كتب فيصل أبو زكي
في دافوس 2026، بدت المشاركة الكويتية هذا العام مختلفة جذرياً. كانت لحظة سياسية-اقتصادية مكثفة عكست انتقال الكويت من مرحلة الترقُب إلى مرحلة الفعل، ومن منطق التخطيط إلى منطق التنفيذ.
وسط أروقة المنتدى الاقتصادي العالمي، وخلف المشهد السويسري المكسو بالثلوج، حمل الوفد الكويتي، الذي ضم كلاً من وزير الكهرباء والماء والطاقة المتجددة ووزير المالية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار بالوكالة د. صبيح عبد العزيز المخيزيم، ووزير التجارة والصناعة خليفة عبدالله العجيل، رسالة واضحة وهي أن الكويت تدخل مرحلة جديدة من الإصلاح، إصلاح لا يُقدَّم كخطاب، بل كمسار مستدام بدأ ينعكس فعلياً على بيئة الأعمال والقرار الاقتصادي والمشاريع. حضور وزاري بهذا الوزن كان إشارة مباشرة إلى أن ملفات الاقتصاد والاستثمار لم تعد حبيسة النظريات، بل باتت على طاولات الشراكة والتفاوض.
لطالما نظر العالم إلى الكويت كقوة مالية مستقرة لكنها متحفظة، دولة تملك الإمكانات وتفضل الانتظار، إلا أن دافوس 2026 شكّل نقطة انعطاف واضحة. فالكويت التي اعتادت مراقبة التحولات الإقليمية من موقع آمن، قررت أن تكون جزءاً فاعلاً في صياغتها. المشاركة لم تكن للتعريف أو المجاملة، بل إعلاناً سيادياً بأن الإصلاح لم يعد استجابة ظرفية، بل خياراً استراتيجياً طويل الأمد، وبأن الاقتصاد الكويتي دخل مرحلة المبادرة والهجوم الاستثماري المدروس.

إصلاح يتحول إلى نهج
ما عرضه الوفد الكويتي أمام قادة الاقتصاد العالمي كان حصيلة قرارات وإجراءات أُنجزت خلال فترة قصيرة نسبياً، عكست إرادة سياسية في تفكيك التعقيد الإداري وتسريع القرار الاقتصادي. جرى الحديث بثقة عن إصلاحات هيكلية نُفذت، وعن منظومة مالية أكثر رشاقة، وعن تقليص حقيقي للدورة المستندية، وإزالة عوائق بيروقراطية لطالما شكّلت تحدياً أمام القطاع الخاص والمستثمرين.
الأهم أن الرسالة التي خرج بها المستثمر الأجنبي من اللقاءات لم تكن تقنية فحسب، بل نفسية أيضاً وهي ان الأرضية باتت مهيأة، التشريعات أصبحت أكثر وضوحاً وتحفيزاً، والقرار الاقتصادي في الكويت بات أسرع وأكثر حسماً، وهي عناصر أساسية في عالم يتنافس فيه الجميع على الوقت قبل رأس المال.
جاهزية للمنافسة… بنموذج كويتي
في أذهان كثيرين يبرز سؤال مشروع وهو: أين تقف الكويت في سباق التنافس الإقليمي المتسارع؟ ما تكشّف في دافوس هو أن الكويت لا تسعى إلى استنساخ تجارب الآخرين، ولا إلى سباق سرعة بلا أساس، بل إلى تقديم نموذجها الخاص القائم على التوازن بين الاستقرار والجرأة.
تملك الكويت مقومات نوعية نادراً ما تجتمع في دولة واحدة. فهي تستند إلى واحدة من أصلب القواعد المالية عالمياً عبر صندوقها السيادي العريق، وتتمتع بعملة من بين الأقوى عالمياً، ما يوفر مظلة أمان لرؤوس الأموال في أوقات التقلب. يُضاف إلى ذلك رصيد دبلوماسي متقدم، وعلاقات دولية متوازنة، وقطاع خاص يتمتع بحيوية عالية وقدرات ريادية واضحة.
وعلى المستوى الجغرافي، تمتلك الكويت موقعاً يؤهلها للعب دور بوابة شمال الخليج، وهو ما يتجسد في طموح تحويل ميناء مبارك الكبير إلى شريان لوجيستي يربط بين الشرق والغرب، ويوفر رابط استراتيجي مع السعودية عبر سكة الكويت-الرياض، ويعيد تموضع الكويت على خريطة التجارة الإقليمية والدولية.
عصر الشراكة
الرسالة الأعمق لمشاركة الكويت في دافوس لم تكن مالية بقدر ما كانت استراتيجية. فالكويت اليوم تتحرك كدولة مبادرة تبحث عن شراكات عالمية نوعية في التكنولوجيا، والطاقة البديلة، والخدمات اللوجيستية، وسائر القطاعات غير النفطية، بهدف بناء محركات جديدة للنمو المستدام.
هذه الشراكات تُطرح كجزء من رؤية اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل قيمة قادرة على خلق وظائف وتعزيز المحتوى المحلي، بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط.
رسالة وصلت بوضوح
مع اختتام أعمال المنتدى، بدا واضحاً أن الرسالة الكويتية قد وصلت. الكويت لم تعد تُعرّف فقط كخزان للطاقة أو دولة فوائض مالية، بل كاقتصاد مستقر، منفتح، وطموح، يمتلك الإرادة السياسية للانتقال إلى المبادرة والفعل.
في دافوس 2026، لم تعلن الكويت نواياها، بل أعلنت دخولها مرحلة جديدة من الحضور الاقتصادي الإقليمي والدولي، مرحلة تحجز فيها مقعدها بثقة على خريطة التجارة والاستثمار العالمية.




