واشنطن تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي
عالم الأسوار والموارد من فنزويلا إلى إيران

20.01.2026
د. داوود رمال
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. داوود رمال

لم تعد التحولات المتسارعة على امتداد الجغرافيا الدولية، من فنزويلا إلى إيران مروراً بغرينلاند، وقائع متفرقة أو أزمات موضعية تُقرأ كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل باتت تشكّل، في مجموعها، لوحة متكاملة لمرحلة دولية جديدة تتقدّم بثبات على أنقاض النظام الذي تكرّس بعد الحرب الباردة. ففي العمق، تكشف هذه التطورات عن اعتراف أميركي ضمني، وإن غير مُعلن، بانتهاء مرحلة القطب الواحد، وعن انتقال النظام الدولي إلى واقع تنافسي قاسٍ تتصدّره ثنائية الصين والولايات المتحدة، مع ما يستتبع ذلك من إعادة تعريف للمصالح، والأولويات، وأدوات القوة.

خلال العقود الثلاثة الماضية، تصرّفت واشنطن بوصفها القوة المهيمنة التي تدير العولمة وتضع قواعدها وتفتح الأسواق على قاعدة أن التفوق الاقتصادي والتكنولوجي الغربي كفيل بإدامة السيطرة. غير أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات الأميركية، إذ نجحت الصين في تحويل العولمة إلى رافعة صعود استثنائي، مستفيدة من انفتاح الأسواق، وتدفق الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، لتتحول تدريجياً إلى منافس بنيوي يهدد موقع الولايات المتحدة في قلب النظام الدولي. من هنا، لم يعد التراجع الأميركي عن شعارات العولمة خيار سياسي ظرفي، بل تحوّل إلى مسار استراتيجي يعكس إدراكاً بأن قواعد اللعبة القديمة لم تعد تخدم المصالح الأميركية.

في هذا السياق، يمكن فهم العودة الواضحة إلى منطق الحماية الاقتصادية، وفرض القيود التجارية، وتشديد الضوابط على سلاسل التوريد، بوصفها إجراءات تقنية، والاهم كجزء من رؤية أوسع لإعادة التحصّن داخل المجال الحيوي الأميركي، وخصوصاً في النصف الغربي من الكرة الأرضية. إن استدعاء مبدأ مونرو، بصيغته الحديثة، لا يعني بالضرورة العودة إلى خطابات القرن التاسع عشر، بل إعادة تفعيل جوهره القائم على اعتبار الأميركيتين مجال نفوذ حصرياً لا يجوز لقوى كبرى منافسة، وعلى رأسها الصين، أن تتمدد فيه اقتصادياً أو سياسياً أو استراتيجياً.

من هنا، تكتسب فنزويلا أهمية تتجاوز مسألة العقوبات أو الخلافات الأيديولوجية. فالدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم تقع في قلب صراع النفوذ في أميركا اللاتينية، حيث تسعى واشنطن إلى منع بكين وموسكو من تثبيت موطئ قدم دائم في منطقة تعتبرها تاريخياً عمقها الاستراتيجي المباشر. التعامل الأميركي مع الملف الفنزويلي، بما يحمله من تشدد أو مرونة تكتيكية عند الحاجة، يرتبط إذاً بإدارة توازنات الطاقة والنفوذ معاً، وليس فقط بمسألة تغيير نظام أو الضغط من أجل إصلاحات سياسية.

الأمر ذاته ينسحب على غرينلاند، التي تبدو للوهلة الأولى جزيرة نائية في أقصى الشمال، لكنها في الواقع عقدة جيوسياسية شديدة الاهمية. فذوبان الجليد بفعل التغير المناخي فتح آفاقاً جديدة لاستغلال المعادن النادرة، وأعاد رسم خرائط الملاحة البحرية، ورفع من قيمة الموقع الاستراتيجي للجزيرة على خطوط التماس بين أميركا الشمالية وروسيا وأوروبا. الاهتمام الأميركي المتزايد بغرينلاند لا ينفصل عن السعي لمنع الصين من التغلغل في هذا الفضاء، سواء عبر الاستثمارات أو البنى التحتية، وضمان السيطرة على موارد ستكون حاسمة في الصناعات التكنولوجية والعسكرية في العقود المقبلة.

أما إيران، فتقف عند تقاطع بالغ الخطورة بين الطاقة والجغرافيا السياسية. فإعادة تثبيت النفط والغاز كمكوّن رئيسي في نظام الطاقة العالمي، بعد سنوات من الترويج لانتقال سريع إلى الطاقات البديلة، أعادت الاعتبار إلى الدول التي تمتلك احتياطيات كبرى أو تقع على مفاصل العبور الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل تشدد واشنطن حيال طهران عن إدراكها لأهمية موقع إيران في معادلة الطاقة العالمية، وفي ربط الشرق الأوسط بآسيا، ولا عن خشيتها من تحوّلها إلى شريك محوري في مشاريع صينية كبرى تعيد تشكيل طرق التجارة والنفوذ.

إن ما يجمع بين فنزويلا وغرينلاند وإيران ليس النفط أو المعادن فقط، بل كونها نقاط ارتكاز في عملية أوسع لإعادة رسم خرائط السيطرة الدولية. فواشنطن، التي باتت أكثر واقعية وأقل اندفاعاً أيديولوجياً، تدير اليوم صراعها مع الصين على قاعدة تثبيت مناطق نفوذ واضحة، ومنع الخصم من اختراقها، ولو تطلّب ذلك التخلي عن شعارات لطالما شكّلت واجهة خطابها السياسي. وفي هذا المسار، تبدو أفريقيا مرشحة لأن تكون ساحة الصراع التالية، حيث تتقاطع الموارد الطبيعية الهائلة مع الحاجة الصينية المتزايدة ومع محاولات أميركية متأخرة لاستعادة زمام المبادرة.

هكذا، لا تعكس هذه التحولات تبدّل في الأولويات فقط، بل تؤشر إلى ولادة نظام دولي أكثر صلابة وأقل انفتاحاً، تحكمه منطق الأسوار ومناطق النفوذ، وتتصدره المنافسة على الطاقة والموارد الاستراتيجية. وفي عالم كهذا، تصبح الجغرافيا السياسية مجدداً لغة العلاقات الدولية الأساسية، وتتحول الدول الواقعة على خطوط التماس إلى ساحات اختبار لموازين القوة الجديدة، فيما تتقدّم البراغماتية الصلبة على حساب الخطاب القيمي الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة.