د. وسام صافي*
تشهد المنطقة لحظة شديدة الحساسية في تاريخها المعاصر، في ظل التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. غير أن قراءة ما يجري لا تزال موضع خلاف داخل الأوساط السياسية والاستراتيجية العربية. فهناك من يرى في هذه المواجهة جزءاً من مشروع واسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فيما يذهب آخرون إلى اعتبارها النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التمدد الإيراني في العالم العربي. وبين هذين التفسيرين يتحدد النقاش الحقيقي حول مستقبل الإقليم.
مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط
يرى اتجاه واسع من المحللين أن ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مغامرة إسرائيلية قادها بنيامين نتنياهو ونجح عبرها في جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران. فالمشهد، وفق هذا الرأي، يبدو أقرب إلى تحرك استراتيجي أميركي أوسع، تُستخدم فيه إسرائيل كشريك إقليمي متقدم في إطار إعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
هذا التصور يستند إلى فكرة أن واشنطن تسعى منذ سنوات إلى بناء منظومة إقليمية جديدة يكون لإسرائيل فيها دور محوري، ليس فقط كقوة عسكرية، بل أيضاً كقطب سياسي وأمني واقتصادي يقود شبكة من التحالفات الإقليمية. وقد عززت اتفاقات التطبيع التي شهدتها السنوات الأخيرة هذا الاتجاه، حيث بدأت ملامح نظام إقليمي جديد تتشكل تدريجياً حول معادلة الأمن والمصالح المشتركة.
ومن المؤشرات اللافتة في هذا السياق الحراك المتزايد لإنشاء ممرات تجارية جديدة تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. ويبرز هنا المشروع الذي يجري تداوله لإنشاء خط تجاري يربط الهند بأوروبا عبر إسرائيل، بحيث ينتقل عبر الممرات البحرية والبرية من الهند إلى الموانئ الإسرائيلية ثم إلى دول الاتحاد الأوروبي. مثل هذه المشاريع لا تحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل تعكس أيضاً محاولة لإعادة ترتيب شبكات التجارة العالمية بعيداً عن بعض المسارات التقليدية التي تمر عبر قوى إقليمية منافسة.
غير أن ولادة نظام إقليمي جديد لن تكون سهلة أو سريعة. فالشرق الأوسط ليس منطقة هامشية في النظام الدولي، بل يشكل أحد أهم تقاطعات المصالح العالمية. فالصين، على سبيل المثال، تراهن على الممرات الاقتصادية التي يمر جزء كبير منها عبر العالم العربي ضمن مشروع “الحزام والطريق”، فيما تحتفظ روسيا بحضور عسكري وسياسي فاعل في عدد من ملفات المنطقة، ولا سيما في سوريا.
لذلك فإن أي تغيير جذري في التوازنات الإقليمية سيبقى مرتبطاً بحدود التفاهم أو التنافس بين القوى الكبرى. ومن دون حد أدنى من التوافق الدولي، قد يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع متنافسة، الأمر الذي يهدد بدخول المنطقة في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
أما إيران، فهي لا تبدو في وارد الاستسلام للشروط التي يطرحها الغرب أو الولايات المتحدة، خصوصاً تلك المتعلقة بقدراتها العسكرية أو برنامجها النووي. بل إن منطق النظام الإيراني، القائم على المزج بين العقيدة الثورية وحسابات الأمن القومي، يجعل سيناريو التصعيد الشامل احتمالاً قائماً في حال شعرت طهران بأن وجودها الاستراتيجي بات مهدداً.
وفي حال انزلاق الصراع إلى هذا المسار، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مشهد انفجاري واسع تتداخل فيه الجبهات العسكرية والممرات البحرية الحيوية، بما يفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى الإقليمية الممتدة.
قراءة أخرى: نهاية مرحلة التمدد الإيراني
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن التركيز على فكرة "مشروع تغيير الشرق الأوسط" قد يحجب حقيقة أساسية: أن إيران نفسها كانت خلال العقود الأربعة الماضية أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في العالم العربي.
فمنذ قيام النظام الإيراني عام ١٩٩٧، اعتمدت طهران استراتيجية توسع إقليمي تقوم على بناء شبكة من القوى الحليفة والميليشيات المسلحة خارج حدودها. وقد تحولت هذه الشبكة تدريجياً إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري في عدد من الدول العربية.
في اليمن، نفذ الحوثيون المدعومون من إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية والإماراتية واستهدفوا منشآت نفطية حيوية. وفي العراق، لعبت الميليشيات المرتبطة بطهران دوراً محورياً في إعادة تشكيل موازين القوة الداخلية. أما في لبنان، فقد أدى تضخم القوة العسكرية لحزب الله إلى إضعاف الدولة وتوريط البلاد في صراعات إقليمية. وفي سوريا، شكّل التحالف بين طهران والنظام السوري أحد أعمدة الحرب الطويلة التي شهدتها البلاد.
ومن زاوية أمنية بحتة، يشير أصحاب هذا الرأي إلى أن إيران لطالما استخدمت قدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية كوسيلة ردع وهجوم في آن واحد. فخلال السنوات الماضية تعرضت منشآت نفطية ومرافق حيوية في بعض دول الخليج لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة نُسبت إلى حلفاء إيران في المنطقة.
وفي المواجهة بين طهران وواشنطن، يرى هؤلاء أن لجوء إيران إلى استهداف المراكز الحيوية والبنية التحتية في دول الخليج رداً على الضربات الأميركية المباشرة ضدها، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو عبر الشبكات المسلحة المتحالفة معها في الإقليم، يعكس طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توسيع ساحات المواجهة وإشراك أطراف إقليمية أخرى في كلفة الصراع.
من هذا المنظور، فإن التهديد الإيراني لم يكن موجهاً إلى إسرائيل وحدها، بل طال عدداً كبيراً من الدول العربية عبر الصواريخ أو الوكلاء المسلحين أو التدخلات السياسية. وبالتالي فإن تصوير المواجهة الحالية على أنها مجرد صراع إسرائيلي-إيراني يتجاهل واقعاً عاشته دول عربية عديدة خلال السنوات الماضية.
وبناءً على هذه القراءة، فإن تقليص القدرات العسكرية الإيرانية قد يُنظر إليه، من زاوية أمنية، باعتباره خطوة تسهم في تقليص أحد أهم مصادر التوتر الإقليمي، خصوصاً أن هذه القدرات نفسها استُخدمت في سياق صراعات متعددة داخل العالم العربي.
المعضلة العربية
تكشف هاتان القراءتان المتقابلتان عن معضلة استراتيجية حقيقية يواجهها العالم العربي اليوم. فمن جهة، هناك مخاوف مشروعة من أن يؤدي أي صراع كبير في المنطقة إلى إعادة رسم خريطتها السياسية بطريقة قد تقلص من الدور العربي داخل النظام الإقليمي الجديد. ومن جهة أخرى، هناك واقع لا يمكن تجاهله يتمثل في أن عدداً من الدول العربية كان بالفعل ساحة لصراعات مرتبطة بالمشروع الإيراني.
لهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية لا يكمن في الاصطفاف التلقائي خلف أي محور، بل في القدرة على صياغة رؤية استراتيجية مستقلة توازن بين حماية أمنها القومي من جهة، ومنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين القوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى.
فالشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازناته لعقود مقبلة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما الذي سيحدث في الصراع الإيراني–الإسرائيلي، بل ما إذا كان العالم العربي قادراً هذه المرة على أن يكون طرفاً فاعلاً في تحديد مستقبل المنطقة، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين.
*عميد متقاعد




