بورشه عند مفترق طرق:
تراجع يكشف أزمة عميقة

18.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب خطار زيدان

تُعدّ النتائج السنوية الأخيرة التي كشفت عنها شركة صناعة السيارات الرياضية "بورشه" عن العام 2025 نقطة تحوّل حقيقية في مسار الشركة، التي اعتادت لعقود تحقيق نمو مستدام وهوامش تشغيلية تُعد من الأعلى في قطاع السيارات الفاخرة. فبعد سنوات من الأداء الاستثنائي، تكشف الأرقام الجديدة أن "بورشه" تواجه ضغوطاً هيكلية عميقة تتجاوز فكرة التباطؤ الدوري.

نتائج العام 2025: صورة أوضح للتراجع

سجّلت "بورشه" خلال عام 2025 تراجعاً ملحوظاً في أدائها التشغيلي مقارنة بالسنوات السابقة، إذ انخفض عدد السيارات التي سلمتها الشركة حول العالم إلى 279,449 سيارة، مقابل 310,718 سيارة في 2024، أي بانخفاض يقارب 10 في المئة على أساس سنوي، بعد أن كانت قد سجلت تراجعاً أكثر اعتدالاً في 2024 مقارنة بعام 2023.

هذا التراجع في حجم المبيعات ترافق مع انكماش حاد في الربحية. فبعد أن بلغ العائد على المبيعات التشغيلية نحو 18 في المئة في 2023، تراجع إلى 14.1 في المئة في 2024، فيما تشير التوجيهات التشغيلية لعام 2025 إلى أن الهوامش انخفضت إلى مستويات متدنية للغاية، تتراوح بين صفر و2 في المئة، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ الشركة الحديث.

وبالمقارنة، كانت "بورشه" قد حققت في السنوات السابقة أرباحاً تشغيلية بمليارات اليوروهات سنوياً، مدفوعة بمزيج قوي من التسعير المرتفع، الطلب القوي، والانضباط الصارم في التكاليف. أما اليوم، فإن هذا النموذج الربحي يتعرض لاختبار حقيقي.

السوق الصينية: من محرّك نمو إلى تراجع مستمر

يُعدّ الانكماش الحاد في السوق الصينية أحد أبرز العوامل وراء هذا التراجع. فبعد أن سلّمت "ورشه" نحو 79 ألف سيارة في الصين خلال عام 2023، تراجع الرقم إلى نحو 57 ألف سيارة في 2024، قبل أن يواصل الهبوط في 2025 ليصل إلى نحو 42 ألف سيارة، ما يعكس انخفاضاً سنوياً بنحو 26 في المئة.

ويعكس هذا الانخفاض تحوّلاً جوهرياً في سلوك المستهلك الصيني، الذي بات أكثر حساسية للسعر وأكثر انجذاباً للتقنيات الذكية والسيارات الكهربائية المحلية، في ظل منافسة شرسة من شركات صينية تقدم منتجات متقدمة تقنياً وبأسعار أقل.

"بورشه" في الشرق الأوسط: أداء مستقر في مواجهة التحديات

في منطقة الشرق الأوسط، إفريقيا والهند، حافظت "بورشه" على نمو متواصل في التسليمات حتى عام 2024، رغم التحديات العالمية، وسلمت الشركة 9,509 سيارات جديدة في المنطقة خلال عام 2024، مسجلة نمواً بنسبة 4 في المئة مقارنة بعام 2023، بينما نما إجمالي التسليمات في المنطقة بنحو 53 في المئة منذ عام 2020.

وكانت طرازات 911 الرياضية وغيرها من السيارات الفاخرة رائجة بشكل خاص في الأسواق الخليجية، حيث تحافظ القوة الشرائية المرتفعة والطلب على الفخامة والأداء على بقاء "بورشه" ضمن العلامات المفضلة لدى الشريحة العليا من العملاء.

لكن مستقبل تواجد "بورشه" في الشرق الأوسط مرتبط بمدى قدرتها على التحول الكهربائي والاستجابة للتغيرات في تفضيلات المستهلكين. فبينما يوفر الطلب على السيارات الفاخرة أساساً مستقراً للنمو، فإن المنافسة المتزايدة في قطاع السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الذكية ستفرض على "بورشه" تسريع جهودها في تقديم منتجات متكاملة تجمع بين الأداء، الفخامة، والكفاءة الطاقية.

