د. سوليكا علاء الدين
لم تسلم اقتصادات دول الخليج العربي من براثن الحرب المتصاعدة، إذ بدأت تداعياتها تزعزع مختلف القطاعات الحيوية في المنطقة. وإذا استمر الصراع على المدى الطويل، فمن المتوقع أن تتعرض الإيرادات النفطية لضغوط غير مسبوقة، في حين ستواصل تقلبات أسواق الطاقة تهديد الاستقرار المالي والاقتصادي، مما يضع دول الخليج أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود ومواجهة صدمات النفط والطاقة المستقبلية.
الحرب تعصف بأسواق الطاقة
تسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج في اضطراب شديد بأسواق الطاقة، ما أدى إلى تعطيل صادرات النفط والغاز الطبيعي من الشرق الأوسط وفرض توقف جزئي أو كامل للإنتاج في بعض الدول. وقد أدى هذا الوضع إلى شلل شبه كامل في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أهم شريان نفطي عالمي، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، وسط تحذيرات من أن استمرار الإغلاق قد يسبب تداعيات كارثية على الأسواق العالمية.
وعزز هذا التوتر بشكل مباشر تقلبات أسعار النفط، حيث شهدت الأسواق ارتفاعات وانخفاضات حادة نتيجة المخاوف من توقف الإمدادات. فبعد أن تجاوز النفط حاجز 120 دولارًا للبرميل، تخلى لاحقًا عن مكاسبه السابقة وتذبذب قرب مستوى 87 دولارًا، وفقًا لتقارير" وول ستريت جورنال"، التي أفادت بأن وكالة الطاقة الدولية تقترح أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخها لمواجهة ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب في إيران. وتشير التقديرات إلى أن الكمية المقترحة ستتجاوز 182 مليون برميل، أي ما يعادل حجم النفط الذي ضختها الدول الأعضاء عام 2022 بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
وشهد خام برنت تراجعًا بعد أن ارتفع في وقت سابق بنسبة 3.7 في المئة، بينما تقلب خام غرب تكساس الوسيط قرب 83 دولارًا، مستمرًا في موجة من التقلبات الحادة التي تزامنت مع خفض الإنتاج من قبل كبار المنتجين لمواجهة التوقف في الشحن، ما دفع بأسعار الطاقة مثل النفط الخام والغاز الطبيعي للارتفاع، بينما تراجعت حركة ناقلات النفط إلى مستويات ضئيلة جدًا وسط ترقب الأسواق لأي عودة محتملة لحركة التجارة الطبيعية.
توقف الإنتاج في الخليج
في السعودية، خُفض الإنتاج النفطي بشكل طفيف إلى نحو 9.8 مليون برميل يوميًا مقارنة بحصتها في أوبك البالغة 10.1 مليون برميل، وفق تقديرات Energy Aspects، بعد أن بلغ الإنتاج 10.9 مليون برميل في فبراير لتعزيز الصادرات تحسبًا لاحتمال حدوث اضطرابات. كما أوقفت المملكة الإنتاج في مصفاة رأس تنورة بطاقة 550 ألف برميل يوميًا، وبدأت تحويل شحنات النفط من الموانئ الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، قبل أن تتعرض المصفاة لهجوم آخر في 4 آذار/مارس.
وفي الإمارات، أغلقت أدنوك مصفاة الرويسبعد هجوم بطائرة مسيرة تسبب في حريق، كما شب حريق في ميناء الفجيرة، أحد المراكز العالمية لتخزين النفط وتزويد السفن بالوقود.
أما الكويت، فقد أعلنت شركة نفط الكويت حالة القوة القاهرة في 7 آذار/مارس، فيما انخفض إنتاج العراق من الحقول الجنوبية الرئيسية بنسبة 70 في المئة إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، كما توقفت عدة شركات في كردستان العراق عن الإنتاج، الذي كان يصدر نحو 200 ألف برميل يوميًا إلى تركيا.
الغاز الطبيعي المسال وحالات القوة القاهرة
من جهتها، أوقفت قطر للطاقة تشغيل مرافق الغاز الطبيعي المسال في 2 آذار/مارس، ما أثر على بعض أكبر المصانع عالميًا، وأعلنت حالة القوة القاهرة على الشحنات في 4 آذار/مارس بعد توقف أجزاء من الإنتاج لاحقًا. كما أعلنت بابكو إنيرجيز في البحرين حالة القوة القاهرة بعد هجوم على مصفاة السترة، التي تعتمد بشكل رئيسي على النفط السعودي.
