حين تُسعِّر الأسواق الحرب قبل وقوعها
ماذا تفعل مواجهة أميركية–إيرانية
باقتصاد الخليج وشرق المتوسط؟

26.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم د. خالد عيتاني*

هناك لحظات في الاقتصاد لا تبدأ من الأرقام… بل تُجبِر الأرقام على أن تتبدّل. حربٌ أميركية-إيرانية-إن اندلعت-لن تكون خبرًا أمنيًا عابرًا، بل صدمة أسعار (Price shock) تُشتقّ منها سلسلة صدمات أعمق: صدمة لوجستية (Logistics shock) عبر الشحن والتأمين والممرات، ثم صدمة ثقة (Confidence shock) في التمويل والاستثمار والسياحة. وحين تتزامن هذه الصدمات الثلاث، لا يعود السؤال “كم سيبلغ سعر النفط؟” بل: كيف سيُعاد تسعير الإقليم كله-دولًا وقطاعاتٍ وعملات؟

الأسواق بدأت تسعير الاحتمال قبل الحدث. في 19 شباط/فبراير 2026، أغلق خام برنت عند 71.66 دولارًا للبرميل. وفي هذا النوع من اللحظات، يصبح ما يدفع السعر ليس العجز الفعلي فقط، بل ما يسميه المتعاملون علاوة المخاطر (Risk premium) —وهي ضريبة الخوف التي تُضاف إلى كل برميل قبل أن يُضاف أي نقصٍ إلى الإمداد.

لكن “العلاوة” ليست صدمةً واحدة متجانسة. فهي تُترجم على أربع خرائط اقتصادية مختلفة داخل الإقليم: "الخليج" مصدّر يربح من السعر ويخسر من المخاطر،" شرق المتوسط "مستورِد تتسرب إليه الصدمة عبر العملة والغذاء والشحن، "تركيا" اقتصاد صناعيّ حساس لرأس المال والطاقة معًا، و"إيران" اقتصاد مُعوّد على القيود لكنه يدفع ثمن الصمود داخليًا.

هرمز: حين يتحوّل الممر إلى مُعادلٍ للأسعار خلال ساعات

جوهر النموذج كله يقف عند عقدة واحدة: مضيق هرمز. في عام 2024 بلغ متوسط تدفق النفط عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا-أي قرابة خُمس استهلاك السوائل النفطية العالمي، وفوق ذلك يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) عالميًا. والأهم من الرقم هو ما يليه: قدرة "الالتفاف" عبر أنابيب بديلة متاحة للتجاوز لا تتعدى في التقديرات الأميركية نحو 2.6 مليون برميل يوميًا—مهمّة، لكنها صغيرة أمام حجم العقدة. لذلك، أي اضطراب واسع—even مؤقت—لا يرفع "السعر" فقط، بل يرفع كلفة الوصول إلى السعر: شحنًا وتأمينًا وتمويلًا.

وهنا تتجلى القناة التي يُخطئ كثيرون في تقديرها: التأمين البحري (War-risk insurance). فحين تتسع دائرة المخاطر البحرية في الإقليم، لا ترتفع أسعار الطاقة وحدها؛ ترتفع كذلك أقساط التأمين من أعشارٍ مئوية إلى مستويات تقتطع مئات آلاف الدولارات من رحلة واحدة، ثم تتحول هذه الكلفة إلى تضخمٍ مستورد في الغذاء والمواد الأولية والسلع الوسيطة.

 "اختبار ضغط" بدل "رقمٍ واحد"

لا أحد يستطيع تقديم رقمٍ واحد "مؤكد “قبل وقوع الحرب. لذلك، الأكثر احترافًا اقتصاديًا هو بناء اختبار ضغط (Stress test) من ثلاث درجات، لا يتنبأ بالنوايا السياسية، بل يقيس نتائج "درجات التعطّل" في الملاحة والطاقة والتمويل. سنستخدم صدمات سعرية معيارية (+25% / +50% / +100%) —لا بوصفها نبوءة، بل بوصفها "سلال اختبار" شائعة في الأدبيات الكلية.

خط الأساس (Baseline): برنت 71.66 دولارًا.

السيناريو A: اشتباك محدود—علاوة مخاطر بلا تعطّل كبير

ارتفاع النفط +25% ⇒ برنت تقريبي ≈ 90 دولارًا. هذا سيناريو "تسعير خوف" أكثر منه نقصًا فعليًا: الشحن يستمر، لكن بكلفة أعلى، وتصبح أقساط التأمين والتمويل جزءًا من السياسة النقدية غير المعلنة.

السيناريو B: تعطّل بحري جزئي—الممر يعمل لكن على أعصاب شركات الشحن

ارتفاع النفط +50% ⇒ برنت تقريبي ≈ 108 دولارات. هنا يبدأ السعر في حمل "تكلفة المسار": تذبذب جدول الشحن، ارتفاع تأمين، وتوتر في سوق الغاز أيضًا لأن جزءًا كبيرًا من تجارة LNG يمر من هرمز.

