نفط وذهب فنزويلا
إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي

14.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

برزت أهمية فنزويلا في المشهد الدولي بعد عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ما أعاد الأزمة الفنزويلية إلى صدارة الأحداث السياسية والجيوستراتيجية. وتمثل البلاد قلب الصراع العالمي على الطاقة، إذ تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم بنحو 303 مليارات برميل، أي نحو 17 في المئة من الاحتياطيات العالمية، معظمها نفط ثقيل وفائق الثقل في حزام أورينوكو بقيمة تتجاوز 22 تريليون دولار، متفوقة بذلك على السعودية (267 مليار برميل). ورغم هذه الثروة الهائلة، يعاني قطاع النفط من أزمة إنتاجية حادة نتيجة سوء الإدارة ونقص الاستثمارات، إلى جانب العقوبات التجارية، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج إلى نحو مليون برميل يوميًا (1 في المئة من الإنتاج العالمي)، وهو ما يعكس التباين بين الإمكانات الهائلة والواقع الإنتاجي المتدهور، ويجعل البلاد ساحة مفتوحة للتنافس بين الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى.

ويبرز البعد السياسي للعملية في تصميم الولايات المتحدة، حيث شدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على عدم السماح بأي تهديد لأمنها أو أي ارتباط مع قوى دولية منافسة، مع التأكيد على استعداد واشنطن للتدخل المباشر لحماية مصالحها الاستراتيجية. ويتجاوز الأمر مجرد عملية اعتقال ليصبح أداة استراتيجية واقتصادية محورية، إذ تمتلك فنزويلا 6.3 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي و8 آلاف طن من الذهب (نحو 500 مليار دولار)، إلى جانب معادن استراتيجية، مخزونات مياه ضخمة، أراضٍ زراعية خصبة، وموقع جغرافي وتنوع مناخي فريد. والسيطرة على هذه الثروات، وخصوصًا النفط، تمنح الولايات المتحدة هيمنة شبه مطلقة ومصدرًا بديلًا للنفط العربي، ما يقلص إمكانية استخدامه كورقة ضغط سياسية ضد واشنطن، مؤكدًا الأبعاد الاستراتيجية للعملية وتأثيرها المباشر على النفوذ وأسواق الطاقة العالمية.

النفط الأميركي: من الربح إلى الهيمنة

أعلن ترامب أن بلاده حصلت على 30 مليون برميل من النفط الفنزويلي، بقيمة تُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، في خطوة غير مسبوقة تزامنت مع تسويق واشنطن الخام الفنزويلي عالميًا والتراجع الانتقائي عن بعض العقوبات، بما يتيح نقل النفط ومشتقاته واستيراد المعدات الأساسية. ويعكس هذا التحرك تدخلًا مباشرًا في أسواق الطاقة العالمية، ويؤكد أن النفط الفنزويلي أصبح أداة استراتيجية محورية للهيمنة الأميركية، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتعزيز الحصار الأميركي على القطاع النفطي في فنزويلا.

وكان الرئيس الأميركي أكّد أن فنزويلا سترسل إلى الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط، على أن يتم بيع هذه الكمية ويعود ذلك بالنفع على كلا البلدين. وبحسب الأرقام الأخيرة قبل الحصار، تمثل هذه الكمية ما يعادل نحو 30 إلى 50 يومًا من إنتاج النفط الفنزويلي، في حين تنتج الولايات المتحدة نفسها نحو 13.8 مليون برميل يوميًا، ما يوضح الأهمية النسبية للخام الفنزويلي ضمن إمدادات الطاقة الأميركية.

ويتجاوز التدخل الأميركي في فنزويلا مجرد تعزيز الإيرادات النفطية أو السماح للشركات الأميركية بـ “جني ثروة عظيمة من فنزويلا"، ليصبح أداة جيوستراتيجية. إذ تسعى، وفق تقرير بلومبيرغ، إلى إعادة أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم إلى منظومة إنتاج واستثمار تقودها شركات أميركية، بدل الاعتماد على السيطرة العسكرية، ما قد يعيد لواشنطن نفوذها التاريخي الذي فقدته منذ سبعينيات القرن الماضي. ومع احتساب احتياطيات غويانا المجاورة، قد تصبح الولايات المتحدة صاحبة أعمق وأكثر استدامة لنفوذ عالمي على الاحتياطيات النفطية، متجاوزة الاعتماد على الإنتاج الفوري وأسعار السوق اليومية، ومؤكدة موقعها كقوة رئيسية في التحكم بمسارات الطاقة العالمية.

فنزويلا والصين: التحدي المزدوج

صرّح الرئيس الأميركي ترامب بأنه لا يتوقع أي إشكالات في العلاقات الأميركية-الصينية عقب الهجوم على كاراكاس، مؤكدًا أن إمدادات النفط الفنزويلي إلى الصين ستستمر. ومع ذلك، تواجه الصين تحديًا مباشرًا بسبب التطورات الأخيرة، إذ استقبلت نحو 85 في المئة من إجمالي صادرات النفط الفنزويلي في الأشهر الأخيرة، ما يجعلها أكبر مستورد لهذا الخام المستخدم بشكل رئيسي في إنتاج البيتومين لقطاعي البناء والطرق.

