مصر على خريطة السياحة العالمية
المركز الأوّل إقليمياً

20.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

سجّلت مؤشرات السياحة المصرية خلال عام 2025 أداءً استثنائيًا، مما رسّخ مكانة القطاع كأحد المحركات الفاعلة في معادلة الاقتصاد الوطني. فقد نجحت مصر في استقبال نحو 19 مليون سائح، محققة معدل نمو بلغ 21 في المئة مقارنة بالعام السابق، وهو ما يتجاوز بكثير المتوسط العالمي البالغ 5 في المئة وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة. ويأتي هذا الإنجاز رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، مما يعكس ثقة المجتمع الدولي في استقرار مصر الأمني واللوجستي.

وفي هذا السياق، أكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في أن تصبح مصر الوجهة السياحية الأولى عالميًا، مستندة إلى تنوع مقوماتها وتعدد أنماطها السياحية، فضلًا عن قدرتها التنافسية على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

من التعافي إلى الريادة

يشكّل قطاع السياحة أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المصري، نظرًا لمساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير النقد الأجنبي، وخلق فرص العمل، إلى جانب دوره الحيوي في دمج الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وتبرز أهمية تطوير القطاع وتنويعه، وتعزيز استدامته وقدرته على الصمود أمام التقلبات العالمية، بما يدعم التنافسية ويحقق نموًا متوازنًا ويحفّز جذب الاستثمارات النوعية.

وقد شهد القطاع السياحي المصري خلال السنوات الأخيرة تطورات هيكلية ومؤسسية ملحوظة، تمثلت في تنويع المنتج السياحي عبر الترويج للسياحة الشاطئية، والتراثية، والثقافية، والبيئية، والعلاجية، إلى جانب مبادرات لإحياء المسارات التاريخية، ومشروع تطوير منطقة الأهرامات بالجيزة، وافتتاح المتحف المصري الكبير. كما استثمرت مصر في البنية التحتية السياحية عبر التوسع في الطاقة الفندقية، وتحديث المطارات، وتعزيز الربط الجوي مع الأسواق السياحية العالمية، مما يعكس نجاح السياسات التنموية في جعل السياحة محورًا مستدامًا للنمو الاقتصادي الوطني.

وانعكس هذا الانتعاش بشكل واضح على المؤشرات الاقتصادية، إذ ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 17.3 في المئة مقارنةً بمعدل نمو 9.9 في المئة في العام المالي السابق، بينما سجلت الإيرادات السياحية نحو 16.7 مليار دولار خلال 2024-2025 مقابل 14.4 مليار دولار في العام المالي السابق، ما يؤكد تعافي القطاع واستمرارية دوره الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني. كما ارتفع متوسط إنفاق السائح لليلة الواحدة إلى 100 دولار مقارنةً بـ 85 دولارًا في العام الماضي، ما يعكس تحسن جودة الخدمات المقدمة.

وعلى صعيد التشغيل، لعب القطاع دورًا اجتماعيًا محوريًا من خلال توظيف نحو 1.08 مليون عامل في 2024، أي ما يعادل 3.5 في المئة من القوى العاملة، بمعدل نمو في التوظيف بلغ 10.3 في المئة، إلى جانب مساهمته الكبيرة في خلق فرص العمل غير المباشرة، مؤكدًا مكانته كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في مصر.

مدن سياحية عالمية

مع بداية عام 2025، تحولت المدن المصرية إلى مراكز سياحية حيوية، وشهدت حركة سياحية مكثفة، حيث تصدرت مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم قائمة الأكثر استقبالًا للزوار، مؤكدة التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية وقدرة مصر على جذب شرائح متنوعة من الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، سجلت مدينة العلمين الجديدة نموًا كبيرًا بنسبة 450 في المئة في حركة الطيران العارض، لتصبح إحدى أبرز الوجهات السياحية العالمية الجديدة، ما يدل على نجاح استراتيجية دمج السياحة مع التنمية العمرانية والبنية التحتية، وتقليل الضغط على المقاصد التقليدية.

وتواكب هذه التطورات توسع شبكة الربط الجوي، مع رحلات سياحية من 193 مدينة حول العالم، وهو مؤشر على اندماج مصر في سلاسل السياحة العالمية وقدرتها على تنويع أسواقها. وينسجم هذا النمو مع إعادة تشكيل الخريطة السياحية في مصر، عبر صعود وجهات جديدة وربط القطاع بمشروعات التنمية العمرانية والبنية التحتية، بما يعزز توزيع العوائد ويضمن استدامة النمو السياحي ضمن استراتيجية شاملة تربط السياحة بالتنمية الإقليمية.

