الفجوة المالية في لبنان:
من "قانون ردّ الودائع" إلى سؤال الدولة
ومن يدفع ثمن النموذج؟

17.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم: د. خالد عيتاني*

 لبنان لا يعيش أزمةً مصرفيةً فحسب؛ يعيش أزمةَ نموذج. وحين يُطرَح «قانون الفجوة المالية» بوصفه "دفترًا ثالثًا" بعد دفاتر التعاميم والتسويات والوعود منذ 2019، يصبح النقاش-على قسوته-أكثر صدقًا: هل نحن أمام محاولة للانتقال من إدارة الانهيار إلى معالجته، أم أمام صياغةٍ قانونية جديدة لتمديد الانهيار بطريقةٍ أكثر انضباطًا؟

الرقم الذي صار يتقدّم على السياسة والاقتصاد معًا هو حجم الفجوة/الخسائر، مع خلفيةٍ ثابتة تُشار إليها مرارًا: تقديرات بخسائر كبيرة منذ سنوات، وتداولٍ أحدث لفكرة "الفجوة" كحجمٍ أشمل، بينما تصف المؤسسات الدولية الأزمة بأنها من الأسوأ عالميًا منذ القرن التاسع عشر. لكن التحليل لا يتوقف عند الرقم. الفجوة ليست مسألة محاسبية فقط؛ إنها انعكاس "لعقدٍ اقتصادي–سياسي" انهار: دولةٌ موّلت عجزها على حساب المصارف، مصارفُ راكمت أرباحًا على حساب المخاطر، ومودعون صاروا فجأةً الطرف الذي يُطلب منه أن يمتصّ الصدمة-أحيانًا تحت اسم "إعادة التوازن" وأحيانًا تحت اسم "الواقعية".

عندما تقول الحكومة "85% سيستعيدون"… ماذا يعني ذلك اقتصاديًا؟

مشروع القانون كما رُوِّج له يقدّم سردية بسيطة تصلح للعناوين: من تقل ودائعه عن 100 ألف دولار يستعيدها على دفعات خلال أربع سنوات، ومن يفوق ذلك يحصل على 100 ألف "نقدًا" ثم يتحول الباقي إلى أوراق مالية/سندات قابلة للتداول مدعومة بأصول مصرف لبنان، بآجال تمتد بين 10 و20 سنة وفق حجم الوديعة. هذه هي "المقايضة الكبرى": خفض الضغط النقدي اليوم مقابل ربط جزء من الحقّ بمخاطر الزمن والسياسة وأداء الأصول.

رئيس الحكومة نواف سلام قدّمها بعبارة تُلخّص روحها: القانون "قد لا يكون مثاليًا"، لكنه "خطوة واقعية" لاستعادة الثقة، مع التشديد على أنه ليس "عفى الله عما مضى".

هنا تبدأ القراءة الاقتصادية القاسية-لا الأخلاقية-لأن الفرق بين "وعدٍ سياسي" و"التزام اقتصادي" يُقاس بثلاثة أسئلة لا يهرب منها أي نظام مالي:

أولًا: القيمة الزمنية للنقود.
“100 ألف خلال أربع سنوات” ليست “100 ألف اليوم”. في اقتصادٍ عالي المخاطر، ترتفع كلفة الزمن: تضخم، مخاطر سعر صرف، احتمالات تعثر سياسي، واحتمالات تعديل القواعد تحت ضغط البرلمان. أي خطة دفع لا تُحوِّل هذا الوعد إلى “جدول تدفقات” ممول ومراقَب تصبح مع الوقت أداةً لإذابة الحقوق عبر الزمن، لا لاستعادتها.

ثانيًا: من يحمل مخاطر الأداة؟

حين تُحوَّل الودائع الأكبر إلى أوراق مدعومة بالأصول، يصبح المودع عمليًا شريكًا قسريًا في مخاطر أداء الأصول. وقد ذُكر أن هذه الأوراق مدعومة بأصول مصرف لبنان “بما فيها الذهب”. هذا يفتح بابًا بالغ الحساسية: حتى إن لم يُذكر “بيع الذهب” حرفيًا، فإننا قد نكون أمام رهنٍ ضمني إذا تعثرت مصادر السداد الأخرى.