ومع اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وسيطرة الولايات المتحدة على قطاع النفط، وجّهت واشنطن ضربة مباشرة لنفوذ الصين في فنزويلا، إذ أُجبرت بكين على تحويل شحناتها بعيدًا عنها. ورغم أن الشحنات الفنزويلية لم تشكل سوى نحو 4 في المئة من واردات الصين النفطية العام الماضي، فإن النفط الفنزويلي يتميز بخصائص فريدة عالية الكبريت وبأسعار منخفضة، ما يجعله مرغوبًا لدى المصافي الصينية المستقلة. وبذلك، تظل فنزويلا ركيزة أساسية في استراتيجية الصين لتأمين مصادر الطاقة وتنويعها بعيدًا عن الاعتماد على مورد واحد، بينما تمنح الإجراءات الأميركية واشنطن فرصة لتعزيز هيمنتها ونفوذها.

وتوقعت وكالة بلومبيرغ أن تؤدي التدخلات الأميركية إلى تقليص تدفقات النفط إلى الصين، إلا أن تأثير ذلك على السوق الصينية سيكون محدودًا على المدى القصير، بفضل المخزونات الكبيرة من النفط الخام المخزن على ناقلات عائمة.

روسيا: أمام معضلة النفوذ

أدى استيلاء الولايات المتحدة على ناقلتي نفط، إحداهما ترفع العلم الروسي، إلى الضغط على الوجود الروسي في فنزويلا، حيث طالبت واشنطن كاراكاس بقطع علاقاتها الاقتصادية مع موسكو وحلفائها التقليديين مثل الصين وإيران وكوبا. وكان الحصار البحري المفروض على ناقلات النفط قد أدى إلى تعقيد الخدمات اللوجستية للشركات الروسية، التي تواجه أصلاً ضغوطًا كبيرة نتيجة العقوبات الأميركية، ما يضع روسيا أمام خطر فقدان شريك استراتيجي رئيسي في أميركا الجنوبية.

في ضوء هذه التطورات، قد تضطر موسكو إلى إعادة توجيه استراتيجيتها، سواء عبر البحث عن بدائل لأسواق النفط الفنزويلي، أو تعزيز العلاقات مع شركاء آخرين، أو اللجوء إلى أدوات دبلوماسية وسياسية لتقليل الخسائر، مع السعي لتجنب مواجهة عسكرية مباشرة، بما يتيح لها الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي والحد من الخسائر الاقتصادية والسياسية الناجمة عن الإجراءات الأميركية.

وفي هذا السياق، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن إدانتها لأي تدخل عسكري في فنزويلا، مؤكدة على ضرورة منع المزيد من التصعيد والسعي لحل الأزمة عبر الحوار. ورغم تمسك موسكو بعلاقات طويلة الأمد مع فنزويلا، تشمل الدعم العسكري والفني، إلا أنها قد تركز حاليًا على الخطاب الدبلوماسي وتفادي التصعيد المباشر، نظرًا لانشغالها بالحرب في أوكرانيا واستنزاف مواردها، ما يجعل موقفها متوازنًا بين الحفاظ على النفوذ والتعامل بحذر مع التطورات الأخيرة.

استثمار النفط الفنزويلي: مغامرة مليارية

حضّ الرئيس ترامب شركات النفط الأميركية على العودة فورًا إلى فنزويلا وضخ استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل القطاع المتدهور، معتبرًا أن البلاد تمثل فرصة استثمارية واعدة على المدى الطويل، لكنها تتطلب رأسمالًا ضخمًا ومرحلة انتقالية مستقرة لاستعادة الإنتاج.

ويشير بنك "أستراليا آند نيوزيلند" إلى أن الاستثمار في إنتاج النفط الفنزويلي يحتاج إلى موارد مالية ضخمة ووقت طويل الأمد، نظرًا للبنية التحتية المتقادمة والتحديات السياسية والاقتصادية المستمرة. ويستغرق اتخاذ قرارات الاستثمار الكبرى عادة بين عام وخمسة أعوام بعد الاكتشاف الأولي، يليها بدء الإنتاج خلال فترة تتراوح بين 12 شهرًا وسنتين للحقول البرية التقليدية، بينما قد تمتد إلى نحو 7 أعوام في المشاريع البحرية، ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بإحياء قطاع النفط الفنزويلي.