المتحف الكبير في المقدمة

شكّل افتتاح المتحف المصري الكبير نهاية 2025 نقطة تحول استراتيجية للقطاع السياحي المصري، باعتباره أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، ويستهدف جذب نحو 5 ملايين زائر سنويًا. ويُعد المتحف استثمارًا مباشرًا في اقتصاد الثقافة والقوة الناعمة، حيث يساهم في رفع متوسط الإقامة وعدد الليالي السياحية، ما يضاعف تأثيره على قطاعات النقل والفندقة والخدمات، ويحفز الاستثمارات في الفنادق والمنتجعات وخلق فرص عمل جديدة.

وأظهرت البيانات أن افتتاح المتحف رفع الإيرادات السياحية إلى 17.6 مليار دولار مقارنة بـ 13 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، أي زيادة تفوق 20 في المئة مقارنة بعام 2024.

وفقًا لوكالة "فيتش" الأميركية، من المتوقع أن يصل عدد السياح الوافدين إلى مصر إلى نحو 17.76 مليون سائح بنهاية 2025، بزيادة 13.1 في المئة مقارنة بعام 2024، على أن يرتفع العدد إلى نحو 18.56 مليون سائح في 2026، مع نمو سنوي متوسط 5.7 في المئة حتى 2029، ليصل إلى نحو 20.65 مليون سائح. كما يُتوقع أن ترتفع الإيرادات السياحية من 17.1 مليار دولار في 2025 إلى نحو 19 مليار دولار بحلول 2029، مدعومة مباشرة بالمتحف المصري الكبير ومشروعات سياحية كبرى، بما يعكس طفرة جديدة للقطاع وتدفقًا متزايدًا للاستثمارات الأجنبية.

تألق سياحي عالمي

شهدت مكانة مصر السياحية طفرة دولية غير مسبوقة، حيث كشفت التقارير العالمية عن تحسن جذري في تصنيفاتها، مما يعكس نجاح السياسات والاستراتيجيات التي اعتمدتها البلاد لتطوير القطاع السياحي وتعزيز تنافسيته.

ففي تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، تحسّنت مصر بشكل كبير في مؤشر التنافسية السياحية، حيث ارتقت من المرتبة 75 في عام 2019 إلى المرتبة 61 بين 119 دولة، أي تقدّم بمقدار 14 مركزًا خلال خمس سنوات فقط. ويعكس هذا التقدم تحسنًا في عدة مؤشرات فرعية، أبرزها البنية التحتية للنقل الجوي التي وصلت إلى المرتبة 28 عالميًا، والبنية التحتية لخدمات السياحة التي تقدمت 9 مراكز، مدعومة بتوسع الطاقة الفندقية وتطوير الخدمات المقدمة للزوار، وهو ما أسهم في تعزيز تجربة السائح وزيادة جاذبية الوجهة المصرية.

كما جاء تصنيف “Country Brand Ranking – Tourism Edition 2022/2023 “ليؤكد هذا التقدم، حيث حققت مصر المركز 19 عالميًا والمركز الأول إقليميًا، متفوقة على المغرب وعدد من منافسيها الرئيسيين. كما ارتقت ستة مراكز لتصبح الدولة الإفريقية الوحيدة ضمن قائمة أفضل عشرين وجهة سياحية عالميًا، مؤكدة صدارتها للسياحة في إفريقيا للعام الثالث على التوالي. ويعكس هذا الإنجاز قوة الجاذبية السياحية لمصر، وتحسن حضورها الرقمي على شبكات التواصل الاجتماعي، مع تجاوز التحديات الجيوسياسية وتحسن نسب العوائد السياحية.

وعلى صعيد الضيافة، يشير تقرير “Euromonitor International” لعام 2024، إلى أن مصر أصبحت من أسرع الوجهات السياحية نموًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مدعومة بزيادة الاستثمارات في الفنادق والمنتجعات. وقد انعكس هذا النمو على ترتيب مصر في مؤشر جودة البنية التحتية السياحية، حيث أصبحت ضمن أفضل 30 دولة عالميًا، مما يعزز مكانتها كوجهة سياحية عالمية متكاملة تجمع بين التاريخ العريق والخدمات الحديثة.