السيناريو C: صدمة كبرى—تعطّل شديد/إغلاق مؤقت لأسابيع

ارتفاع النفط +100% ⇒ برنت تقريبي ≈ 143 دولارًا. هنا لا يعود النفط رقمًا… بل قيدًا على النمو العالمي. وتصبح البدائل (الالتفاف بالأنابيب) غير كافية لسد فجوة العقدة.

ماذا تفعل هذه السيناريوهات بالتضخم والنمو؟ (بالأرقام المنشورة)

على مستوى التضخم، تقدّم الأدبيات الكلية معاملًا مفيدًا للتقريب: كل +10% في صدمة النفط قد ترفع التضخم بنحو +0.4 نقطة مئوية على الأثر في متوسط واسع من الاقتصادات. بمعنى ذلك، يصبح نطاق الصدمة كالتالي:

  • A (+25%): نحو +1.0 نقطة تضخم
  • B (+50%): نحو +2.0 نقطة
  • C (+100%): نحو +4.0 نقاط

لكن يوجد تفصيل مهم: الأبحاث الأحدث تشير إلى أن انتقال الصدمة إلى التضخم الأساسي (Core inflation)  غالبًا أصغر في معظم البلدان (أقل من 0.1 نقطة في كثير من الحالات عند صدمة 10 نقاط مئوية)، ما يعني أن "رأس الصدمة" في كثير من الأحيان يتركز في الطاقة والغذاء والنقل—ثم يعتمد اتساعه على العملة والسياسة المالية ودرجة الدعم.

أما النمو العالمي، فالدراسات الكمية (نماذج توازن عام/حسابي) تقدّم مرجعًا تقريبيًا:

  • +25% في النفط قد يرتبط بخسارة تقارب 0.5% من الناتج العالمي،
  • +50% تقارب 1%،
  • ومضاعفة السعر تقترن بخسارة تقترب من نحو 1.86% في بعض النماذج.
    هذه ليست أرقام “قدرٍ محتوم”، لكنها نطاقات منشورة تساعد صانع القرار على فهم حجم المروحة الممكنة.

الخليج: مكاسب سعرية… لكن بشروط تشغيلٍ وتمويل

في دول الخليج، ترتفع الإيرادات فورًا عندما يرتفع النفط. لكن الصحافة الاقتصادية الرصينة لا تتوقف عند الإيراد؛ بل تسأل: هل يتحول الإيراد إلى هامش مالي (Fiscal space) أم إلى “تعويض عن مخاطر”؟
هنا يظهر مفهوم سعر التعادل المالي للنفط (Fiscal breakeven oil price): السعر الذي تحتاجه الدولة لتوازن ماليتها. الفكرة بسيطة وقاسية: بعض الدول قد تتحول سريعًا إلى فوائض عند ارتفاعٍ متوسط، بينما دول أخرى تظل تحت ضغط حتى مع أسعار مرتفعة.

ومع ذلك، حتى في سيناريو الربح المالي، يبقى الخطر في القنوات غير النفطية: التمويل (Funding) والاستثمار (Investment) والمشاريع (Projects). حين تتسع علاوة المخاطر، ترتفع فروق العوائد، وتتأخر القرارات الاستثمارية، ويصبح جزء من الإنفاق “احترازيًا” بدل أن يكون توسعيًا. والأهم: إذا تحولت المخاطر إلى تعطّل في الشحن أو في سلاسل التوريد الخاصة بالمشاريع الضخمة، فإن ارتفاع السعر لا يعود مكسبًا صافيا، بل يصبح “سعرًا أعلى مع مسارٍ أغلى”.

شرق المتوسط: الصدمة هنا ليست نفطًا فقط… بل عملة وغذاء وشحن

خصوصية شرق المتوسط أنه يلتقط الصدمة قبل أن تصل إلى المضخة. لأن القناة الأسرع ليست النفط وحده، بل سعر الصرف (Exchange rate) وتكلفة الشحن والتأمين (Shipping & insurance costs).
في الاقتصادات المستوردة للطاقة، ترتفع فاتورة الطاقة بالدولار، فيتسع العجز الجاري، فيضغط ذلك على العملة، ثم تتحول العملة إلى مضاعِف تضخم. وحين تتزامن صدمة الطاقة مع صدمة الشحن، تصبح السلّة المعيشية كلها على خط النار: من الغذاء إلى الدواء إلى المواد الصناعية.

وهنا تبرز قيمة قراءة "الممرات" لا "البرميل". فإضافة إلى هرمز، تمر التجارة الإقليمية والعالمية عبر قناة السويس التي شكّلت في 2023 ما بين 12 و15 في المئة من التجارة العالمية، ومر عبرها نحو 22 في المئة من تجارة الحاويات البحرية عالميًا وفق تقديرات أممية. أي اضطراب بحري واسع في الإقليم—حتى لو كان خارج المتوسط—يتحول إلى ارتفاع كلفة واردات المتوسط نفسه.

