د. خالد عيتاني*
في القرن الماضي كانت الثروة تُقاس بما تختزنه الأرض من نفطٍ ومعادن، وبعدد المصانع التي تعلو مداخنها فوق الأفق. أمّا اليوم، فقد أصبح الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية غير مرئي. لا يُستخرج من المناجم ولا يُشحن في الحاويات، بل يُولد داخل الخوارزميات. تنتقل الثروة عبر الضوء في الألياف الضوئية، ويصنعها مهندس أمام شاشة، لا عامل على خط إنتاج. لقد تحوّل الاقتصاد العالمي من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد الأفكار.
هذا التحول البنيوي يغيّر موقع الدول الصغيرة جذريًا. فما كان يُعدّ سابقًا نقصًا في الموارد قد يصبح ميزة تنافسية في عصر المعرفة. وهنا تحديدًا يقف لبنان أمام فرصة تاريخية. فبلد محدود الطاقة والصناعة، لكنه غني بالعقول المتعلمة والمهارات اللغوية والانفتاح الثقافي، قد يجد في الذكاء الاصطناعي ليس قطاعًا إضافيًا، بل مسارًا إنقاذيًا يعيد تعريف اقتصاده.
ليست هذه قراءة رومانسية. فالدراسات الكمية تشير بوضوح إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح محرّك نمو شامل. تقدّر PwC أن هذه التكنولوجيا ستضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030، فيما تشير تحليلات McKinsey & Company إلى أن الجزء الأكبر من هذه القيمة يأتي من رفع الإنتاجية وخفض الهدر التشغيلي. أي أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق الثروة فقط عبر الابتكار، بل عبر جعل كل قطاع يعمل بكفاءة أعلى. وكما لخّص الحائز على نوبل Paul Romer: «الأفكار، لا الموارد، هي الوقود الحقيقي للنمو».
عند النظر إلى التجارب الدولية، تتضح صورة أكثر واقعية. فالتحول الرقمي لم يكن حكرًا على القوى العظمى، بل حقق نجاحه الأبرز في دول صغيرة تشبه لبنان في الحجم والتحديات. لقد اختارت إستونيا أن تبني اقتصادها على الخدمات الرقمية بدل الصناعة الثقيلة، بينما تحولت الهند إلى أكبر مركز عالمي لتعهيد البرمجيات عبر الاستثمار المنهجي في المهارات. وجذبت إيرلندا كبريات شركات التكنولوجيا ببيئة تشريعية مرنة، فيما نجح الأردن في تصدير خدمات تقنية رغم محدودية موارده. القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس حجم السوق أو وفرة الطاقة، بل وضوح الرؤية وبناء رأس مال بشري منضبط يخدم سوقًا عالميًا.
اللافت أن لبنان لا يبدأ من الصفر. فهناك بالفعل شركات تعمل من بيروت وطرابلس ضمن سلاسل قيمة عالمية، وإن لم تُحسب اقتصاديًا كقطاع مستقل. شركة Murex تُشغّل نحو ألف مهندس في بيروت لتطوير حلول أسواق المال عالميًا، بينما تضم CMA CGM آلاف الموظفين في عملياتها اللبنانية ضمن شبكة دولية. وفي مجال التعهيد التقني، تعمل شركات مثل CME Offshore و**Teleperformance** من لبنان لتقديم خدمات رقمية لأسواق خارجية. هذه الأمثلة تثبت أن الاقتصاد المعرفي موجود فعليًا، لكنه يعمل كجزر متفرقة بدل أن يكون منظومة وطنية متكاملة.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه اقتصاديًا: كم ينتج هذا القطاع سنويًا؟ وكيف يمكن قياسه من دون مبالغة أو تضخيم؟