السياحة في قلب التنمية

تبرز أهمية قطاع السياحة بوصفه أحد المحاور الجوهرية في الاستراتيجيات الوطنية، وفي مقدمتها استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030، إلى جانب الخطة الاستراتيجية الوطنية الطموحة للسياحة (NTSP) وغيرها من الأطر التخطيطية الهادفة إلى تعزيز تنافسية الاستثمار السياحي.

مصر 2030: السياحة والاستثمار الذكي

في هذا السياق، تضع رؤية مصر 2030 التنمية السياحية المستدامة ضمن أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، بهدف إعادة صياغة القطاع السياحي بما يتلاءم مع التحولات العالمية وتعزيز قدرته التنافسية بوصفه أحد المحركات الرئيسة للنمو الوطني. وتنطلق الرؤية من تحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية لتطوير البنية التحتية السياحية، عبر التوسع في المنشآت الفندقية وتحسين جودة المرافق والخدمات المرتبطة بها، مع توجيه الاستثمارات نحو مشروعات ذات قيمة مضافة تسهم في تعظيم العائد الاقتصادي ورفع الطاقة الاستيعابية للقطاع، بما يدعم زيادة أعداد السياح الدوليين.

وفي موازاة ذلك، تتسارع جهود التحول الرقمي في القطاع من خلال تطوير المنصات الإلكترونية لحجز الرحلات وإدارة الزيارات، وتطبيق أنظمة التذاكر الذكية في المواقع الأثرية، ودعم الشركات الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا السياحية، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتقديم تجربة أكثر سلاسة وتفاعلية للزائر.

كما تتكامل الاستراتيجية السياحية مع أهداف الاستدامة البيئية، عبر تشجيع المشروعات الصديقة للبيئة، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة في المنشآت السياحية، إلى جانب تعزيز السياحة البيئية في المحميات الطبيعية والمواقع التراثية، تماشيًا مع مسار مصر نحو الاقتصاد الأخضر والحفاظ على مواردها الطبيعية والثقافية للأجيال القادمة.

استراتيجية سياحية طموحة

وتتسق هذه الجهود مع الخطة الاستراتيجية الوطنية الطموحة للسياحة (NTSP) للفترة من 2025 إلى 2031، التي أطلقتها مصر إيذانًا ببدء مرحلة تحول شاملة في قطاعي السياحة والآثار. وتهدف الخطة بشكل رئيسي إلى زيادة أعداد السائحين الدوليين الوافدين إلى مصر لتصل إلى 31.8 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2031، بما يعكس الطموح لتعزيز دور السياحة كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي الوطني.

وتتمثل الخطة في ترسيخ مكانة مصر كـ “الوجهة السياحية الأكثر تنوعًا في العالم"، من خلال إبراز المقومات السياحية الفريدة التي تمتلكها البلاد، بدءًا من المواقع الأثرية ذات الأهمية العالمية، وصولًا إلى باقة واسعة من الأنماط والمنتجات السياحية المتنوعة. كما تتبنى الخطة مهمة واضحة تتمثل في تحقيق الأمن الاقتصادي في قطاعي السياحة والآثار، لضمان استدامة القطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.

لتحقيق أهدافها ، ترتكز الخطة الاستراتيجية الوطنية للسياحة على ست ركائز رئيسية تشمل تعزيز تنافسية الاستثمار السياحي من خلال تحسين بيئة الاستثمار وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتطوير البنية التحتية، وتنويع المنتجات السياحية بالاستفادة من التنوع الثقافي والطبيعي لمصر لتوسيع الأسواق المستهدفة، وتطوير الموارد البشرية عبر تدريب وتأهيل العاملين لتقديم خدمات عالية الجودة، وتحسين الحوكمة وتجربة الزائرين من خلال تعزيز الشفافية وجودة الخدمات، إلى جانب دعم الاستدامة والتحول الرقمي لضمان مرونة القطاع وكفاءته، وأخيرًا التسويق السياحي الفعّال عبر استراتيجيات متكاملة تبرز المقاصد المصرية وتعزز حضورها العالمي.

رافعة للنمو والتنمية

يؤكد الأداء الاستثنائي للسياحة المصرية في 2025 أن القطاع أصبح أحد الركائز الرئيسة للاقتصاد الوطني ووجهة عالمية متنوعة وجاذبة للاستثمارات، وهو ما يعكس طموح مصر في قيادة السياحة الدولية وتعزيز مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية. وفي ضوء هذا النجاح، تسعى مصر إلى بناء نموذج سياحي مستدام يركز على تحقيق قيمة مضافة، بما يسهم بشكل فعّال في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، لتصبح السياحة بذلك رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والسياسية في البلاد.