وبحسب تقديرات شركة IIR، خفضت مصافي الشرق الأوسط نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من طاقتها التكريرية نتيجة مباشرة للحرب، ما يزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
إيرادات النفط بين المكاسب والمخاطر
وفي سياق متصل ، أثار تقرير جديد صادر عن "غولدمان ساكس" حول دول مجلس التعاون الخليجي مخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية القصيرة والطويلة الأمد للصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على المنطقة. وأكد التقرير أن حجم وطبيعة هذه التداعيات ستعتمد على نطاق الصراع وشدته ومدته، مشيراً إلى أنه ما زال من المبكر التوصل إلى استنتاجات حاسمة؛ فبينما قد يُحسم الصراع بسرعة خلال الأيام المقبلة، يبقى احتمال امتداده إلى حرب طويلة الأمد قائماً.
وأشار التقرير إلى القنوات الاقتصادية الرئيسية التي قد تتأثر بالصراع، حيث تلعب إيرادات النفط دورًا مركزيًا في اقتصادات دول الخليج. وفي حين يمكن أن تكون المخاطر التصاعدية لأسعار النفط إيجابية لإيرادات الحكومات، فإن أي اضطراب في الإنتاج الإقليمي أو مسارات الإمداد قد يقلل من هذه الفوائد. ويضيف التقرير أن الدول القادرة على تحويل صادراتها بعيدًا عن مضيق هرمز ستكون في وضع أفضل للاستفادة من ارتفاع الأسعار بشكل صافي.
التأثير على الناتج الاقتصادي واستراتيجيات التنويع
حتى التوقف المؤقت لإنتاج النفط والغاز قد يؤثر سلبًا على الناتج الاقتصادي الحقيقي، إلا إذا تم تعويض هذا الانخفاض لاحقًا بزيادة الإنتاج. كما أن اضطراب قطاعات الطيران والسياحة والعقارات واللوجستيات والتجارة نتيجة الهجمات الإيرانية قد يقلل النشاط غير النفطي على المدى القريب، فيما تظل آثار الصراع طويلة الأمد على الثقة الاقتصادية، خاصة مع كثافة السكان المغتربين، غير واضحة حتى الآن.
من جهة أخرى، قد يؤثر الصراع طويل الأمد على تصورات الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة، ما يهدد خطط التنويع الاقتصادي التي تعتمد على السياحة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعات مثل التقنية والذكاء الاصطناعي، والمالية، والتصنيع. ويشير التقرير إلى أن مدة استمرار هذه التأثيرات مرتبطة مباشرة بمسار البيئة الجيوسياسية بعد انتهاء الصراع.
ويتوقع بنك "غولدمان ساكس" أن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز، إلى جانب تراجع النشاط الاقتصادي غير النفطي، قد يؤدي إلى انخفاض ملموس في النمو الاقتصادي الحقيقي مقارنة بالتوقعات السابقة، مع انكماش محتمل في إجمالي الناتج لكل من الكويت والبحرين.
على الصعيد المالي، تشير التحديثات إلى تحسن النتائج المالية لجميع دول الخليج، حيث تتفوق تأثيرات ارتفاع الأسعار على تأثيرات انخفاض الكميات. وينطبق الشيء نفسه على الجانب الخارجي من الميزانية. وبناءً على ذلك، إذا كان اضطراب مضيق هرمز قصير الأمد، يتوقع التقرير تحسناً في الموازنات المالية والخارجية لجميع دول مجلس التعاون.
مدة الاضطراب تحدد شدة التأثير
هذا وحذر التقرير من أن مدة الاضطراب تلعب دوراً محورياً؛ فكلما طال توقف تدفقات النفط، زاد تأثير فقدان الإنتاج، وأصبح التعديل السعري المطلوب لتعويض الخسائر أكبر، خاصة بالنسبة للدول الأقل قدرة على تحويل صادراتها بعيداً عن المضيق. ونتيجة لذلك، سيكون التأثير متفاوتاً بين دول الخليج، حيث تتميز السعودية وسلطنة عمان بأقل تعرض، مقارنة بكل من قطر والبحرين والكويت والإمارات.
حرب أم صمود
طول أمد الحرب سيكون العامل الحاسم في تحديد حجم التحديات الاقتصادية لدول الخليج، إذ قد يهدد النزاع الطويل استقرار أسواق الطاقة ويضع الحكومات أمام صدمات غير مسبوقة. ومع ذلك، يبقى السؤال محوريًا: هل ستدخل دول الخليج مباشرة على خط النزاع، أم ستتمكن من الحفاظ على الاستقرار والنمو، مستفيدة من قدراتها الدفاعية واستراتيجيات التحوط الاقتصادي المتقدمة؟




