الشركات، وهو ما يمنحها هامشاً مهماً للتدخل في حالات الطوارئ.

وتبرز الصين في هذا السياق لاعباً مهماً رغم أنها ليست عضواً في وكالة الطاقة الدولية. فقد بنت خلال العقدين الماضيين واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، يقدَّر بنحو 400 إلى 450 مليون برميل من المخزونات الحكومية إضافة إلى مخزونات تجارية ضخمة لدى شركات التكرير.

لكن رغم ضخامة هذه المخزونات، فإن استخدامها يبقى محدوداً في مواجهة صدمة كبيرة وممتدة في الإمدادات العالمية.

 متى تلجأ الحكومات إلى السحب من الاحتياطي؟

لا يُستخدم الاحتياطي الاستراتيجي عادة إلا في حالات الطوارئ الكبرى التي تتعرض فيها الإمدادات العالمية لاضطراب حاد. وتشمل هذه الحالات:الحروب التي تعطل الإنتاج أو النقل، والكوارث الطبيعية التي تضرب البنية التحتية للطاقة، والعقوبات التي تقلص الصادرات النفطية، وإغلاق المضائق البحرية الاستراتيجية.  وقد شهدت الأسواق عدة حالات بارزة استخدمت فيها الدول الصناعية هذه الأداة.

 أهمية مضيق هرمز في معادلة الطاقة

تتضاعف أهمية التدخل في السوق النفطية عندما تكون الأزمة مرتبطة بممر بحري حيوي مثل مضيق هرمز الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي ويمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز والمنتجات النفطية يومياً إلى الأسواق العالمية، خصوصاً في آسيا.

ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط وحده. فالممر البحري يشكل أيضاً الطريق الرئيسي لصادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، وهي الأكبر عالمياً، إذ تمر عبره شحنات تقارب   80مليون طن سنوياً إلى آسيا وأوروبا. كما تمر عبره كميات أصغر من الغاز المسال الإماراتي من منشأة جزيرة داس.

وهذا يعني أن أي تعطّل طويل للملاحة في المضيق لن يقتصر أثره على سوق النفط فحسب، بل سيصيب أيضاً أسواق الغاز والكهرباء والصناعة في آسيا وأوروبا.

هل يُهدأ الاحتياطي الأسواق؟

تظهر التجارب السابقة أن الإفراج عن الاحتياطيات يمكن أن يخفف الصدمات قصيرة الأمد في السوق، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

ففي بعض الحالات أدى الإعلان عن السحب إلى انخفاض سريع في الأسعار، كما حدث خلال حرب الخليج عام 1991. لكن في حالات أخرى، مثل أزمة الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، استغرقت الأسواق وقتاً أطول قبل أن تستقر.

ويرتبط تأثير هذه الخطوة بعاملين رئيسيين هما حجم النقص الفعلي في الإمدادات وتوقعات الأسواق بشأن مدة الأزمة.

بين الصدمة واستقرار السوق

في الأزمة الحالية، تبدو المشكلة الأساسية مرتبطة بتعطل طرق الإمداد أكثر من كونها نقصاً في الإنتاج العالمي. فالدول الخليجية ما زالت قادرة على إنتاج النفط، لكن التوتر العسكري يهدد مسارات نقله إلى الأسواق.  وهنا يصبح الاحتياطي الاستراتيجي وسيلة لشراء الوقت، أي لتوفير كميات إضافية من النفط حتى تستعيد طرق الشحن استقرارها.

 يمثل السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي أحد أهم أدوات الاستجابة السريعة للأزمات في سوق الطاقة. وقد أثبتت التجارب التاريخية أنه قادر على تهدئة الأسواق عندما تكون الصدمة مؤقتة.

غير أن الأزمة الحالية، المرتبطة بتوتر عسكري في منطقة تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، تذكر مرة أخرى بحقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي مفادها أن الجغرافيا لا تزال تحكم تدفقات الطاقة.

 إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة، فإن الاحتياطيات الاستراتيجية لن تكون سوى خط الدفاع الأول في مواجهة أزمة أعمق في سوق الطاقة العالمي.