صمود الأسواق:
كيف امتصت بورصات الخليج صدمة الحرب؟

06.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال

 دخلت منطقة الخليج العربي أسبوعاً كان من المفترض، بحسب القواعد التقليدية للأسواق، أن يكون أسبوعا صعبا بامتياز. فمع اندلاع وتصاعد الأعمال العدائية في نهاية فبراير، كانت التوقعات تشير إلى نزيف حاد في المؤشرات وهروب جماعي للسيولة. إلا أن شاشات التداول حتى إغلاق يوم الخميس، 5 مارس، روت قصة مختلفة تماماً؛ قصة كان عنوانها الرئيسي هوإعادة التسعير المنضبط.

الاستيعاب لا الهلع

تتحدث الأرقام عن نفسها؛ فرغم جسامة الأحداث، لم تتجاوز الخسائر التراكمية في معظم الأسواق حاجز الـ 5  إلى 6 في المئة. و يُصنّف هذا التراجع، في العرف المالي، كإعادة تقييم واقعية لعلاوة المخاطر.

لقد أثبتت بورصات المنطقة أنها باتت تمتلك  مصدات اقتصادية متطورة. فالسوق السعودي (تاسي) استعاد مستويات الـ 10,800 نقطة بحلول الخميس الماضي، مقلصاً خسائره التراكمية إلى نحو 4.17 في المئة، بينما نجحت أسواق الإمارات في امتصاص صدمة  فجوة الهبوط  فور إعادة افتتاحها، لترتد صعوداً في نهاية الأسبوع.

 مثلث الصمود

يرتكز هذا التماسك الاستثنائي على ثلاث ركائز رئيسية جعلت المستثمر الخليجي والمؤسسي يتمسك بمواقعه. الركيزة الاولى هي ما يمكن تسميته بـ "بازوكا السيولة" والمظلة السيادية، حيث ان الأسواق تدرك تماماً أن الحكومات الخليجية تجلس على احتياطيات نقدية واستثمارات سيادية ضخمة تصل قيمتها الى حدود 6 تريليونات دولار أميركي. وقد تُرجم هذا الواقع فعلياً عبر تدخلات صناع السوق  والجهات الحكومية التي ضخت سيولة ذكية في الأسهم، لا سيما القيادية  منها، ما أوجد  قاعاً صلباً للمؤشرات، منعها من السقوط الحر. وتتمثل الركيزة الثانية بما يمكن تسميته  بكفاءة درع السماء المتمثل بأنظمة الدفاع الجوي التي نجحت في اعتراض معظم التهديدات وهذا ما لعب دوراً نفسياً ومادياً حاسماً. فالمستثمر الذي يرى أن البنية التحتية لقطاع النفط والغاز والمرافق الرئيسية الأخرى لا تزال تعمل بكفاءة، لا يجد سبباً منطقياً للتخلي عن أسهمه بأسعار مُغرية. أما الركيزة الثالثة فتمثلت في الإدارة الذكية للوقت، وكان قرار تعليق التداول في الإمارات والكويت لبضعة أيام بمثابة  فترة تهدئة. وقد حال هذا الإجراء دون تفاعل المتداولين مع الأخبار العاجلة في لحظات الانفعال القصوى، ومنحهم فرصة لتقييم الموقف بهدوء، ما أدى إلى عودة  عقلانية للتداول.

النفط كتحوط طبيعي إذا استمر التصدير

لا يمكن إغفال دور النفط  الذي تعدت أسعاره عتبة الـ 80 دولاراً للبرميل الواحد (خام برنت). وقد وفر هذا الارتفاع  تحوطاً طبيعياً للميزانيات الخليجية وللشركات الكبرى مثل "أرامكو" وشركات البتروكيماويات، ما أعطى الأسهم بعض الثقل لموازنة كفة المخاطر السياسية. هذا مع العلم أن استمرار هذا العامل مرهون باستمرار القدرة على التصدير في ظل المخاطر التي تحيط بمضيق هرمز.

نضج تنظيمي وملاءة مالية تواجهها مخاطر

ومع ذلك، لا بد من الاشارة الى أن الانضباط الحالي مشروط ببقاء قواعد الاشتباك ضمن حدودها الحالية وعدم اطالة الحرب الى أمد طويل. إن المحرك الرئيسي لأي إعادة تسعير عميقة  قادمة لن يكون التصعيد الكلامي، بل يتمثل في خطرين داهمين هما: تعطيل شريان هرمز بشكل كامل إذا ما طال أمد الحرب وأدى لتعليق طويل للملاحة، وإصابات مباشرة وجسيمة للبنية التحتية للطاقة.

 في حلول نهاية أسبوع الأزمة الأول، أرسلت بورصات الخليج رسالة واضحة للعالم وهي أن إعادة التسعير التي تمت حتى الآن هي انعكاس لنضج تنظيمي وملاءة مالية فائقة، ما يثبت أن الرهان على استقرار المنطقة اقتصادياً لا يزال، حتى اللحظة، رهاناً رابحاً.