عمار الصايغ*
أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً بنيوياً في نماذج الأعمال المعاصرة، ولم يعد مجرّد أداة تقنية مساعدة داخل المؤسسات. فالشركات تعتمد اليوم الأنظمة الخوارزمية في التوظيف، التسعير، التصنيف الائتماني، التأمين، التسويق، وإدارة المخاطر، بما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من القرار الاقتصادي المؤسسي ومن منظومة الحوكمة الداخلية للشركات.
يفرض هذا التحوّل إعادة نظر جذرية في مقاربة قانون الأعمال، إذ لم تعد المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مخاطر تقنية أو فردية، بل أضحت مخاطر أعمال تمسّ الامتثال التنظيمي، والمسؤولية المدنية والتجارية، والسمعة المؤسسية، واستمرارية النشاط في السوق. ومن ثمّ، لم يعد تنظيم الذكاء الاصطناعي مسألة حقوقية أو تقنية فحسب، بل أصبح أداة مركزية من أدوات تنظيم السوق وحوكمة الشركات.
في هذا السياق، شكّل إقرار الاتحاد الأوروبي لقانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)، الصادر بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 2024 بموجب اللائحة (EU) 2024/1689، منعطفاً تشريعياً ذا بعد اقتصادي واضح. فقد انتقل المشرّع الأوروبي من منطق المعالجة اللاحقة للأضرار إلى منطق التنظيم الوقائي القائم على المخاطر، رابطاً استخدام الذكاء الاصطناعي مباشرة بمتطلبات الامتثال المؤسسي وإدارة المخاطر.
في المقابل، لا يزال النظام القانوني اللبناني يفتقر إلى إطار تشريعي يدمج الذكاء الاصطناعي ضمن قانون الأعمال، مكتفياً بقواعد عامة لم تُصغ لمعالجة طبيعة القرار الآلي ولا مخاطره الاقتصادية. وتنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن هذا الفراغ لا يعرقل الابتكار فحسب، بل يُعرّض المؤسسات الاقتصادية لمخاطر قانونية وتجارية غير محسوبة.
لم يتعامل المشرّع الأوروبي مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ابتكاراً تقنياً محايداً، بل بوصفه نشاطاً اقتصادياً منظَّماً. ويتجلّى ذلك بوضوح في التعريف الوارد في المادة (3) من قانون AI Act، الذي اعتمد معيار الأثر الوظيفي للنظام، لا بنيته التقنية، بما يعني إخضاع عدد واسع من التطبيقات التجارية لمتطلبات قانونية مباشرة.
اعتمد الاتحاد الأوروبي، استناداً إلى هذا التعريف، مقاربة قائمة على تصنيف المخاطر، فجعل مشروعية استخدام الذكاء الاصطناعي في السياق التجاري رهينة بدرجة الخطر الذي يولّده النظام. فقد حظرت المادة (5) بعض الممارسات التي تُعدّ غير متوافقة مع القيم الأساسية للسوق، فيما أخضعت المادة (6) الأنظمة عالية الخطورة، وهي الأكثر استخداماً في قطاع الأعمال، لالتزامات تنظيمية صارمة.
تتجلّى الأهمية الاقتصادية لهذه الالتزامات في المواد (9)، (10) و(14) من قانون AI Act، التي تفرض على الشركات اعتماد أنظمة فعّالة لإدارة المخاطر، وحوكمة البيانات، وضمان الرقابة البشرية على القرارات الآلية. وتندرج هذه المتطلبات صراحة ضمن مفاهيم حوكمة الشركات، والامتثال التنظيمي، وإدارة المخاطر المؤسسية، بما يجعل الامتثال لقواعد الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من نموذج الأعمال ذاته.
يمتدّ هذا التنظيم إلى مسألة المسؤولية المدنية والتجارية. فقد أظهر التطبيق العملي أن قواعد المسؤولية التقليدية، القائمة على إثبات الخطأ الفردي والعلاقة السببية المباشرة، غير كافية لمواجهة أضرار ناتجة عن قرارات آلية مؤسسية. لذلك اتجه التشريع الأوروبي إلى تحميل الشركات المطوّرة أو المستخدمة مسؤولية الأضرار المرتبطة بسوء إدارة الخطر الخوارزمي، سواء عبر تخفيف عبء الإثبات عن المتضرّر أو عبر إخضاع البرمجيات لمنطق المسؤولية عن المنتج.
