بقلم د. خالد عيتاني*
في ظاهر المشهد، تبدو المنطقة أمام حربٍ تُدار بالصواريخ والمسيرات والردع المتبادل. لكن القراءة الأدق لما تكشفه الأسواق، وتؤكده تقارير الطاقة، وتلمّح إليه مواقف العواصم الكبرى، تقول شيئًا أعمق بكثير: السلاح يفتح المعركة، لكن الاقتصاد هو الذي يحدد مداها، ويكسر أوهامها، ويرسم نهايتها.
فخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، صعد خام برنت إلى أكثر من 119 دولارًا للبرميل، ثم هبط إلى 92.21 دولارًا بعد إشارات سياسية عن قرب التهدئة، من دون أن يتبدل التوازن العسكري جذريًا في تلك الساعات. هذا وحده يكشف أن السوق لم تكن تسعّر "الحدث العسكري" بقدر ما كانت تسعّر احتمال اختناق التدفقات، أي أن الاقتصاد سبق السياسة في تعريف معنى الحرب وحدودها. وقد لخّصت بريانكا ساشديفا من Phillip Nova هذا المعنى حين رأت أن السوق التقطت رسالة مفادها أن "البراميل ستواصل الوصول إلى السوق"، فبدأ ما سمّته تلاشي "علاوة الذعر" سريعًا.
وهنا يلاحظ الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل بول كروغمان أن "الحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُحسم فقط على الأرض، بل في الأسواق أيضًا، حيث تتحول الطاقة والتمويل والتجارة إلى خطوط مواجهة موازية للمدافع".
الحرب إختبار لنظام الطاقة العالمي
من هنا، لا ينبغي قراءة الحرب الراهنة بوصفها مواجهة أميركية–إيرانية–إسرائيلية فقط، بل بوصفها اختبارًا لنظام الطاقة العالمي كلّه. فمضيق هرمز لا ينقل مجرد نفط؛ إنه ينقل استقرار الأسعار، وإيقاع التضخم، ومساحة المناورة أمام البنوك المركزية، وهوامش القرار السياسي في واشنطن وبروكسل وبكين وطوكيو.
في العام 2024، عبر المضيق 20 مليون برميل يوميًا، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وفي 2025 بقيت الصادرات المارة عبره عند مستوى يقارب 20 مليون برميل يوميًا أيضًا. وفي المقابل، لا تتجاوز القدرة الفعلية المتاحة على المسارات البديلة 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا عبر خطوط السعودية إلى البحر الأحمر وخط الإمارات إلى الفجيرة، ما يعني أن البديل موجود، لكنه لا يعوّض هرمز، بل يخفف بعض صدمته فقط.
وفي هذا السياق قال مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إن "مضيق هرمز ليس مجرد معبر نفطي، بل أحد أهم مفاصل الاستقرار الاقتصادي العالمي".
الخليج يعيد تسعير الإقتصاد العالمي
وهنا تظهر الحقيقة المركزية في مستقبل المنطقة: الخليج العربي ليس ساحة تتلقى أثر الحرب، بل هو المتغير الذي سيحدد إن كانت الحرب ستظل قابلة للاحتواء أم ستتحول إلى أزمة نظام عالمي. رويترز نقلت أن السعودية بدأت خفضًا في الإنتاج في حقلين، وأن العراق خفض إنتاج حقوله الجنوبية الرئيسية 70% إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، وأن الكويت خفضت الإنتاج وأعلنت القوة القاهرة، فيما أعلنت البحرين القوة القاهرة بعد استهداف مجمع التكرير. كما أن مئات الناقلات صارت عالقة داخل الخليج وعند جنوب هرمز، بينما بدأت السعودية تحويل الصادرات عبر البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، قالت أرامكو إن خط الشرق–الغرب يتجه إلى بلوغ طاقته الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يوميًا خلال أيام، لكن أمين الناصر حذّر من "عواقب كارثية" إذا استمر التعطل، واصفًا ما يحدث بأنه "أكبر أزمة" يواجهها قطاع النفط والغاز الإقليمي. هذه العبارات ليست مبالغة إعلامية؛ إنها وصف من قلب الصناعة نفسها لما يعنيه أن يصبح الخليج ساحة تعطّل لا ساحة تدفّق.
وقد لخّص الاقتصادي في بنك Goldman Sachs جيف كوري هذه الدينامية بقوله إن "أي اضطراب كبير في تدفقات الخليج يعيد تسعير الاقتصاد العالمي بأكمله، وليس سوق النفط فقط".