ومن الناحية المنهجية، لا ينبغي قياس هذا القطاع بمنطق الأرباح المُعلنة للشركات فقط، إذ إن جزءًا كبيرًا من نشاطه يُسجَّل محاسبيًا خارج لبنان. في الاقتصادات الرقمية يُعتمد مفهوم «القيمة المضافة المحلية» بوصفه المقياس الأدق، أي مجموع الأجور المدفوعة داخليًا، والإنفاق التشغيلي المحلي، وتدفّقات العملة الصعبة، وتراكم الخبرات التي تتحول لاحقًا إلى شركات ناشئة. وبصيغة محافظة وشفافة يمكن احتساب الأثر عبر معادلة بسيطة: عدد الوظائف المعرفية × متوسط الدخل التقني السنوي × نسبة الدخل الخارجي. فإذا وُجدت كتلة تشغيلية من ألف مهندس يعملون بعقود تصديرية، فإن الأجور وحدها قد تولّد عشرات ملايين الدولارات سنويًا تتدفق مباشرة إلى الاقتصاد المحلي. هذا الرقم لا يعبّر عن أرباح شركة بعينها، بل عن حجم «الصادرات غير المرئية» التي تنتجها المعرفة. وكلما اتسعت قاعدة الموظفين المرتبطين بأسواق خارجية، ارتفعت مساهمة هذا القطاع في الاستقرار النقدي والميزان الخارجي، حتى وإن لم تظهر بوضوح في الإحصاءات التقليدية.
غير أن تعظيم هذا الأثر يتطلب معالجة جذرية لمنبع المهارات نفسه، لأن فجوة الكفاءات تتكوّن مبكرًا لا عند التخرّج. فالتحول الرقمي الناجح يبدأ بمواءمة مباشرة بين التعليم وسوق العمل، عبر تدريب جامعي إلزامي داخل الشركات، ومشاريع تطبيقية حقيقية، وشهادات مهنية معترف بها في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. وبالتوازي، يصبح التوجيه المهني المبكر في المرحلة الثانوية ضرورة اقتصادية لا تربوية فقط، بحيث يرتبط اختيار التخصص بالطلب الوظيفي الفعلي ومسارات الدخل المستقبلية. فكل مهارة مطلوبة تُبنى مبكرًا تمثل استثمارًا إنتاجيًا مباشرًا، بينما كل فجوة بين التعليم والسوق تتحول لاحقًا إلى بطالة مؤجلة وكلفة اقتصادية على الدولة والمجتمع.
غير أن تحويل هذه الوقائع إلى استراتيجية وطنية يتطلب مسارًا متدرجًا لا يقفز فوق المراحل. البداية تكون بالبنية الرقمية: اتصال سريع ومستقر، وسحابة وطنية، وقدرة تشغيلية تضمن استمرارية الأعمال. ثم يأتي الاستثمار في الإنسان لا كخريجٍ نظري، بل كمحترف قادر على تسليم مشاريع. بعد ذلك، يصبح خلق طلب محلي على التكنولوجيا خطوة لا غنى عنها، بحيث تعتمد المصارف والاتصالات والتعليم والإدارة العامة حلولًا ذكية تشكل مختبرًا للابتكار. وعند هذه النقطة فقط يصبح التعهيد مرحلة انتقالية نحو قيمة أعلى: من تنفيذ خدمات للآخرين إلى تصميم حلول ومنتجات مملوكة لبنانيًا.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بتبنّي تقنية جديدة بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف وظيفة الاقتصاد الوطني. لقد قال Peter Drucker إن «أهم مورد في القرن الحادي والعشرين هو عامل المعرفة». وإذا كان هذا صحيحًا، فإن لبنان يمتلك هذا المورد بكثرة، لكنه لم يحوّله بعد إلى سياسة. الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا قطاعيًا ولا رفاهية مستقبلية، بل فرصة حالية لإعادة صياغة العقد الاقتصادي للدولة. والسؤال لم يعد: هل يستطيع لبنان دخول هذا العصر؟ بل: هل يستطيع أن يبقى خارجه بينما العالم يعيد توزيع الثروة على أساس الخوارزميات؟
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




