الاقتصاد والأعمال
في لحظات التوتر الجيوسياسي الكبرى، تعود الجغرافيا لتفرض حضورها بقوة في الاقتصاد العالمي. فبينما يبدو العالم اليوم مترابطاً عبر شبكات التجارة الرقمية والأسواق المالية العابرة للقارات، تبقى بعض النقاط الجغرافية الضيقة قادرة على التأثير في النظام الاقتصادي بأكمله. ويُعدّ مضيق هرمز المثال الأكثر وضوحاً على هذه الحقيقة. فهذا الممر البحري الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو 33 كيلومتراً يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، لكنه في الواقع يشكّل أحد الأعصاب الحيوية التي تُغذي الاقتصاد العالمي بالطاقة.
يمر عبر المضيق يومياً ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية. كما يعبره جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أحد أكبر مصدري الغاز في العالم. ولهذا السبب فإن أي اضطراب في الملاحة عبر هذا الممر لا يبقى حدثاً إقليمياً، بل يتحول سريعاً إلى اختبار مباشر لاستقرار الاقتصاد العالمي.
لكن تأثير أي أزمة في هرمز لا يظهر دفعة واحدة. فالصدمة تنتقل عبر سلسلة من التفاعلات الاقتصادية تبدأ في أسواق الطاقة، ثم تنتقل إلى النقل وسلاسل الإمداد العالمية، قبل أن تصل في النهاية إلى أسعار الغذاء وتكلفة المعيشة في مختلف أنحاء العالم.
الأسواق تُسعر المخاطر
تبدأ القصة عادة بما يسمى بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. فعندما ترتفع احتمالات تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، تقفز أسعار النفط ليس فقط بسبب احتمال نقص الإمدادات الفعلي، بل أيضاً نتيجة عمليات التحوط والمضاربات الاستباقية في الأسواق العالمية.
تشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن أسواق الطاقة تميل إلى تسعير السيناريوهات الأسوأ عند حدوث اضطرابات في الممرات البحرية الاستراتيجية. ويكفي أن يخرج جزء صغير من الإمدادات من السوق حتى ترتفع الأسعار بشكل غير متناسب بسبب ضيق الهامش بين العرض والطلب في سوق النفط العالمية.
ولا يقتصر الأمر على النفط وحده. فالغاز الطبيعي المسال يمثل اليوم عنصراً حساساً بشكل متزايد في الاقتصاد العالمي. فمعظم صادرات قطر، أحد أكبر موردي الغاز إلى آسيا وأوروبا، تمر عبر المضيق. ولذلك فإن أي تعطّل طويل في الملاحة قد يخلق صدمة مزدوجة في أسواق النفط والغاز في آن واحد.

كيف يمكن ان تتحول الجغرافيا إلى تضخم
بعد الصدمة الأولى في أسواق الطاقة، تنتقل العدوى إلى قطاع النقل البحري. فالملاحة في مناطق التوتر العسكري تعني ارتفاعاً حاداً في تكاليف التأمين البحري، إذ تُصنف شركات التأمين تلك المناطق ضمن مناطق المخاطر المرتفعة أو مناطق الحرب.
وفي مثل هذه الحالات تواجه شركات الشحن خيارين كلاهما مكلف: فإما الاستمرار في المرور عبر المنطقة مع دفع أقساط تأمين مرتفعة، أو تغيير المسار البحري لتجنب المخاطر.
لكن تغيير المسار قد يكون أكثر كلفة مما يبدو. فالسفن التي تضطر إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المسارات التقليدية قد تضيف ما بين 10 و15 يوماً إلى زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا. وهذا التأخير لا يرفع تكاليف الوقود فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى نقص في الحاويات المتاحة عالمياً.
وتشير دراسات بنك التسويات الدولية إلى أن تكاليف النقل البحري تمثل أحد المحركات الصامتة للتضخم العالمي، لأن معظم الارتفاع في تكاليف الشحن يتم تمريره تدريجياً إلى أسعار السلع النهائية.
من برميل النفط إلى رغيف الخبز
المرحلة الثالثة من العدوى الاقتصادية هي الأكثر وضوحاً بالنسبة للمستهلكين. ففي هذه المرحلة لا يعود الأمر يتعلق بأسعار الوقود فقط، بل بتكاليف الغذاء والإنتاج الزراعي.