وبحسب البنك، فإن الحفاظ على مستوى إنتاج يبلغ مليون برميل يوميًا سيتطلب استثمارات سنوية تتجاوز متوسط القطاع البالغ نحو 5.5 مليارات دولار، فيما تتراوح النفقات الرأسمالية التوسعية بين 10 و30 ألف دولار لكل برميل يوميًا في الحقول البرية التقليدية، أي ما يعادل 10–30 مليار دولار لإضافة قدرة إنتاجية قدرها مليون برميل يوميًا، وقد ترتفع التكلفة إلى نحو 60 ألف دولار لكل برميل يوميًا في مشاريع المياه العميقة البحرية. كما يشير البنك إلى ضرورة استعداد المستثمرين لاحتمال استمرار عدم الاستقرار السياسي، بما في ذلك اضطرابات مدنية كبيرة واستمرار العقوبات الأميركية، ما يزيد من المخاطر المرتبطة بمحاولة إحياء الإنتاج النفطي في البلاد.

وفي هذا السياق، يرى محللون في قطاع النفط أن إنتاج فنزويلا قد يرتفع بما يصل إلى نصف مليون برميل يوميًا خلال العامين المقبلين إذا استقرت الأوضاع السياسية واستمرت الاستثمارات الأميركية. غير أن "إيه.إن.زيد" للأبحاث ترى أن الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو استمرار مستويات الاضطراب السياسي، وأن زيادة الإنتاج بما يتجاوز القدرة الفعلية الحالية لفنزويلا ستتطلب ضخ أموال ضخمة وجهودًا استثنائية لتجاوز التحديات الاقتصادية والسياسية الراهنة.

وتؤكد بيانات شركة "ريستاد إنرجي" أن الحفاظ فقط على مستوى الإنتاج الحالي سيتطلب استثمارات تتجاوز 53 مليار دولار خلال الخمس عشرة سنة المقبلة، بينما رفع الإنتاج إلى ذروته السابقة التي تجاوزت 3 ملايين برميل يوميًا سيحتاج إلى استثمارات هائلة تصل إلى 183 مليار دولار. وتعتبر هذه التكلفة باهظة في ظل وفرة المعروض النفطي عالميًا، وانخفاض الأسعار، واقتراب الطلب العالمي من الذروة، مما يزيد من تعقيد جدوى أي خطة لإحياء الإنتاج الفنزويلي على نطاق واسع.

سيناريوهات أسعار النفط المستقبلية

تشير التحليلات إلى أن أزمة فنزويلا في قطاع النفط قد تفرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لأسواق الطاقة العالمية، لكل منها آثار متباينة على الأسعار والإمدادات والإنتاج:

  1. اضطراب قصير الأجل وتقلبات حادة: يؤدي إلى ارتفاع محدود إلى متوسط في الأسعار مع تراجع مؤقت للإمدادات، خصوصًا الخام الثقيل الذي يحقق معدلات استخلاص مرتفعة من الديزل ووقود الطائرات.
  2. استقرار تدريجي وتعافي محدود: ينعكس على الأسعار باستقرار نسبي، ويتيح زيادة جزئية في الإنتاج الفنزويلي مع تعزيز قدرة المشترين على الوصول إلى بدائل من كندا والمكسيك، دون التأثير الكبير على سوق الخام العالمي.
  3. إعادة هيكلة شاملة للقطاع النفطي الفنزويلي: مع ضخ استثمارات ضخمة، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج إلى مستويات تاريخية، لكنه في المقابل قد يضغط هبوطيًا على الأسعار عالميًا، خصوصًا إذا تجاوز العرض الطلب الفعلي على الخام الثقيل والمنتجات المشتقة منه.

وتشير هذه التقديرات إلى أن العوامل النفسية وتوقعات التصعيد قد تلعب دورًا بارزًا في تحركات الأسعار قصيرة الأجل، أحيانًا أكثر من التغيرات الفعلية في العرض، ما يجعل السوق شديد الحساسية لأي تطورات سياسية أو أمنية في فنزويلا.

قوة وراء القرار

تُبرز العملية الأميركية في فنزويلا كيف تحولت السيطرة على الموارد الطبيعية إلى أداة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتجاوز مجرد تغيير القيادة السياسية. فالتحكم في الاحتياطيات النفطية والغازية والذهبية يمنح الولايات المتحدة القدرة على إعادة هندسة موازين القوة في أسواق الطاقة العالمية، وتأمين احتياجاتها الحيوية، وتقليل اعتمادها على النفط العربي الذي يمكن أن يُستغل كورقة ضغط ضد طموحاتها. كما يعزز ذلك النفوذ الأميركي الإقليمي ويحد من قدرة القوى المنافسة على التأثير في سياساتها أو تحركاتها الاستراتيجية.

كما تبعث العملية إشارة واضحة حول استعداد واشنطن للتحرك مباشرة لحماية مصالحها الاستراتيجية، وتشكل خطوة تعيد رسم غير معلن لقواعد السياسة والطاقة الدولية، حيث يتحول النفط إلى أداة تحدد مسارات السياسة الدولية، وليس مجرد مورد اقتصادي تقليدي.