وسيم منصوري*
استكمالًا لنقاش عام حول الجهوزية الرقمية في لبنان، وخلال مشاركتي كمتحدث رئيسي في أحد المنتديات المتخصصة، اتضح أن السؤال لم يعد تقنيًا: هل الإنترنت سريع أم لا؟ بل اقتصادي بامتياز: لماذا تعجز الدولة عن تحويل الجهوزية المجتمعية الرقمية إلى إنتاجية واستثمار ونمو؟
هذا السؤال ليس نظريًا. فهو يلامس مباشرة كلفة الأعمال، ثقة المستثمرين، وقدرة الاقتصاد اللبناني على المنافسة في عصر أصبحت فيه البنية الرقمية شرطًا أساسيًا لأي نمو مستدام.
الجهوزية موجودة، لكن الترجمة غائبة
المؤشرات الدولية لا تقول إن لبنان غير جاهز رقميًا. على العكس، هي ترسم صورة مركّبة لكنها متسقة في اتجاهها. ففي تقرير Mashreq 2.0 الصادر عام 2016 عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي قيّم دول المشرق ضمن التصنيف العالمي، حلّ لبنان في المرتبة 88 من أصل 143 دولة. أما في تقرير Portulans Institute لعام 2023، فقد جاء لبنان في المرتبة 96 من أصل 134 اقتصادًا.
ومع اختلاف المنهجية بين النسختين، فإن تغيّر الترتيب لا يعكس انهيارًا في القدرات، بل استمرار فجوة أساسية: جهوزية مجتمعية معتبرة لا تقابلها قدرة مؤسسية كافية لتحويلها إلى إنتاجية ونمو.
الخلاصة واضحة: الاستعداد موجود، لكن التحويل إلى نتائج ما زال متعثرًا.
المجتمع متقدّم… رغم كل شيء
إذا أردنا أن ننصف الواقع، لا يمكن تجاهل عناصر القوة المجتمعية في لبنان: شباب متعلم ومؤهل رقميًا، قطاع خاص أثبت قدرة عالية على الصمود، وشركات ناشئة وفرق تقنية تبتكر حتى في أقسى الظروف. هذه ليست شعارات؛ إنها طاقة إنتاجية كامنة يشهد عليها كل من يتعامل مع السوق اللبناني عن قرب.
لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويل هذه الطاقة إلى اقتصاد رقمي فعلي: وظائف نوعية، صادرات خدمات رقمية، جذب استثمارات طويلة الأمد، وتحسين أداء الدولة نفسها عبر رقمنة خدماتها. هنا يظهر عنق الزجاجة الحقيقي: القواعد والمؤسسات. وهنا تحديدًا يتّضح الفرق بين مجتمع جاهز ودولة جاهزة.
كلفة التأخير أعلى مما نعتقد
في النقاش العام، غالبًا ما يُختزل الإنترنت في مسألة سرعة أو تعرفة. لكن من زاوية اقتصادية، الإنترنت اليوم هو بنية تحتية إنتاجية تشبه الكهرباء والمرافئ وشبكات النقل. وكل خلل فيها ينعكس مباشرة كلفة أعلى على الشركات، ومخاطر تشغيلية وأمنية أكبر، وتراجعًا في القدرة التنافسية، وترددًا في الاستثمار طويل الأمد.
ووفق أدبيات البنك الدولي، فإن زيادة 10% في انتشار الإنترنت عريض النطاق يمكن أن تنعكس بما يقارب 1% نموًا إضافيًا في الناتج المحلي. لكن هذه العلاقة ليست آلية، فهي تفترض بيئة حوكمة ومنافسة وثقة تسمح بتحويل البنية إلى إنتاجية. من دون هذه الشروط، تصبح الاستثمارات الرقمية إنفاقًا بلا عائد اقتصادي مستدام.
أين يتعثر الاقتصاد الرقمي فعليًا؟
عند محاولة تحويل الجهوزية المجتمعية إلى اقتصاد رقمي، يظهر الخلل البنيوي الأساسي: الإطار القانوني والتنظيمي. ويكفي التذكير بأن قانون الاتصالات 431 يعود إلى عام 2002، ولم يُحدّث بما يواكب اقتصاد البيانات، والمنصات الرقمية، والأمن السيبراني، ولا متطلبات المنافسة الحديثة.