ثالثًا: هل الدولة “خارج المعادلة” أم “ضامن أخير”؟

بعض قراءات المشروع تفهم أن الدولة لا تريد مساهمة مباشرة كبيرة، بينما يُحمَّل العبء عمليًا على المصارف والمودعين معًا. هذا قد يبدو “حمايةً للمالية العامة” على الورق، لكنه يخلق ثقبًا في الثقة: لا نظام مصرفيًا بلا دولة تُنتج قواعد لعبة قابلة للتصديق. وهنا تحديدًا يتحول القانون من خطة اقتصادية إلى معركة شرعية.

صندوق النقد: معيار واحد يفضح الغموض-التراتبية والاستدامة

بيان صندوق النقد في شباط/فبراير 2026 كان حاسمًا في اللغة: المطلوب “تعزيز” استراتيجية إعادة هيكلة المصارف، وضمان أن تكون متوافقة مع المبادئ الدولية، قابلة ماليًا، ومتسقة مع استدامة الدين العام والخارج.

هذه ليست “ملاحظة تقنية”. إنها ترجمة لمسألة واحدة: تراتبية تحمل الخسائر. لأن أي قانون يترك ترتيب الخسائر رماديًا يسمح للبرلمان أن يعيد هندسته وفق ميزان القوى: مرةً لصالح المصارف باسم “الاستقرار”، ومرةً لصالح الشعبوية باسم “حماية المودعين”، وفي الحالتين قد يُفجِّر قابلية التنفيذ.

وقد بدا منطقيًا التحذير من أن أي تسوية تميل كثيرًا لصالح المصارف قد تُسقط مسار الاتفاق مع الصندوق.

المصارف: بين تحذير مفهوم وتناقض قاتل

جمعية المصارف اللبنانية قدّمت موقفًا مركبًا: ترحيب بأن مشروع قانون قُدِّم أخيرًا بعد ست سنوات، مع اعتراضات جوهرية على الصيغة والمسار.

من زاوية الاقتصاد البارد، تحذير المصارف من انهيار القطاع ليس تفصيلاً: لا اقتصاد بلا وساطة مالية، ولا نمو بلا ائتمان، ولا استثمار بلا بنية مصرفية أو بديل مؤسسي مكافئ. لكن التناقض القاتل يظهر حين تتحول “حماية القطاع” إلى محاولة لحماية نموذج ما قبل 2019 دون اعترافٍ صريح بالخسائر ودون إعادة رسملة على أسس جديدة. عندها تتحول الاستمرارية إلى مخاطر أخلاقية: مكافأة من استفاد من النموذج القديم، وطلب التضحية ممن لم يملك سلطة القرار.

تحذيرات الاقتصاديين: الخطر ليس في القانون وحده بل في “تصفية فوضوية

تحليلات اقتصادية عدة التقطت خطرًا محددًا: إذا فُرضت خسائر تفوق قدرة بعض المصارف على الاحتمال، قد تنزلق إلى الإفلاس، وعندها يخرج المودع بخسائر أفدح ويستعيد “فتاتًا” بدل مسار واضح. كما أُشير إلى أرقام عن السيولة المتاحة وتقييد جزء منها بما يحدّ هامش الدفع النقدي، ما يضيء على مأزق “القدرة” لا “النية”.

القانون إذا لم يقترن بإطار حلّ مصارف قابلة للحياة + تصفية منظمة لغير القابلة للحياة، يصبح ساحة احتمالات فوضوية: إمّا قانون لا يُنفَّذ، أو تنفيذ يخلق إفلاسات متسلسلة.

الذهب: من شعار “لا نبيع” إلى سؤال “هل نرهن ضمنيًا؟” ثم إلى خيار الاستثمار

النقاش حول الذهب محكوم بقيود قانونية وتاريخية، ومع صعود الأسعار عاد إلى الواجهة باعتباره أحد أكبر الاحتياطيات في المنطقة. لكن المسألة ليست رقمًا بل إدارة مخاطر السيادة.