وعندما يقول رئيس أكبر شركة نفط في العالم إن الأزمة الراهنة تمتد آثارها من الشحن والتأمين إلى الطيران والزراعة والسيارات، فهو في الواقع يعلن انتقال المنطقة من حرب جغرافية إلى حرب سلاسل قيمة عالمية. هنا تتبدل طبيعة القوة. لم يعد السؤال فقط: من يملك القدرة على التدمير؟ بل: من يملك القدرة على إبقاء التجارة والطاقة والتأمين والتمويل في حالة عمل؟ وهذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر، في موقع "المفصل الاستراتيجي" لا "الهامش المتأثر".
ويكتب المؤرخ الاقتصادي آدم توز أن "الاقتصاد العالمي اليوم أكثر هشاشة أمام صدمات الطاقة مما كان عليه قبل عقود، لأن سلاسل الإمداد أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة".
طهران: إمتصاص الضربات
إيران فهمت هذه القاعدة مبكرًا، ولذلك لا تخوض الحرب بمنطق الانتصار العسكري الكلاسيكي، بل بمنطق الإنهاك الاقتصادي–السياسي. التحليل الأحدث لرويترز يصف بوضوح كيف تراهن طهران على امتصاص الضربات، والحفاظ على قدر من ترسانتها، وضرب مراكز الطاقة الخليجية لرفع التكلفة على خصومها واختبار الإرادة السياسية الغربية. وفي هذا السياق، لم تعد الصواريخ أداة تدمير فقط، بل أداة إعادة تسعير: إعادة تسعير النفط، وإعادة تسعير المخاطر، وإعادة تسعير القرار السياسي نفسه. ولهذا قالت رويترز إن الحرس الثوري بات يوجّه التصعيد نحو مراكز الطاقة من قطر إلى السعودية "لتعظيم التعطيل الاقتصادي"، فيما أصبح هدف الحرب الإيراني الحقيقي هو استنزاف الخصم سياسيًا واقتصاديًا لا هزيمته ميدانيًا فقط.
ويرى الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن أليكس فاتانكا أن "إيران تراهن على الوقت، لأن إطالة أمد الحرب غالبًا ما تغيّر الحسابات الاقتصادية والسياسية للخصوم".
إسرائيل: الوقت كالسيف
أما إسرائيل، فالمعضلة لديها معاكسة في الشكل ومتشابهة في الجوهر. فهي تملك تفوقًا عسكريًا وناريًا، لكنها لا تملك رفاهية اقتصاد الحرب الطويلة. وزارة المالية الإسرائيلية قدّرت الخسائر المحتملة بأكثر من 9 مليارات شيكل أسبوعيًا، أي نحو 2.93 مليار دولار في الأسبوع، إذا استمرت القيود الحالية على النشاط الاقتصادي. هذا الرقم شديد الأهمية، لأنه يعني أن إسرائيل لا تقيس الحرب فقط بعدد الأهداف التي تضربها، بل أيضًا بعدد الأسابيع التي تستطيع فيها تحمّل كلفة التعبئة، وتعطل النشاط، واستدعاء الاحتياط، واهتزاز الاستثمار. لذلك، من المرجح أن تدفع إسرائيل باتجاه حرب قصيرة عالية الكثافة، لا حرب استنزاف إقليمية مفتوحة. بعبارة أخرى، إسرائيل تحتاج إلى نصر زمني أكثر مما تحتاج إلى نصر ناري.
ويشير رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي ريتشارد هاس إلى أن "القوة العسكرية تمنح الدول القدرة على بدء الحروب، لكن الاقتصاد هو الذي يحدد قدرتها على الاستمرار فيها".
روسيا: تموضع جيوسياسي، الصين: الأزمة ليست سياسية
روسيا قرأت هذه الفجوة بوصفها فرصة. فهي ليست فقط مستفيدًا من ارتفاع أسعار الطاقة، بل أيضًا طرف يسعى لتحويل الحرب إلى نافذة إعادة تموضع جيوسياسي. رويترز نقلت أن بوتين تحدّث مع ترامب عن "أفكار" لتسوية سريعة في إيران، وأن الكرملين حذر من أن "أزمة الطاقة قد وصلت". وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى أن واشنطن تبحث تخفيف القيود على النفط الروسي، بينما ألمح بوتين إلى استعداد موسكو للعمل مجددًا مع الأوروبيين إذا أرادوا تعاونًا طويل الأجل. المعنى الاستراتيجي لهذا كله أن روسيا لا تريد فقط سعر نفط أعلى؛ إنها تريد أن تجعل من صدمة الخليج مدخلًا إلى تسييل نفوذها السياسي والطاقوي في آن معًا. فهي الرابح من كل يوم يبقى فيه النفط مرتفعًا، لكنها تدرك أيضًا أن الارتفاع المفرط والمستدام قد يضرب الطلب العالمي ويحوّل المكسب إلى فوضى. لذلك فإن وساطتها ليست سلامية بالمعنى الأخلاقي، بل براغماتية بالمعنى الجيو–اقتصادي.