تحديث هذا القانون ليس تفصيلًا تقنيًا أو قانونيًا، بل شرط اقتصادي لتخفيض المخاطر وتثبيت القواعد وتمكين الاستثمار الرقمي من التوسع بثقة. فغياب إطار حديث ومستقر يرفع كلفة المخاطر على المستثمر، مهما بلغت جودة البنية أو مهارة الموارد البشرية.
المؤشرات البنيوية مرآة الكلفة والثقة
ولا يتوقف الأمر عند القوانين والمؤسسات. بل ينعكس أيضًا في مؤشرات بنيوية تُقاس عالميًا، مثل اعتماد المعايير الحديثة لإدارة الشبكات، وفعالية تبادل البيانات محليًا، ومستوى أمن التوجيه والموثوقية.
وهي مؤشرات لا تهم التقنيين فقط، بل تحدّد كلفة التشغيل ومخاطر الانقطاع وحجم الاعتماد على الخارج. لذلك تُترجم اقتصاديًا إلى سؤال واحد: هل يمكن للشركة أن تعتمد على الإنترنت كبنية مستقرة، آمنة، وقابلة للتوسع؟ عندما يكون الجواب غير واضح، يصبح الاقتصاد يدفع أكثر لقاء خدمة أقل موثوقية، ويزداد الاعتماد على الخارج.
وهنا نصل إلى بعد غالبًا ما يُهمَل في النقاش الاقتصادي: السيادة الرقمية. السيادة الرقمية هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل قدرة اقتصادية على توجيه البيانات محليًا، وحمايتها، والتحكم بمساراتها. وعندما تضعف هذه القدرة، لا ترتفع فقط الكلفة التشغيلية، بل تزيد هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات التقنية والإقليمية، وتضعف الثقة بالبيئة الاستثمارية ككل.
لماذا يتردد المستثمر؟
في اللقاءات مع مستثمرين وشركات، نادرًا ما يكون السؤال الأول عن السرعة. الأسئلة الحقيقية تدور حول من ينظم السوق، وما هي قواعد المنافسة، وهل هناك مؤشرات أداء منشورة وقابلة للتحقق، وهل البيئة التنظيمية مستقرة بما يكفي لتخطيط استثمار طويل الأمد.
بمعنى آخر، المستثمر لا يشتري سرعة، بل يشتري وضوحًا وثقة.
ما الذي يحتاجه الاقتصاد الرقمي فعليًا؟
من زاوية اقتصادية بحتة، شروط تحفيز الاستثمار الرقمي واضحة:
- إطار تنظيمي حديث ومستقر يبدأ بتحديث قانون 431.
- هيئة تنظيمية مستقلة وفاعلة قادرة على فرض القواعد وضمان المنافسة.
- مؤشرات أداء علنية (KPIs) تخفّض كلفة الغموض.
- شراكة شفافة مع القطاع الخاص تحمي الاستثمار والمصلحة العامة معًا.
هذه ليست مطالب نظرية، بل عناصر أساسية لتحويل الجهوزية الرقمية إلى اقتصاد منتج.
الإنترنت ميزان ثقة اقتصادي
في الخلاصة، لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات ولا إلى المهارات الرقمية. ما ينقصه هو القرار المؤسسي لتحويل هذه الجهوزية إلى نمو فعلي. الاستمرار في إدارة القطاع بمنطق الجباية أو الحلول الجزئية يعني استمرار كلفة الفرصة الضائعة.
في الاقتصاد الرقمي، الإنترنت ليس خدمة، بل ميزان ثقة وسيادة اقتصادية. ومن دون قواعد حديثة واضحة وشفافية ومساءلة، ستبقى الجهوزية المجتمعية حبيسة الإمكانات، وسيبقى الاستثمار مترددًا، حتى في بلد يمتلك القدرات لكنه يفتقد القواعد التي تُنتج الثقة.
*النائب الأول لحاكم مصرف لبنان