تركيا: اقتصاد صناعيّ… حساس للطاقة ورأس المال في آن

تركيا تقع في منطقة تماس اقتصادي لا يسمح لها برفاهية “الحياد المالي” أمام صدمة طاقة. فهي مستورد كبير للطاقة، واقتصاد يعتمد على التصنيع والتصدير، وحساس لتقلبات رأس المال. في السيناريو A قد يظهر الأثر كزيادة تضخم وارتفاع كلفة طاقة للصناعة. في السيناريو B تتعمق المشكلة عبر التمويل: تشدد في شروط الاقتراض، تقلب في سعر الصرف، وتراجع شهية المستثمرين. أما في السيناريو C، فتصبح الطاقة والعملة معًا محركين لعودة دوامة “تضخم-سعر صرف”، ما يضغط على الطلب المحلي وعلى كلفة الإنتاج وعلى ميزان المدفوعات.

إيران: "الصمود" ليس مناعة… بل إدارة ضغطٍ دائم

السؤال عن إيران ليس "هل تنهار؟" بل "أي كلفة يدفعها اقتصاد الصمود؟". إيران راكمت خبرة طويلة في اقتصاد مقيد: قنوات تجارة بديلة، إعادة توجيه صادرات، وتكيّف مالي داخلي. لكن هذا التكيّف جاء تاريخيًا مع ثمن معروف: تضخم أعلى، عملة أضعف، واستثمار محدود. في حرب واسعة، قد لا يكون السيناريو انهيارًا فوريًا بالضرورة، لكنه على الأرجح تشديد قيود: صعوبات في التحصيل المالي، ارتفاع كلفة المخاطر، اضطراب في الشحن، وضغط إضافي على الدخل الحقيقي. الصمود هنا يعني استمرار الدولة تحت ضغط، لا العودة إلى مسار نمو طبيعي.

المصانع والسياحة والبناء… فاتورة الحرب “غير النفطية

الخطأ المتكرر هو اختزال الحرب في سعر البرميل. بينما الأثر الأشد اجتماعيًا قد يأتي من الاقتصاد الحقيقي:

  • المصانع (Manufacturing): ارتفاع الطاقة والمدخلات المستوردة يضغط الهوامش ويؤجل التوسع. وفي الصناعات الحساسة للطاقة، يمكن أن يتحول هامش الربح إلى هامش خسارة بسرعة.
  • السياحة (Tourism): القطاع يعيش على "توقعات الأمان". حتى قبل أن تتغير الوقائع، يكفي تغير التصورات كي تتراجع الحجوزات أو ترتفع كلفة التأمين والسفر. عالميًا ظل الطلب السياحي قويًا في 2025 (نمو في الوصولات الدولية بنحو 4 في المئة)، لكن هذا لا يلغي حساسية الوجهات القريبة من بؤر التوتر.
  • البناء والمشاريع (Construction & projects): يتأثر عبر قناة مزدوجة: ارتفاع كلفة مواد البناء والطاقة، وتشدد التمويل. المشاريع الكبرى غالبًا لا تُلغى مباشرة، لكنها تُؤجَّل—والتأجيل اقتصادياً يعني نموًا أبطأ ووظائف أقل.

ثلاث فواتير متزامنة تُحدّد “تكلفة الحرب

يمكن تلخيص تكلفة الحرب اقتصاديًا بثلاث فواتير متزامنة—وهنا تحديدًا تتشابه مدارس Financial Times  وThe Economist:  لا تُقاس الأزمة بمتغير واحد، بل بتراكب المتغيرات.

  1. فاتورة طاقة أعلى (Higher energy bill) ⇒ تضخم وضغط نقدي
  2. فاتورة شحن وتأمين أعلى (Higher shipping & insurance) ⇒ تضخم مستورد وارتفاع كلفة التجارة
  3. فاتورة استثمار مؤجل (Delayed investment) ⇒ نمو أقل ووظائف أقل

وفي قلب هذه الفواتير، تقف حقيقة واحدة: هرمز ليس تفصيلًا جغرافيًا، بل "معادل تسعير" للاقتصاد العالمي. وكلما اقتربت المنطقة من السيناريو C، تتراجع قدرة السياسات على "امتصاص" الصدمة وتتحول إلى مجرد "إدارة أزمة".

وفي النهاية، يجب تسمية الحقيقة بوضوح: في هذه المنطقة، الاقتصاد لم يعد تابعًا للأمن؛ بل إن الأمن نفسه صار تابعًا لاقتصاد الطاقة وسلاسل الإمداد. ومن يظن أن الحرب تُخاض بالسلاح فقط… سيكتشف أن كلفتها تُدفع بالتضخم، وبالعملة، وبالتمويل، وبسنوات من النمو المؤجل.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية