الأردن: البرنامج التنفيذي بـ 4 سنوات
نموذج للتحديث الشامل والتحوّل الرقمي

21.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

برعاية الملك عبد الله الثاني، أعلنت رئاسة الوزراء الأردنية عن تفاصيل البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029، بحضور الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد وعدد من الوزراء والمسؤولين، من بينهم وزير الاتصال الحكومي د. محمد المومني، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان، ووزيرة تطوير القطاع العام المهندسة بدرية البلبيسي، ووزير الاقتصاد الرقمي والريادة المهندس سامي سميرات، ووزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى، ومدير وحدة متابعة الأداء الحكومي والإنجاز في رئاسة الوزراء د. رأفت دعسان.
ويأتي هذا البرنامج كخطوة عملية لتفعيل رؤية التحديث الشامل للدولة الأردنية، مستندًا إلى توجيهات الملك عبد الله الثاني ورعاية الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد، بهدف تعزيز التحديث الاقتصادي والإداري والسياسي، وتحقيق التنمية المستدامة والشاملة من خلال مشاريع ومبادرات واضحة، وجداول زمنية دقيقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

الرؤية الملكية...أساس للتحديث

وفي صميم هذا البرنامج تأتي الرؤية الملكية التي تشكل مرجعية تطوير السياسات العامة للحكومة، حيث أكد وزير الاتصال الحكومي د. محمد المومني أن البرنامج التنفيذي تم إعداده بما يتوافق مع مشروع التحديث الشامل، ويشتمل على أربعة محاور رئيسية، هي البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي، والبرنامج التنفيذي الثاني لخارطة طريق تحديث القطاع العام والتحول الرقمي، إضافة إلى برنامج الحماية الاجتماعية، ومحاور تعزيز جودة الخدمات وربطها بالاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص. وأوضح المومني أن هذا البرنامج تم وضعه بعد مشاورات موسعة مع مئات الخبراء من القطاعين العام والخاص عبر 18 جلسة عمل استضافتها رئاسة الوزراء، إلى جانب لقاءات تقييمية في الديوان الملكي، بهدف دمج الخبرات وتوسيع قاعدة التشاركية، مؤكداً أن المشاريع والمبادرات المرتبطة بالتحديث الوطني عابرة للحكومات، وتتمتع بجداول زمنية واضحة وآليات تمويل محددة من الموازنة العامة والشراكات والاستثمارات.

البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي

وعن تفاصيل البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي، أوضحت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان أن البرنامج يشمل 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعًا تُنفذ عبر 392 مشروعًا، تشمل مشاريع مستمرة وأخرى جديدة، مع وجود مشاريع استثمارية كبرى وشراكات مع القطاع الخاص بكلفة تقديرية تصل إلى نحو 7.8 مليار دينار. ويضم البرنامج خارطة ربط استراتيجي متكاملة تضم 126 مؤشرًا رئيسيًا وأكثر من 300 مؤشر فرعي لمتابعة التقدم والإنجاز، إضافة إلى 13 خطة عمل تهدف إلى تحسين ترتيب الأردن في المؤشرات والتقارير الدولية، مع إدخال تعديلات على عدد من التشريعات الاقتصادية.

المحاور القطاعية والاستثمارية

أعلنت الحكومة الأردنية عن حزمة مشاريع استثمارية تغطي عدة محاور رئيسية، منها الصناعات عالية القيمة التي يستفيد منها أكثر من ألف منشأة صناعية، وقطاع التعدين مع تحديث قانون المصادر الطبيعية لتعزيز الجاذبية الاستثمارية. وتشمل المشاريع الزراعة والأمن الغذائي للتوسع في الزراعة الذكية وخلق فرص عمل، والقطاع السياحي مع تطوير التلفريك، المدينة الترفيهية، وتعزيز السياحة الدينية.

كما يركز محور الموارد المستدامة والطاقة على مشاريع الطاقة المتجددة، تطوير حقل الريشة الغازي، الهيدروجين الأخضر، وتنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه، بالإضافة إلى تجهيز شبكات المياه، خفض الفاقد المائي إلى نحو 38 في المئة بحلول 2029، والتوسع في محطات معالجة مياه الصرف الصحي.

كذلك أطلقت برنامجًا استثماريًا يركز على الريادة والإبداع، مستهدفًا قطاعات التعليم والتدريب والتعليم المهني والتقني. ويتضمن البرنامج بناء 495 مدرسة وتدريب 60 ألف معلم خلال ثلاث سنوات، منهم 12 ألف قبل الخدمة و44 ألف أثناء الخدمة، مع التوسع في التعليم الدامج واستخدام منصات التعليم الإلكتروني لتعزيز المهارات وتأهيل الأجيال القادمة.

كما يسعى البرنامج إلى تعزيز ريادة الأعمال والاستثمار من خلال تحسين جاهزية المشاريع للتمويل وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى مشاريع مبتكرة في الصحة الرقمية، النقل العام، السياحة العلاجية، الاقتصاد الرقمي، الصناعات الإبداعية، والبيئة وجودة الحياة

وتقدر الكلفة التأشيرية للبرنامج بـ 3.8 مليار دينار للسنوات الثلاث المقبلة، منها 1.3 مليار لعام 2026، بتمويل من الموازنة العامة، وموازنات الوحدات الحكومية، والمساعدات الخارجية، مع مراجعة سنوية ضمن قوانين الموازنة للأعوام 2027–2029 لضمان التنفيذ الفعّال وتحقيق الأثر المرجو.

تحديث القطاع العام: الكفاءة والمرونة

وفي ما يتعلق بتحديث القطاع العام، أوضحت وزيرة تطوير القطاع العام بدرية البلبيسي أن البرنامج التنفيذي الثاني لخارطة طريق تحديث القطاع العام يمثل انتقالاً من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ وتحقيق الأثر، حيث يهدف إلى تطوير منظومة العمل الحكومي لتعزيز الأداء وجودة الخدمات، وربط مشاريع تحديث القطاع العام بمحركات رؤية التحديث الاقتصادي لضمان تكامل المسارات، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة وخفض التكاليف.

ويشتمل البرنامج على 111 مشروعًا تنفذها 22 جهة تنفيذية، مع التركيز على تطوير خدمات حكومية متكاملة واستباقية للمواطن، وإنشاء الأكاديمية الوطنية للإدارة الحكومية لتطوير وتأهيل القيادات، إلى جانب تطوير المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام وربطه بـ 13 مؤشراً دولياً للوصول إلى أفضل 25 في المئة عالميًا أو ضمن المراتب الثلاث الأولى إقليميًا.

 كما تم توسيع نطاق خارطة طريق تحديث القطاع العام لتشمل البلديات، مع تعديل المكونات السبعة لتصبح مكونين جديدين؛ أحدهما مرتبط بالبيانات والتقنيات الناشئة، والثاني متعلق بكفاءة الإنفاق لضمان الاستفادة المثلى من الموارد. ويتضمن البرنامج مشاريع رئيسية، أبرزها تطوير منظومة خدمات حكومية متكاملة واستباقية تركز على مشاكل المواطن وتقليل عدد المتطلبات والشروط، وتعزيز مشاركة المواطن عبر ربط جميع المؤسسات الحكومية ضمن منظومة واحدة لتوليد بيانات مركزية تسهم في تسريع صنع القرار، بالإضافة إلى إنشاء الأكاديمية الوطنية للإدارة الحكومية لتأهيل القيادات التنفيذية وتعزيز القدرات الحكومية وفق كفايات ومهارات مستقبلية

تمكين الأداء عبر التحول الرقمي

أكد وزير الاقتصاد الرقمي والريادة، المهندس سامي سميرات، أن البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029 يضع التحول الرقمي على رأس أولوياته، باعتباره ركيزة أساسية لتحديث القطاع العام وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال رقمنة الإجراءات وتسريع الخدمات وتبسيط رحلة المواطن وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.

وأوضح سميرات أن التوجه الرقمي يتكامل مع دور المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، ويتضمن مبادرات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي في التعليم، وبرنامج البيانات الوطني، ومركز الصحة الرقمية، والتقنيات المتقدمة، والأصول الافتراضية.

وأشار إلى أنه سيتم رقمنة 100 في المئة من الخدمات الحكومية، عبر 480 خدمة حالية لتصل إلى 2400 خدمة قابلة للرقمنة بنهاية العام، بالإضافة إلى إعادة تحسين الخدمات الرقمية الموجودة مسبقًا. كما تشمل الخطط رقمنة وإدارة الملكيات العقارية لتعزيز الشفافية والكفاءة من خلال نظام إدارة دائرة الأراضي والمساحة والصحيفة البيضاء، إلى جانب إنشاء نظام إدارة الموارد الحكومية لمنصة مركزية تغطي الإجراءات الإدارية والمالية والموارد البشرية، وإنشاء مركز البيانات الوطنية لتعزيز البنية الرقمية وتجربة المستخدم، مما يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتكنولوجيا ويحقق أثرًا مباشرًا على حياة المواطنين.