فالغاز الطبيعي، الذي يمر جزء كبير من تجارته العالمية عبر الخليج، يشكل المادة الأساسية لإنتاج الأمونيا والأسمدة النيتروجينية. وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تكاليف إنتاج الأسمدة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار المحاصيل الزراعية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الطاقة والخدمات اللوجستية تمثلان نحو 60 في المئة من تكاليف إنتاج الغذاء العالمية. لذلك فإن صدمات الطاقة لا تتوقف عند محطات الوقود، بل تمتد تدريجياً إلى أسعار المواد الغذائية الأساسية.

اقتصاد أقل اعتماداً على النفط… لكن ليس محصناً
لا تعني هذه السلسلة من العدوى الاقتصادية بالضرورة أن العالم يتجه حتماً إلى موجة تضخم شبيهة بتلك التي شهدها في سبعينيات القرن الماضي. فقد شهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الأربعة الماضية تحولاً عميقاً في كثافة استخدام النفط، أي كمية النفط اللازمة لإنتاج وحدة من الناتج الاقتصادي.
فوفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، يستهلك الاقتصاد العالمي اليوم نحو نصف كمية النفط التي كان يحتاجها لإنتاج نفس القيمة الاقتصادية قبل خمسة عقود. ويعود ذلك إلى تحسن كفاءة الطاقة، وتوسع استخدام الغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى التحول التدريجي للاقتصادات المتقدمة نحو قطاعات الخدمات والتكنولوجيا.
غير أن هذا التحول لا يعني أن الاقتصاد العالمي أصبح محصناً بالكامل من صدمات النفط. فارتفاع الأسعار ما زال قادراً على الانتقال بسرعة عبر تكاليف النقل والطاقة والمواد الأولية.
وقد أوضحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جيورجيفا في تصريح اخير لها أن كل زيادة تقارب 10 في المئة في أسعار النفط، إذا استمرت طوال معظم العام، يمكن أن ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية، مع خفض النمو العالمي بنحو 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية. قد تبدو هذه الأرقام محدودة ظاهرياً، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تحدث في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلاً من ضغوط تضخمية وبيئة مالية متقلبة.
وبعبارة أخرى، قد لا يؤدي ارتفاع النفط اليوم إلى تضخم هيكلي طويل الأمد كما حدث في سبعينيات القرن الماضي، لكنه يبقى قادراً على إطلاق صدمة تضخمية واسعة النطاق تنتشر عبر الاقتصاد العالمي.
السياسة النقدية: علاج مُر لتبريد الاقتصاد
عندما تصل صدمة الأسعار إلى المستهلكين، تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى التدخل. وغالباً ما يكون الخيار الأكثر شيوعاً هو رفع أسعار الفائدة للحد من الضغوط التضخمية.
لكن هذا العلاج يحمل آثاراً جانبية واضحة. فارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات، ما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أو حتى ركود في بعض الاقتصادات. كما يؤدي إلى ضغط إضافي على الدول ذات الديون المرتفعة.
وفي الوقت نفسه تميل الأسواق المالية في أوقات التوتر الجيوسياسي إلى التوجه نحو الأصول الآمنة نسبيا مثل الدولار والسندات الحكومية والذهب، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملات في الاقتصادات الناشئة وارتفاع التضخم المستورد فيها.
الترابط العالمي: انتهى...لم ينته
تُعيد الحرب الحالية في ايران واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز تأكيد درجة الترابط العميقة بين الجغرافيا والاقتصاد. ففاتورة الكهرباء في المانيا أو سعر كيس الأرز في اندونيسيا قد يكونان مرتبطين بشكل غير مباشر باستقرار الملاحة في ممر بحري ضيق بين الخليج وبحر عمان.
صحيح أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر مرونة بعد صدمات السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى أزمة الطاقة الأوروبية، بفضل تنويع سلاسل الإمداد وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة. لكن هذه الإجراءات تبقى إلى حد كبير آليات تخفيف للأزمات وليست ضمانة كاملة ضد صدمات بهذا الحجم.
ولهذا سيبقى مضيق هرمز، رغم كل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، واحداً من النقاط الجغرافية القليلة القادرة على الـتأثير على الاقتصاد العالمي بأكمله. ليس لأنه أوسع الممرات البحرية أو أطولها، بل لأنه يمر عبره أحد أهم شرايين الطاقة التي يعتمد عليها النظام الاقتصادي العالمي.




