داود رمال
لم تكن طرابلس يوماً مدينة هامشية في التاريخ اللبناني. قبل اندلاع الحرب اللبنانية، او حرب الآخرين على ارض لبنان، شكّلت عاصمة الشمال نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً متقدّماً، مدينة متوسطية نابضة بالحياة، مركزاً تجارياً وثقافياً، وميناءً حيوياً يربط لبنان بمحيطه العربي. كانت أسواقها القديمة، وميناؤها، وطبقتها الوسطى الواسعة، وعائلاتها الحرفية والتجارية، تشكّل صورة مدينة تعيش كرامتها اليومية بلا صخب سياسي دائم. غير أن التحولات العاصفة التي ضربت لبنان منذ السبعينيات نقلت طرابلس من موقع النموذج إلى موقع الأزمة البنيوية المفتوحة.
اليوم، تقف المدينة أمام مشهد مأساوي متعدد الأبعاد. الأرقام وحدها كفيلة برسم صورة الانحدار: تسرب مدرسي يلامس 57 في المئة، ما يعني أن أكثر من نصف الجيل الصاعد مهدد بفقدان حقه في التعليم النظامي؛ معدلات فقر تتراوح بين 60 و80 في المئة، مع ترجيحات بأن الرقم الأقرب إلى الواقع هو 80 في المئة؛ بطالة تفوق 50 في المئة، ما يحوّل العمل إلى امتياز استثنائي جدا لا إلى حق؛ عمالة أطفال هي الأعلى على مستوى لبنان، في دلالة على تفكك منظومة الحماية الاجتماعية. هذه المؤشرات تعكس أزمة بنيوية تتمثل انهياراً هيكلياً أصاب النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
الديموغرافيا تضاعف الضغوط. فمن أصل نحو مليون نسمة يعيشون في طرابلس الكبرى، هناك قرابة 500 ألف من أبناء المدينة، و200 ألف يقيمون في أحزمة بؤس على أطرافها، إضافة إلى نحو 300 ألف نازح سوري. هذا التداخل الكثيف بين الفقر المحلي والنزوح القسري والبطالة البنيوية خلق منافسة قاسية على الموارد المحدودة أصلاً، من فرص العمل إلى الخدمات العامة. في ظل دولة منهكة مالياً ومؤسساتياً، باتت المدينة تعتمد إلى حد بعيد على مساعدات متقطعة ومبادرات محدودة ومحددة لا ترقى إلى مستوى خطة إنقاذ شاملة.
التحول لم يكن اقتصادياً فحسب، بل أمنياً وسياسياً أيضاً. طرابلس التي عُرفت بالتنوع والانفتاح تحولت تدريجياً إلى ساحة محاور وصراعات. بعد انتقال القيادة الفلسطينية إليها في مراحل من الحرب، دخلت في تعقيدات الصراع الإقليمي، ثم شهدت صدامات مرتبطة بصعود تيارات إسلامية وصراعات مع النظام السوري، وصولاً إلى جولات القتال في عام 2014 التي أعادت إلى الواجهة خطوط تماس داخلية ودماراً عمرانياً ومعنوياً. هذا الإرث من الجولات العسكرية المتكررة رسّخ صورة مدينة قابلة للاشتعال، ما نفّر الاستثمارات وعمّق عزلة الشمال عن الدورة الاقتصادية الوطنية.
الجانب العمراني يعكس بدوره الإهمال المزمن. فأحياء بكاملها تعاني من بنى تحتية متهالكة، خدمات بلدية محدودة، وشبكات صرف وكهرباء غير مستقرة. الميناء الذي كان يفترض أن يشكّل رافعة اقتصادية استراتيجية لم يُستثمر كما ينبغي، ولم تُستكمل خطط ربطه الفعّال بالعمق السوري والعراقي والخليجي. كذلك، بقيت المنطقة الاقتصادية الخاصة مشروعاً مؤجلاً بين التعقيدات السياسية ونقص التمويل، فيما كانت المدينة تخسر سنوياً فرصاً تنموية كان يمكن أن تغيّر مسارها.
اجتماعياً، أدت البطالة المرتفعة والتسرب المدرسي إلى إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال. حين يغادر الأطفال المدارس باكراً ليلتحقوا بأعمال هامشية، تتكرس دورة حرمان مستمرة تتمثّل في تعليم ضعيف، مهارات محدودة، فرص عمل شبه معدومة، ثم عائلة جديدة تدخل الحلقة نفسها. ومع تضاؤل الطبقة الوسطى الى حد التلاشي الكلي، تآكلت المساحات الجامعة التي كانت تشكّل صمام أمان اجتماعياً وثقافياً. هكذا تحولت المدينة من بيئة إنتاج وتجارة إلى بيئة استهلاك مدعوم بالمساعدات والتحويلات، في أفضل الأحوال.
سياسياً، دفعت طرابلس ثمناً إضافياً نتيجة التوظيف المزمن لفقرها في الصراعات الداخلية. بدل أن تُعامل كأولوية إنمائية وطنية، جرى التعامل معها في كثير من الأحيان كساحة رسائل سياسية وأمنية. غابت المعالجات الجذرية لمسببات التهميش، من ضعف الاستثمارات إلى غياب اللامركزية الفاعلة، ومن انقطاع خطوط النقل الحديثة إلى ضعف الجامعات الرسمية وفرص التدريب المهني.
إن استمرار هذا المسار من دون تدخل استراتيجي شامل ينذر بانفجار اجتماعي كبير. حين تتراكم البطالة والفقر والحرمان التعليمي في مدينة بهذا الحجم، ومع هذا التنوع السكاني، يصبح الاستقرار هدفا صعب المنال. المطلوب ليس إجراءات إسعافية فحسب، بل رؤية متكاملة تعيد تعريف دور طرابلس في الاقتصاد اللبناني من خلال تطوير الميناء وربطه بمشاريع إعادة إعمار محتملة في المنطقة، تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة، إطلاق برامج دعم مباشر للتعليم المهني للحد من التسرب، وتحفيز استثمارات صغيرة ومتوسطة تخلق فرص عمل سريعة الأثر.
طرابلس ليست قدراً محتوماً للفقر، بل مدينة أُنهكت بالحرب والإهمال وتراكم السياسات الخاطئة. تاريخها الاقتصادي والاجتماعي يثبت أنها قادرة على النهوض إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية التنموية. لكن استمرار إدارة الأزمة بدل حلّها سيحوّلها من مدينة منكوبة إلى بؤرة توتر مفتوحة، وهو ثمن لن يكون شمال لبنان وحده من يدفعه، بل الدولة اللبنانية بأسرها.




