لقاء زراعي لبناني- سوري
لمناقشة ومعالجة القضايا المشتركة

13.01.2026
خلال المؤتمر الصحفي
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

في خطوة وُصفت بأنها تاريخية على صعيد التعاون الزراعي بين لبنان وسوريا، زار وزير الزراعة اللبناني د. نزار هاني العاصمة السورية دمشق على رأس وفد رفيع ضم 16 مسؤولاً وخبيراً في القطاع الزراعي. وتأتي الزيارة كأول تعاون عملي مباشر بين وزارتي الزراعة في البلدين الشقيقين، بعد لقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين، أرست مساراً واضحاً لإعادة بناء الشراكة الثنائية على أسس من الاحترام والمصالح المشتركة.

وتوجه هاني مباشرة إلى وزارة الزراعة السورية، حيث عقد لقاء ثنائياً مع نظيره السوري د. أمجد بدر، تلاه اجتماع موسّع للجنة الزراعية المشتركة، حضره السفير اللبناني في دمشق هنري قسطون، المدير العام لوزارة الزراعة المهندس لويس لحود، مستشارا الوزير فادي غانم ومازن حلواني، وممثلون عن الإدارات العامة، الجامعة اللبنانية، القطاع الخاص والصناعات الغذائية. ومن الجانب السوري شارك معاون رئيس هيئة المنافذ والجمارك خالد البرد، ومسؤولون وخبراء في مؤسسات القطاع الزراعي المختلفة.

بدر: مشاكل مشتركة وحاجة إلى برامج زمنية دقيقة

ورحب الوزير السوري د. أمجد بدر بنظيره اللبناني والوفد المرافق، واعتبر أن اللقاء "يفتح المجال أكثر للتنسيق وللعمل المشترك"، وقال : "نعاني اليوم من المشاكل نفسها، لأن المساحة واحدة والأبواب مفتوحة من حيث حركة البضائع والقطعان وحركة التغيرات المناخية التي تؤثر على البلدين، لكن حجم تقدير المشكلة وإن تشابهت يختلف بين البلدين بحسب طبيعة المجتمع وسياسة الدولة وكيف تنظر إليها، لذلك نحن اليوم بحاجة إلى زيادة جهود التنسيق بين بعضنا وتشكيل لجان علمية مشتركة وزيادة وتيرة التواصل ووضع خطط مشتركة لعلاج كثير من المشاكل، لأن المشكلة إذا وُجد لها حل في أحد البلدين كأننا وجدنا الحل في البلد الآخر وخففنا من المشاكل". وختم بدر متمنياً: "وضع برامج زمنية ولقاءات مشتركة بين اللجان للوصول إلى مرحلة أفضل من التي نعاني منها حالياً".

هاني: التعاون الاستراتيجي والأمن الغذائي

من جهته قدّم وزير الزراعة اللبناني د. نزار هاني خلال الاجتماع رؤيته من خلال كلمة موسّعة، شدد فيها على أن زيارة دمشق تمثل نقطة انطلاق عملية لتفعيل التعاون الزراعي بين البلدين الشقيقين، وقال:

"في هذا الاجتماع، ننطلق عملياً من مرحلة النقاشات السياسية إلى مرحلة العمل الميداني، حيث تتحول القرارات إلى مشاريع ملموسة على الأرض، وهذا الاجتماع هو أول تعاون عملي مباشر بين وزارتي الزراعة في لبنان وسوريا بعد سلسلة لقاءات رفيعة المستوى على مستوى رؤساء الدول والحكومات. ونحن نؤكد اليوم أن الزراعة ليست قطاعاً عادياً، بل هي ركيزة سيادية للأمن الغذائي، واستقرار اجتماعي واقتصادي، واستثمار استراتيجي في مستقبل شعبينا".

وأكد هاني أن التعاون مع سوريا يجب أن يكون شاملاً، قائلاً: "لبنان وسوريا لا يربطهما الجغرافيا فحسب، بل تاريخ طويل من التعاون الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وأرض واحدة بمناخها وتنوّعها الزراعي، وسلاسل إنتاج متداخلة منذ قرون. من سهل البقاع إلى الغوطة، ومن الساحل إلى الجبال، تشكّل الزراعة رابطاً حياً بين شعبينا، يتجاوز الحدود السياسية ليعكس وحدة المصير البيئي والغذائي".

وأضاف: "التحديات التي يواجهها لبنان وسوريا اليوم تتطلب تكاملاً حقيقياً على الأرض. في ظل التغيرات المناخية، شحّ المياه، تقلبات الأسواق، والاضطرابات في سلاسل الإمداد، يصبح التعاون ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية. نحن مدعوّون لتضافر الجهود، وحماية الموارد الطبيعية، وتأمين الغذاء لشعوبنا، وضمان استقرار الأسواق الزراعية".

وشدد هاني على دور المزارعين والخبرات السورية في دعم الإنتاج اللبناني، قائلاً: "نوجّه تحية تقدير لكل من يعمل في الحقول، فالمزارعون في بلدينا يشكّلون خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي وحلقة وصل حقيقية بين الشعبين الشقيقين".