وقد أُشير إلى أن أدوات التعويض المقترحة لكبار المودعين ستكون مدعومة بأصول مصرف لبنان بما فيها الذهب. وهنا يجب أن يكون النقد صريحًا: الرهن الضمني أخطر من البيع العلني. لأن البيع يحتاج قرارًا سياسيًا واضحًا ومسؤوليةً واضحة، أما الرهن الضمني فيدخل من باب “الأداة المالية” ويمتد لسنوات حتى يصبح الذهب “الضامن الأخير” عند أول تعثر.

أما خيار استثمار الذهب بدل بيعه، فهو منطقيًا أقرب إلى المصلحة العامة إن تحققت شروطه: لا مساس بالأصل، بل تحويل جزء من الاحتياطي أو عوائده ضمن إطار مؤسسي مستقل وشفاف يضمن أن الذهب لا يصبح “ريعًا جديدًا” ولا بوابة نهب جديدة. لكن هذه الفكرة تنهار فورًا إن لم تُبْنَ على حوكمة صلبة: مجلس مستقل، تدقيق دولي، نشر دوري للبيانات، وقواعد تمنع استخدامه كأداة لإطفاء خسائر الماضي لصالح أقلية من كبار المصالح.

أملاك الدولة: الفرق بين “خصخصة تحت الضغط” و“سياسة أصول

الحديث عن أملاك الدولة غالبًا ما يُستخدم كحل سحري. التحليل السياسي–الاقتصادي يقول عكس ذلك: الأصول العامة في دولة ضعيفة تُباع عادةً بأقل من قيمتها، وتتحول الخصخصة إلى صفقة لا إلى سياسة. لذلك ليس السؤال “هل نستخدم الأصول؟” بل: هل نحولها إلى تدفقات مستدامة عبر إدارة سيادية أم نبيعها دفعة واحدة لتسديد فجوة صنعتها بنية الريع نفسها؟

وهنا يتصل الذهب بأملاك الدولة: أي ربطٍ للحقوق بأصول عامة من دون قواعد حوكمة صارمة يعني تحويل “الثروة العامة” إلى ضمانة لسداد التزامات خاصة.

توصيات مرجّحة: أفضل مسار هو “عدالة قابلة للتمويل” لا “حل جميل على الورق

بعد دمج سردية الحكومة، اشتراطات الصندوق، اعتراضات المصارف، وتحذيرات الاقتصاديين، لا يبقى منطقيًا إلا مسار واحد “قابل للتصديق”:

  1. تراتبية غير قابلة للتأويل: شطب رساميل المصارف غير القابلة للحياة أولًا، وإلزام إعادة رسملة القابلة للحياة وفق معايير شفافة—قبل تحويل الخسائر إلى المودعين.
  2. تحويل وعد الـ 100 ألف إلى التزام تنفيذي: عبر آلية رقابة واضحة، تقارير دورية، وجهة تنفيذ مستقلة، ونشر أرقام قابلة للتدقيق.
  3. نص صريح يمنع الرهن الضمني للذهب: لا يكفي القول “لا نبيع الذهب”. يجب منع إدراجه تلقائيًا كضمان لأدوات التعويض، وحصر أي استخدام له بقانون خاص وبأهداف إنتاجية سيادية.
  4. صندوق أصول سيادي شفاف لأملاك الدولة: تُدار الأصول كحافظة تولد عائدًا سنويًا مخصصًا لصندوق ضمان الودائع وخفض الدين وتمويل بنية إنتاجية.
  5. ربط القانون بخطة نمو: لأن إعادة هيكلة مصرفية بلا اقتصاد منتج تعني “استقرارًا فقيرًا” يجمّد الأزمة بدل حلها.

في النهاية، الفجوة المالية ليست فجوة ميزانيات فقط؛ إنها فجوة ثقة، وفجوة عدالة، وفجوة سيادة. وإذا كان “الدفتر الثالث” سيُكتب حقًا، فليكن دفترًا يُحدِّد بوضوح: من يدفع أولًا، كيف نمنع تحويل الثروة العامة إلى ضمانة ضمنية، وكيف نبني قدرة سداد عبر اقتصاد منتج لا عبر تعاميم.

 

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية