الذكاء الاصطناعي…
حين تزيد الكفاءة ولا ينخفض العمل
هل تتغير سردية الإنتاجية التي يروّج لها العالم؟

26.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

أوّلاً-الاقتصاد والأعمال

في الجدل العالمي الدائر حول الذكاء الاصطناعي، تتكرر صورة جذابة وبسيطة وهي أن التكنولوجيا الجديدة ستنجز الأعمال بسرعة أكبر، وستوفر الوقت، وستمنح البشر مساحة أوسع للإبداع والتمتع اكثر بعملهم وحياتهم. هذه الصورة، التي تغذيها شركات التكنولوجيا والاستشارات وموجة الاستثمار العالمية العارمة، تبدو منطقية؛ فإذا كانت الآلة تساعدنا، فمن الطبيعي أن نعمل أقل.

غير أن الواقع الذي بدأ يظهر داخل المؤسسات أكثر تعقيداً بكثير. دراسة ميدانية حديثة نشرتها Harvard Business Review تقدّم مفاجأة لافتة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يزيد الإنتاجية فعلاً، لكنه في الوقت نفسه يزيد حجم العمل وكثافته، ويؤدي إلى ارتفاع التوقعات والضغط المهني بدلاً من تخفيفه.

هذه النتيجة لا تقوّض أهمية الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف فجوة بين الوعود النظرية والسلوك الفعلي داخل الشركات.

من تسريع المهام إلى تضخم المسؤوليات

الآلية التي تفسر هذه المفارقة تبدو واضحة عند التمعّن فيها. عندما تصبح المهام أسرع وأسهل، لا تتوقف المؤسسات عند هذا الحد، بل تعيد ضبط معايير الأداء. ما كان يُنجز في أسبوع يُطلب إنجازه في يومين، وما كان يتطلب فريقاً يُطلب من شخص واحد. ومع الوقت، يتحول التحسن في الكفاءة إلى مستوى الأداء الطبيعي الجديد.

يخفض الذكاء الاصطناعي أيضاً الحواجز بين التخصصات. يستطيع موظف التسويق إعداد تحليل بيانات، ومدير المشروع يمكنه كتابة مسودات تقنية، والباحث قادر على إنتاج عروض متقدمة. هذه القدرات الجديدة توسّع نطاق الأدوار، لكنها توسّع معها حجم العمل المتوقع من الفرد. وهكذا تتحول التكنولوجيا من أداة لتقليل الجهد إلى محرك لزيادة الطموح المؤسسي.

العمل الذي لا يتوقف

يمكن وصف واحدة من الظواهر التي رصدتها الدراسة بالعمل المستمر أو العمل الذي لم يعد محصوراً بساعات أو أماكن محددة، بل أصبح يتسلل إلى كل فترات اليوم لأن الأدوات الرقمية تتيح إنجاز مهام صغيرة بسرعة في أي وقت، ما يؤدي إلى تداخل مستمر بين العمل والحياة الشخصية.

 ان أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة دائماً، وسريعة الاستجابة، ما يشجع الأفراد على إنجاز مهام إضافية في كل فجوة زمنية مثل قبل اجتماع، أثناء التنقل، أو في المساء. ومع مرور الوقت، تختفي الحدود النفسية بين وقت العمل ووقته الخارجي.

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي يقلل الجهد في تنفيذ المهمة الواحدة، لكنه يزيد عدد المهام التي يتم تنفيذها. النتيجة النهائية هي جهد إجمالي أعلى، وليس أقل.

العمل لا يختفي… بل يتغير شكله

الدراسة تشير أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي العمل بقدر ما يعيد توزيعه. بعض المهام تختفي، لكن تظهر مهام أخرى مثل مراجعة المخرجات، التحقق من الدقة، التنسيق بين الفرق، أو إصلاح الأخطاء. وفي كثير من الحالات، يتحمل المتخصصون عبئاً إضافياً لمراجعة أعمال أنتجها غير المتخصصين باستخدام أدوات ذكية.

يُذكِر هذا النمط بتاريخ التكنولوجيا الحديثة. البريد الإلكتروني زاد التواصل بدلاً من تقليله. الجداول الإلكترونية زادت التحليل بدلاً من تبسيطه. الهواتف الذكية مدّدت ساعات العمل بدلاً من اختصارها. الذكاء الاصطناعي يبدو امتداداً لهذه القاعدة، لكنه يحدث بوتيرة أسرع وبنطاق أوسع.

هل تنهار سردية الإنتاجية؟

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه النتائج تنقض السردية العالمية التي ترى في الذكاء الاصطناعي محركاً هائلاً للإنتاجية الاقتصادية. الواقع أن الصورة أكثر توازناً. الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية على مستوى المهام بلا شك، لكنه لا يضمن انخفاض ساعات العمل أو الضغط المهني. انه قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج الكلي مع بقاء العبء على الأفراد مرتفعاً.

في الاقتصاد، هذه الظاهرة معروفة منذ قرون. كلما ارتفعت الكفاءة، ارتفع الاستخدام. المحركات الأكثر كفاءة لم تقلل استهلاك الطاقة، بل زادته. والبرمجيات الأكثر سرعة لم تقلل التحليل، بل ضاعفته. الكفاءة تفتح الباب أمام طلب جديد.  بعبارة أخرى، الإنتاجية قد ترتفع، لكن الراحة لا تزيد تلقائياً.

التحدي الحقيقي داخل المؤسسات

أحد أهم الدروس التي تبرزها الدراسة أن القضية ليست تكنولوجية بقدر ما هي تنظيمية. كثير من الشركات أدخلت أدوات الذكاء الاصطناعي دون إعادة تصميم العمل أو الأدوار أو مؤشرات الأداء. كانت النتيجة إضافة طبقة جديدة من المهام فوق الأعباء القائمة.

تشير الدراسة ان المؤسسات التي ستحقق الفائدة الحقيقية هي تلك التي تعيد التفكير في كيفية توزيع العمل بين الإنسان والآلة، وتضع حدوداً للتوقعات، وتنظم الاستخدام بدلاً من تركه عشوائياً.

 بين الوعد والواقع

الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً اقتصادياً عميقاً بلا شك، لكن الدرس الذي يتضح تدريجياً هو أن التكنولوجيا لا تحدد النتائج وحدها. الطريقة التي تعيد بها المؤسسات والدول تنظيم العمل، وتوزيع المسؤوليات، وإدارة التوقعات، هي التي ستحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقود إلى ازدهار إنتاجي مستدام أو إلى ضغط مهني متزايد.

ان القصة العالمية عن الإنتاجية ليست خاطئة، لكنها غير مكتملة. قد يجعلنا الذكاء الاصطناعي ننتج أكثر، لكنه لن يجعلنا نعمل أقل تلقائياً. وهذه الحقيقة، رغم بساطتها، قد تكون من أهم ما يجب أن يفهمه صناع القرار في المرحلة القادمة.