القانون التجاري اللبناني وحدود التنظيم التقليدي للأعمال
يشكّل القانون التجاري اللبناني الإطار التقليدي لتنظيم النشاط الاقتصادي، غير أنه يقوم على افتراضات لم تعد كافية في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والقرار الآلي. فالقانون التجاري، بصيغته الراهنة، ينتمي إلى مرحلة كانت فيها المخاطر التجارية مادية، قابلة للتوقّع، ومرتبطة بفعل التاجر الفردي أو الشركة بوصفها شخصاً قانونياً تقليدياً.
تختلف المخاطر التي يولّدها الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التجارية اختلافًا جذرياً، إذ هي مخاطر غير مادية، خوارزمية، وعابرة للقطاعات، لا يمكن احتواؤها ضمن مفاهيم الخطأ التجاري التقليدي أو السرعة الائتمانية. ومن ثمّ، لا يصلح القانون التجاري اللبناني وحده ليكون إطاراً منظِّمًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال، بل يبرز بوصفه دليلاً على الحاجة إلى تنظيم سوقي مكمّل، قائم على الامتثال وإدارة المخاطر المؤسسية، على غرار ما اعتمده المشرّع الأوروبي.
تتأكّد هذه الفجوة عند النظر إلى القانون رقم 81 تاريخ 10/10/2018 المتعلّق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، الذي يوفّر حماية مهمّة للبيانات، لكنه لا يتناول الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصراً من عناصر النشاط الاقتصادي ولا يضع إطاراً لإدارة مخاطره التجارية. كما يبقى قانون الموجبات والعقود أسير نموذج تقليدي للمسؤولية الفردية، غير مهيّأ لمعالجة أضرار ناتجة عن قرارات خوارزمية مؤسسية.
يؤدّي هذا التشتّت التشريعي إلى تعريض الشركات اللبنانية لمخاطر قانونية وتجارية مضاعفة، ولا سيّما عند تعاملها مع أسواق تخضع لتنظيمات صارمة كالأسواق الأوروبية. كما يحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لرفع الكفاءة الاقتصادية إلى مصدر لعدم اليقين القانوني.
نحو مسؤولية تنظيمية عن الخطر الخوارزمي في الأعمال
تقتضي مواجهة هذه الإشكاليات اعتماد مفهوم المسؤولية التنظيمية عن الخطر الخوارزمي ضمن قانون الأعمال، بحيث تُربط مسؤولية الشركة بمدى امتثالها لمتطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر، لا بإثبات الخطأ الشخصي فحسب. ويتيح هذا المفهوم إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن منطق حوكمة الشركات، وتوزيع المسؤولية بين مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، والجهات التقنية، بحسب دور كلّ منها في إدارة المخاطر.
تنسجم هذه المقاربة مع التوجّهات الدولية التي أكّدتها اليونسكو، والتي شدّدت على ضرورة ربط الابتكار بالمساءلة وتعزيز الثقة في الأسواق، بما يحفظ التوازن بين التطوّر التكنولوجي والاستقرار الاقتصادي.
يتّضح من هذا التحليل أن تنظيم الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة تقنية أو حقوقية فحسب، بل أصبح أحد أعمدة قانون الأعمال المعاصر. فقد نجح الاتحاد الأوروبي في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن منطق السوق المنظَّم وحوكمة الشركات، محوّلاً الامتثال إلى شرط لممارسة النشاط الاقتصادي. أمّا لبنان، فيبقى مدعواً إلى تطوير إطار تشريعي مكمّل لقانون التجارة، يدمج الذكاء الاصطناعي ضمن قانون الأعمال، بما يسمح بتحويل هذه التكنولوجيا من مصدر مخاطر قانونية إلى رافعة نمو اقتصادي منضبط ومستدام.
*باحث دكتوراة في القانون المدني
جامعة بيروت العربية