الإنسان محور التنمية

وعن الحماية الاجتماعية، أكدت وزيرة التنمية الاجتماعية، وفاء بني مصطفى، أن الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2025–2030، التي أُطلقت برعاية ملكية سامية، تمثل الإطار الشامل لتحديث القطاع، وتركز على الإنسان كمحور أساسي للتنمية. وذكرت بني مصطفى أن عدد الأردنيين المستفيدين من برامج الدعم النقدي المباشر عبر صندوق المعونة الوطنية بلغ 249 ألف أسرة بما يعادل 1.121 مليون فرد، وبقيمة إجمالية 259 مليون دينار سنويًا. كما ارتفعت نسب مشاركة المنتفعين في برامج التشغيل الوطني من 7 في المئة إلى 15 في المئة، مع زيادة المحالين لبرامج التدريب وتعزيز المهارات.

وأوضحت أن الوزارة تعمل على تعزيز قدرة أنظمة الحماية على الاستجابة للصدمات وربط البرامج إلكترونيًا، وإطلاق السجل الاجتماعي الأردني كمنصة موحدة للتقديم على ست خدمات أساسية تشمل التأمين الصحي والدعم النقدي الموحد، وبدائل الإيواء للأشخاص ذوي الإعاقة، وخدمات المساكن والطاقة للأسر الفقيرة، والمساعدات العينية والنقدية. فيما يتعلق بالتأمين الصحي الاجتماعي، بلغ عدد الأفراد المؤمن عليهم 857 ألفًا، شملوا الأسر الفقيرة، وشبكة الأمان الاجتماعي، ومنتفعي صندوق المعونة الوطنية، بما في ذلك مرضى السرطان وكبار السن والأطفال دون 19 عامًا.

وفيما يخص الأشخاص ذوي الإعاقة، من المتوقع زيادة عدد وحدات التدخل المبكر والمراكز النهارية الدامجة من 68 وحدة حاليًا إلى 128 وحدة خلال الثلاث سنوات المقبلة. كما تعمل الوزارة على تطوير اقتصاد الرعاية عبر دعم أكثر من 500 حضانة حكومية وخاصة ومنزلية، وإنشاء نوادٍ حكومية نهارية لكبار السن، حيث سيتم افتتاح أول نادٍ في محافظة مادبا هذا العام.

وأشارت بني مصطفى إلى أن الأردن أصبح نموذجًا إقليميًا في مهنة العمل الاجتماعي بعد استكمال الإطار التشريعي الخاص بالمهنة، وترخيص الجهات والبرامج ومنح رخص للعاملين الاجتماعيين، بما يعزز مكانة المملكة كمرجع إقليمي للاستفادة من خبراتها في هذا المجال.

المتابعة والشفافية: طريق الإنجاز

ويضمن مدير وحدة متابعة الأداء الحكومي والإنجاز د. رأفت دعسان متابعة دقيقة للبرنامج التنفيذي من خلال منظومة متكاملة تشمل أنظمة معلومات متخصصة، ولوحات أداء تفاعلية، وبطاقات تفصيلية للمشاريع، إضافة إلى مؤشرات قياس الأثر لرصد التقدم والكشف المبكر عن التحديات ومعالجتها. ويجري التنسيق مع إدارة متابعة الرؤية في الديوان الملكي لضمان مواءمة المشاريع مع أولويات التحديث الشامل، مع نشر المعلومات وتقارير نسب الإنجاز بشكل دوري لتعزيز الشفافية والمساءلة ورفع الثقة في الأداء الحكومي.

رؤية متكاملة نحو المستقبل

يمثل البرنامج التنفيذي للحكومة الأردنية للأعوام 2026–2029 فرصة واعدة لبناء أردن عصري وكفؤ ومستدام، حيث يجمع بين تحديث القطاع العام، التحول الرقمي، الحماية الاجتماعية، وتنمية الاقتصاد من خلال مشاريع استراتيجية وشراكات فعّالة مع القطاع الخاص، مع وضع المواطن في صميم السياسات الحكومية.

إلا أن نجاح البرنامج يظل مرتبطًا بالقدرة على التنفيذ الفعلي، تأمين التمويل الكافي، وإدارة التحديات الإدارية واللوجستية، لضمان تحويل الخطط الطموحة إلى واقع ملموس يعود بالنفع على الاقتصاد والمواطنين على حد سواء، ويعزز مكانة الأردن إقليميًا ودوليًا كنموذج للتحديث والتنمية المستدامة.