داود رمال
تشكل التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو منعطفاً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز حدود السجال الإقليمي التقليدي، إذ لا تقتصر دلالاتها على إعادة توصيف التحالفات في الشرق الأوسط، بل تؤسس لرؤية هندسية جديدة للأمن الإقليمي قوامها إعادة توزيع مراكز الثقل الطاقوي والمائي والاقتصادي. فالإعلان الصريح عن العمل على تشكيل محور جديد في مواجهة "محورين" أحدهما شيعي "منهار" والآخر سني "متشكل"، يشي بمحاولة الانتقال من منطق إدارة الصراعات إلى منطق بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة، والممرات البحرية بالاقتصاد السياسي.
المحور السداسي الذي جرى التركيز عليه من قبل نتنياهو يقوم على إحاطة المجال العربي بطوق جيوسياسي يمتد من القوقاز إلى القرن الأفريقي، ومن جنوب آسيا إلى شرق المتوسط. في الشمال، تمثل أذربيجان نقطة ارتكاز حساسة، ليس فقط لكونها دولة ذات غالبية شيعية بعلاقات متينة مع تل أبيب، بل لأنها تتحكم بعقدة جغرافية قريبة من روسيا وإيران وتركيا. هذا التموضع يمنح إسرائيل منفذاً استخبارياً وأمنياً متقدماً في خاصرة إيران، ويتيح في الوقت نفسه دوراً في معادلات نقل الطاقة من بحر قزوين إلى أوروبا عبر الممرات العابرة للأناضول. وعليه، فإن أي إعادة تموضع أذري ضمن هندسة تحالفية جديدة ينعكس مباشرة على توازنات إمدادات الغاز والنفط نحو القارة الأوروبية، وعلى قدرة الدول العربية المصدّرة للطاقة على المناورة في أسواق متقلبة.
في الشرق، تحضر الهند بوصفها ركيزة اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى. فالهند ليست مجرد مستهلك ضخم للطاقة، بل قوة صاعدة تسعى إلى ربط موانئها بممرات لوجستية تمتد إلى الخليج وشرق المتوسط وأوروبا. إدماجها في محور تقوده إسرائيل بالشراكة مع الإمارات العربية المتحدة يعزز فكرة إنشاء سلاسل إمداد بديلة عن المسارات التقليدية التي تمر عبر قوى إقليمية منافسة. هذا المسار، إذا ما تكرّس، قد يعيد رسم خريطة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، ويمنح دول الخليج المنخرطة فيه موقعاً مركزياً كمحطات عبور وتمويل واستثمار، لكنه في المقابل قد يفاقم هشاشة الدول العربية غير المشاركة، التي ستجد نفسها خارج شبكات القيمة الجديدة.
في القلب، تشكل العلاقة الإسرائيلية–الإماراتية، التي انطلقت رسمياً عبر اتفاقيات أبراهام، البنية الصلبة للمحور المقترح. فالإمارات تؤدي دور البوابة المالية واللوجستية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة وموانئها العالمية. ومن منظور الأمن الطاقوي، يتيح هذا التحالف إمكانات للتكامل في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتكنولوجيا المرتبطة بتحلية المياه وإدارة الموارد. غير أن هذا التكامل قد يعيد توجيه الاستثمارات بعيداً عن دول عربية تعاني أزمات بنيوية، ما يوسّع الفجوة التنموية داخل النظام العربي نفسه.
أما في الجنوب، فتبرز إثيوبيا باعتبارها بوابة القرن الأفريقي ومفتاحاً لأمن البحر الأحمر. هنا يتقاطع البعد المائي مع الطاقوي بشكل حاد، إذ إن موقع إثيوبيا وتأثيرها في معادلة نهر النيل يضعان الأمن المائي المصري والسوداني أمام تحديات إضافية في حال تحوّل أديس أبابا إلى جزء من محور استراتيجي تدعمه قوى تكنولوجية ومالية متقدمة. كذلك فإن تأمين الممرات البحرية في باب المندب يرتبط مباشرة بأمن صادرات النفط والغاز العربية نحو أوروبا وآسيا، ما يجعل أي إعادة تموضع في القرن الأفريقي عاملاً مؤثراً في استقرار الأسواق.
وفي الغرب، يكتمل القوس عبر اليونان وقبرص، حيث تتشابك مشاريع الطاقة في شرق المتوسط مع حسابات الاتحاد الأوروبي. إن ربط إسرائيل بشبكة أوروبية عبر هاتين الدولتين يمنحها منفذاً إضافياً لتصدير الغاز، ويعزز حضورها في معادلة أمن الطاقة الأوروبي، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادرها بعيداً عن روسيا. بالنسبة إلى الدول العربية المطلة على المتوسط، فإن هذا التطور قد يعني إعادة توزيع أدوار في منتديات الغاز الإقليمية، وربما اشتداد المنافسة على خطوط الأنابيب ومشاريع الإسالة.
إن القراءة الشمولية لهذا الطرح تكشف أن المسألة لا تتعلق بمحور عسكري بقدر ما هي محاولة لبناء منظومة نفوذ متكاملة تعيد صياغة مفهوم الأمن ليشمل الطاقة والمياه والتجارة والبنى التحتية. انعكاس ذلك على الدول العربية يتوقف على موقع كل دولة من هذه الشبكة: فالدول المنخرطة قد تجني مكاسب استثمارية وتكنولوجية، بينما تواجه الدول الخارجة عنها مخاطر التهميش وفقدان القدرة على التأثير في مسارات الطاقة والممرات البحرية. وفي الحالتين، يصبح الأمن القومي العربي أمام اختبار مزدوج: إما تطوير مقاربة تكاملية مضادة تعزز الاعتماد المتبادل العربي–العربي في مجالات الطاقة والمياه، أو الاكتفاء بردود فعل ظرفية تكرّس التبعية لمحاور خارجية.
من هنا، فإن خطورة التصريحات لا تكمن في بعدها الخطابي، بل في قدرتها على تحفيز ديناميات إعادة اصطفاف قد تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة لعقود مقبلة، حيث يتحول الأمن الطاقوي والمائي إلى أدوات ضغط جيوسياسي، ويغدو الاقتصاد هو الميدان الحاسم للصراع على مستقبل الشرق الأوسط.