أما الصين، التي أصبحت أكبر مستورد للطاقة في العالم، فتنظر إلى الخليج من زاوية مختلفة. فبكين لا ترى الأزمة بوصفها ملفًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها متغيرًا مباشرًا في معادلة نموها الاقتصادي. ولهذا دعا وزير خارجيتها وانغ يي إلى وقف إطلاق النار سريعًا، مؤكدًا أن استقرار الخليج جزء من استقرار الاقتصاد العالمي. ويقول الباحث في جامعة هارفارد غراهام أليسون إن "الاعتماد الاقتصادي العميق غالبًا ما يتحول مع الوقت إلى حضور سياسي واستراتيجي".
البعدان النقدي والمالي
وهنا يتصل البعد العسكري مباشرة بالبعد النقدي والمالي العالمي. فمع تجاوز النفط 119 دولارًا، بدأت الأسواق تسعّر مسارًا أكثر تشددًا من البنوك المركزية الأوروبية، مع رهانات على رفع من البنك المركزي الأوروبي والبنك الوطني السويسري والريكس بنك قبل نهاية العام، وتأجيل أو تراجع الميل إلى خفض الفائدة في آسيا أيضًا. وتشير تحليلات TS Lombard إلى أن بقاء النفط والغاز عند المستويات الحالية قد يرفع تضخم منطقة اليورو بنحو نقطة مئوية كاملة. هذا يعني أن حرب الخليج لا تهدد الاقتصادات عبر الطاقة فقط، بل عبر إعادة تشديد الشروط النقدية العالمية أيضًا.
وقد حذّر وزير الخزانة الأميركي الأسبق لورانس سامرز من أن "صدمات الطاقة الكبرى غالبًا ما تتحول إلى صدمات تضخم عالمي يصعب احتواؤها".
هذه الخلفية الاقتصادية هي التي تفسر السلوك الخليجي الرسمي. الإمارات دعت بوضوح إلى "خفض التصعيد" والعودة إلى التفاوض، وأكدت أن قواعدها لن تُستخدم لمهاجمة إيران، رغم تعرضها لأكثر من 1,400 هجوم أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة 114. والسعودية، بحسب رويترز، أبلغت إيران بعدم مهاجمتها وحذرت من أنها قد ترد إذا استهدفت أراضيها أو منشآتها الحيوية. هذه المواقف ليست حيادًا بسيطًا، بل عقيدة خليجية ناشئة: حماية البنية الاقتصادية أولًا، ومنع تحويل الخليج إلى منصة حرب هجومية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية الرد الدفاعي.
من التشخيص إلى الاستشراف
يقول المؤرخ الاقتصادي نيال فيرغسون إن "القوة في النظام الدولي لا تأتي فقط من الجيوش، بل من السيطرة على طرق التجارة والطاقة". إذا انتقلنا من التشخيص إلى الاستشراف، فإن المنطقة تبدو متجهة إلى واحد من ثلاثة مسارات، لكنها جميعًا تؤكد الفكرة نفسها: الاقتصاد هو الذي سيصنع السياسة في النهاية.
الخلاصة التي يمكن البناء عليها في النظرة المستقبلية للمنطقة هي أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة: لم تعد القوة العسكرية وحدها تصنع التوازنات، بل القدرة على إدارة أثر القوة العسكرية على الأسواق. إيران تحاول تسليح الجغرافيا والوقت. إسرائيل تحاول اختصار الزمن قبل أن تُستنزف اقتصاديًا. الولايات المتحدة تحاول ردع إيران من دون أن تسمح لأسعار الطاقة بردعها هي داخليًا. روسيا تريد تسييل الأزمة إلى نفوذ طاقوي ودبلوماسي. الصين تريد إغلاقها بسرعة لأن الخليج جزء من أمنها الاقتصادي. أما الخليج نفسه، فهو لم يعد فقط مصدر الطاقة للعالم، بل أصبح الآلة التي ستحدد إن كانت الحرب قابلة للاحتواء أم لا.
ولهذا فإن السؤال الحاسم لم يعد: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك القدرة على إبقاء الاقتصاد العالمي قابلًا للحياة؟
عند هذه النقطة بالتحديد، لا تعود السياسة هي التي تصنع الاقتصاد، بل يصبح الاقتصاد هو الذي يكتب السياسة، ويحدد الحرب، ويفرض التسوية.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




