كتب فيصل أبوزكي
في مدينةٍ بُنيت على سرعة التحوّل ودقّة التوقيت، كان عبدالمجيد صدّيقي واحداً من الرجال الذين فهموا الزمن بوصفه قيمة تتجاوز القياس بالعقارب. رحيله يمثل فقدان شريك مالك في مجموعة عائلية عريقة، وغياب أحد الذين ساهموا بصمت وثبات في تشكيل ملامح قطاع كامل، وفي تثبيت موقع الإمارات مركزاً إقليمياً وعالمياً لتجارة التجزئة الفاخرة. فقد وصفته مجموعته بأنه "أحد أعمدة قطاع الأعمال والتجزئة الفاخرة في الدولة"، وهو توصيف يختصر مسيرة امتدت عبر عقود من التحوّل الاقتصادي والتجاري في المنطقة.
منذ البدايات، تعامل عبدالمجيد صدّيقي مع تجارة الساعات باعتبارها صناعة قائمة على الثقة والسمعة والدقة وليست مجرد نشاط استهلاكي. في زمنٍ كانت فيه المنطقة في طور بناء بنيتها التجارية الحديثة، ساهم في ترسيخ نموذج جديد للعلاقة بين الوكيل المحلي والعلامة العالمية، نموذج يقوم على الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد. لقد أسهم، مع شركائه في العائلة، "في تشكيل خريطة التجزئة الفاخرة في الدولة والمنطقة"، فانتقلت الإمارات من سوق واعدة إلى منصة إقليمية تستقطب كبرى دور صناعة الساعات وتقدّم تجربة تضاهي كبريات العواصم العالمية.
لم تكن هذه النقلة نتيجة توسّع عددي في الفروع أو تنويع في الوكالات فحسب، بل كانت ثمرة رؤية تقوم على فهم عميق للتحوّل الذي تشهده دبي والإمارات عموماً. فقد أدرك أن ازدهار البنية التحتية، وصعود السياحة، وتنامي القوة الشرائية، جميعها عوامل تستدعي تطوير مفهوم التجزئة الفاخرة ليصبح تجربة متكاملة. وهنا برزت سمة الابتكار التي ميّزت مسيرته. فقد واكب تحوّل المتاجر إلى مساحات عرض راقية، تُبنى فيها علاقة طويلة مع العميل، وتُقدَّم فيها الساعات بوصفها قطعاً فنية وثقافية، تتعدى وظيفتها الاساسية كأدوات لقياس الوقت.
ومع توسّع النشاط، حافظ عبدالمجيد صدّيقي على توازن دقيق بين التمسك بجذور العمل العائلي والانفتاح على أفضل الممارسات العالمية. كان حريصاً "على تطبيق رؤية مؤسس المجموعة" وتطويرها، مؤمناً بأن الإرث ليس عبئاً يُقيّد الحركة، بل قاعدة يُبنى عليها المستقبل. في هذا السياق، تجلّت قيادته الهادئة، القائمة على الحكمة والالتزام بالقيم.
كان صدّيقي من أولئك الذين يفضّلون أن تتحدث النتائج عنهم. وقد شكّل هذا الأسلوب رصيداً معنوياً عزّز مكانة المجموعة ووطّد علاقتها بشركائها العالميين.
التواضع، الذي أشار إليه بيان مجموعة صدَيقي بوصفه إحدى سماته، كان صفة شخصية وجزءاً من فلسفة إدارة كاملة. في قطاع تقوم فيه القيمة على الثقة، يصبح السلوك الشخصي للقائد جزءاً من صورة المؤسسة. لذلك كان حضوره قريباً من الموظفين والشركاء، حريصاً على بناء فرق عمل مؤهلة قادرة على مواكبة معايير الفخامة العالمية. هذا الاستثمار في الإنسان، إلى جانب الاستثمار في العلامات والمنتجات، أسّس لثقافة مؤسسية تُدرك أن الاستدامة تتحقق باكثر من الأرقام وبالتحديد بترسيخ القيم المهنية والأخلاقية.
وعلى امتداد مسيرته، لعب عبدالمجيد صدّيقي دوراً في ترسيخ صورة رجل الأعمال القادر على الجمع بين الطموح المحلي والانفتاح الدولي. ففي قطاع يتسم بتنافسية عالية، استطاع أن يحافظ على موقع متقدم لمؤسسة عائلية وسط عمالقة عالميين، مستنداً إلى فهم دقيق للسوق الإقليمية، وإلى قدرة على قراءة التحولات في سلوك المستهلك. ومع صعود دبي كمركز عالمي للمعارض والأحداث الفاخرة، كانت مؤسساته جزءاً من المشهد الذي يعكس ثقة العلامات الدولية بالبيئة الاقتصادية الإماراتية.
هذا الدور تجاوز البعد التجاري، ليمتد إلى الإسهام في بناء سمعة قطاع التجزئة الفاخرة كقطاع منظم ومحترف. فقد ساهم، مع نظرائه، في إرساء معايير عالية للعرض والخدمة، وفي تعزيز مفهوم الشفافية في التعاملات، وهو ما رسّخ ثقة العملاء والمصنّعين على حد سواء. ولعل هذا ما يفسر الإشارة إلى أنه "ترك إرثاً حياً في مجتمع الأعمال الإماراتي"؛ إرث لا يقتصر على اسم تجاري، بل يتجسد في ثقافة عمل وممارسات مهنية ستبقى فاعلة بعد رحيله.
عند النظر إلى مسيرته في سياق أوسع، يمكن القول إن عبدالمجيد صدّيقي كان جزءاً من جيل من رجال الأعمال الذين واكبوا تحوّل الإمارات من اقتصاد ناشئ إلى اقتصاد متنوع متكامل. في كل مرحلة من هذا التحوّل، كان هناك دور للقطاع الخاص في استيعاب الفرص وبناء جسور الثقة مع الشركاء الدوليين. وقد مثّلت تجربته في قطاع الساعات نموذجاً لمؤسسة عائلية تمكنت ان تتحول إلى لاعب إقليمي رائد من دون أن تفقد هويتها.
يترك صدَيقي خلفه علامة تجارية راسخة باتت اسماً عائلياً موثوقاً في عالم التجزئة الفاخرة، ويترك ثقافة مؤسسية قائمة على وضوح الرؤية والتركيز، وشبكة علاقات دولية بُنيت عبر عقود من الالتزام والاحتراف. لكنه يترك أيضاً نموذجاً إنسانياً لقيادة هادئة بنت إنجازاتها بصبر. في زمن تتسارع فيه التحولات، تبرز قيمة القادة الذين يجمعون بين الثبات والمرونة، بين الوفاء للماضي والاستعداد للمستقبل.
قد يبدو من المفارقة أن رجلاً كرّس حياته لصناعة تُعنى بقياس الزمن، يرحل تاركاً أثراً لا يُقاس بالساعات. غير أن قيمة ما أنجزه تكمن في كونه أسهم في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ التجارة الفاخرة في الإمارات والمنطقة. لقد كان جزءاً من قصة صعود اقتصادي أكبر، قصة مدينة ودولة راهنتا على الانفتاح والاحتراف وبناء الثقة مع العالم. ومع أن العقارب تواصل دورتها، يبقى الإرث المؤسسي والإنساني الذي تركه شاهداً على أن بعض الأثر يُحدَّد بعمق ما يُرسّخه في ذاكرة قطاع ومجتمع. رحم الله عبدالمجيد صدَيقي.