التحوّل الكهربائي: تقدّم مكلف وعائد بطيء

على الرغم من أن "بورشه" رفعت نسبة السيارات العاملة على الكهرباء في مبيعاتها، حيث شكّلت السيارات الكهربائية بالكامل نحو 22 في المئة من تسليمات 2025، إضافة إلى أكثر من 12 في المئة من الطرازات الهجينة القابلة للشحن، فإن هذا التحول لم ينعكس إيجابا بشكل واضح على الربحية حتى الآن. فالاستثمارات الضخمة في تطوير المنصات الكهربائية، وارتفاع تكاليف المواد الخام، وتأخر بعض الطرازات بسبب متطلبات تنظيمية وتقنية، كلها عوامل ضغطت على الأرباح، ما اضطر الشركة إلى مراجعة توقعاتها لهوامش الربحية نزولاً.

تراجع كبير في القيمة السوقية

تزامن هذا التراجع التشغيلي مع انخفاض ملحوظ في القيمة السوقية لشركة "بورشه"، التي تُقدّر حالياً بنحو 40 إلى 42 مليار يورو، أي أقل بأكثر من 45 في المئة مقارنةً بمستواها عند إدراجها في البورصة عام 2022. ويعكس هذا التراجع تنامي شكوك المستثمرين حيال قدرة الشركة على الحفاظ على نموذجها الربحي التقليدي في ظل التحولات المتسارعة، لا سيما في الأسواق الكبرى مثل الصين.

مخاطر وتحولات

يمكن اعتبار ما تواجهه "بورشه" اليوم تحوّلاً هيكلياً يضع الشركة أمام خيارين واضحين: إما إعادة ابتكار نموذج أعمالها عبر مزيج ذكي من الكهرباء والتكنولوجيا والخدمات، مع الحفاظ على جوهر العلامة، أو القبول بمرحلة أطول من النمو البطيء، وهوامش ربحية أدنى مقارنة بما اعتادت عليه.

وقد أشارت الشركة إلى أن العائدات التشغيلية قد تستقر في المدى القصير عند مستويات أقل بكثير، مع الاستمرار في تقديم طرازات هجينة أو تعمل بالوقود التقليدي لبعض الأسواق، وتأجيل أو إعادة جدولة إطلاق بعض السيارات الكهربائية.

ما الذي ينتظر "بورشه" تحت قيادة الإدارة الجديدة؟

يواجه الرئيس التنفيذي الجديد للشركة مايكل لايترز مجموعة من التحديات المعقدة، أبرزها: تعزيز الزخم في الولايات المتحدة والأسواق الناشئة لتعويض جزء من الخسائر الصينية، تسريع التحوّل الكهربائي بإيقاع أكثر واقعية، مع إبقاء الخيارات الهجينة لفترة أطول، تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف دون الإضرار بجودة المنتج أو صورة العلامة، إضافة على إعادة ضبط الاستراتيجية في الصين، سواء عبر منتجات مخصّصة أو عبر قبول حجم سوق أصغر وهوامش أقل، والموازنة بين الفخامة والحجم، وهو التحدي الأصعب في ظل بيئة تنافسية شديدة.

أخيراً، لا يبدو ما نراه اليوم في نتائج "بورشه" لعام 2025 مجرد تراجع في المبيعات أو انكماش مؤقت في الهوامش، بل تحوّل عميق في نموذج النمو والربحية الذي اعتمدته الشركة لعقود.

وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال الجوهري: هل ستتمكن "بورشه" من إعادة بناء نموذجها بما يتناسب مع عالم تُهيمن فيه الكهرباء، والتكنولوجيا، وتجربة المستخدم، والمنافسة المحلية القوية، أم أنها ستقبل بعصر جديد من الهوامش الأصغر والنمو الأبطأ، وربما الدخول في مرحلة انكماش استراتيجي؟.

الإجابة على هذا السؤال ستحدد موقع "بورشه" في خريطة السيارات الفاخرة خلال العقد المقبل.