أولويات التعاون العملي

أوضح هاني أن الاجتماع أسفر عن وضع خارطة طريق واضحة للتنفيذ العملي، ترتكز على تعزيز التعاون في مجالات الصحة النباتية والبيطرية، وحماية الثروة الحيوانية ومكافحة الأمراض العابرة للحدود، إلى جانب إدارة الأحراج والحد من حرائق الغابات، والتأقلم مع التغيرات المناخية. كما تشمل الخارطة تبادل الخبرات وتشجيع الابتكار الزراعي، وتنظيم التبادل التجاري بما يحمي الإنتاج المحلي ويضمن الالتزام بالجودة والمعايير المعتمدة، فضلاً عن تشكيل لجان تنسيق دائمة بين الوزارتين، وإطلاق برامج تدريبية مشتركة للمزارعين والمهندسين الزراعيين، وتنفيذ مشاريع تعاون في الصناعات الغذائية والأعلاف وتطوير شبكات الري الحديثة.

وأشار هاني إلى أن ضبط الحدود ومكافحة التهريب ليست مسألة أمنية فحسب، بل هي حماية لصحة المواطنين وسلامة الإنتاج واستقرار الأسواق في البلدين.

واختتم هاني كلمته بالتأكيد على أن ما تحقق اليوم ليس مجرد اجتماع رسمي، بل بداية مسار طويل للتعاون الاستراتيجي المستدام بين لبنان وسوريا، قائلاً: "الزراعة كانت وستبقى جسراً للتكامل، الاستقرار، والأمن الغذائي في منطقتنا. التعاون اللبناني–السوري يشكّل اليوم استثماراً حقيقياً في مستقبل المزارعين والريف، ويضع لبنة أساسية في بناء منظومة زراعية إقليمية أكثر صموداً وفاعلية. 'الزراعة نبض الأرض والحياة".

تشابه بيئي والحاجة لروزنامة مشتركة

وفي تصريح لاحق، شدد الوزير السوري بدر على أهمية التشابه البيئي والاجتماعي بين البلدين، مؤكداً: "أن سوريا ولبنان هما عملياً يقعان في منطقة جغرافية متشابهة بيئياً واجتماعياً، وتربط الشعبين علاقات متينة تاريخية اجتماعياً واقتصادياً، ومصالح مشتركة متعددة. صحيح أننا نعاني من تشابه في البيئة والانتاج وأنماط الاستهلاك، وهذا التشابه يجعل الحاجات نفسها والمشاكل والصعوبات نفسها، وهذه المسألة بحاجة إلى كثير من التنسيق والخطط والبرامج الزمنية وروزنامة زراعية محكمة تماماً، فهناك معاناة في موضوع التصدير وتشابه السلع ومسألة حماية المنتج المحلي الموجودة عند الجهتين، ومسألة عبور البضائع وأعرف المعاناة التي يعانيها المزارعون في لبنان اليوم، ولكنني متأكد أنهم قادرون تفهم الظرف الذي نعيشه حالياً، فهناك ضوابط والتزامات مطلوبة من الجهتين، وهناك عقبات موجودة تجعلنا نحدد المسار تجاه الازمة في البلدين والمتمثلة بمسألة المعابر البرية والبحرية، ومعنا الاستاذ خالد البرد معاون مدير هيئة المنافذ وسيكون هناك لقاء خاص للتحدث عن المشكلة الأكبر عند الجانب اللبناني والمتمثلة بمشكلة المعابر".

من الرؤية إلى التنفيذ

حظيت الزيارة الأولى من نوعها لوزير لبناني إلى سوريا منذ سنوات طويلة، والتي تمثل باكورة الزيارات الرسمية بين البلدين، بترحيب سوري واسع في إطار إعادة إطلاق التعاون بين لبنان وسوريا. ورغم هذا الانفتاح، لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق حول تخفيض الرسوم والضرائب المفروضة على السلع والشاحنات اللبنانية العابرة إلى سوريا. وأوضح الجانب السوري أن تعليق بنود اتفاقية التيسير العربية سيستمر مؤقتًا لمدة عامين، نتيجة الحاجة الاقتصادية الملحة بعد سنوات الحرب المدمرة، والتي تستدعي الحد من الاستيراد وفرض الرسوم والضرائب.

ومع ذلك، تم الاتفاق على تشكيل لجان فنية مشتركة لدراسة العوائق القطاعية والعمل على تسهيل حركة التجارة، كما دعا الوزير السوري أمجد بدر الجانب اللبناني إلى تقديم طلب مفصل عبر وزارة الخارجية اللبنانية يتضمن جميع السلع التي يرغب لبنان في تصديرها إلى سوريا.

وتؤكد هذه الزيارة أن التعاون الزراعي بين لبنان وسوريا أصبح اليوم عملياً وراسخاً، حيث تتحول النوايا والسياسات العليا إلى إجراءات ملموسة على الأرض، بما يعزز الأمن الغذائي والاستقرار الريفي والاقتصادي في كلا البلدين. كما تضع هذه الشراكة نموذجاً يحتذى به في التعاون العملي بين الدول الشقيقة، وتفتح آفاقاً واسعة لمزيد من التكامل الزراعي، حماية الموارد، وتبادل الخبرات، بما يخدم مصالح شعوب لبنان وسوريا على المدى الطويل.