د. أنيس بو ذياب*
تعد الهجرة في لبنان مجرّد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بتاريخ البلد الاغترابي، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مؤشّر اقتصادي بنيوي على فشل النموذج القائم. فبين أيلول سبتمبر 2024 وكانون الأول ديسمبر 2025، سجّل لبنان صافي خروج يقارب 220 ألف مواطن، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة. هذا الرقم لا يعكس فقط حركة سكانية، بل يكشف عن اختلال عميق بين المجتمع والاقتصاد والدولة.
ففي بلد يعاني من انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي (أكثر من 40 ٪)، وانهيار في القدرة الشرائية (60 ضعفاً)، وتآكل في مؤسسات التعليم والعمل، أصبحت الهجرة آلية تصحيح فردية لعجز جماعي. الشباب لا يغادرون بحثاً عن فرص أفضل فحسب، بل هرباً من اقتصاد لم يعد قادراً على تحويل التعليم إلى عمل، ولا العمل إلى كرامة اجتماعية، ولا الجهد الفردي إلى أفق مستقبلي.
لذلك، تشكّل الهجرة اليوم أحد أخطر أعراض الأزمة اللبنانية منذ العام 2019: أزمة لم تُفرغ المصارف فقط، بل تُفرغ المجتمع من طاقاته الأكثر إنتاجية.
هذا الرقم الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، لا يعكس مجرد حركة تنقّل عادية، بل يؤشر إلى هجرة دائمة متصاعدة، تطال بشكل أساسي الشباب وأصحاب الكفاءات، في بلدٍ لا يتجاوز عدد سكانه المقيمين بضعة ملايين.
لكن هذه الموجة ليست حدثاً معزولاً، بل هي ذروة مسار بدأ مع اندلاع الأزمة الاقتصادية في أواخر العام 2019، حين دخل لبنان في واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخه الحديث.
من أزمة مالية إلى هجرة بنيوية منذ عام 2019، تحوّلت الهجرة من ظاهرة اجتماعية مألوفة في لبنان إلى خيار شبه قسري. ففي السنوات التي سبقت الأزمة، كانت الهجرة غالباً موسمية أو دورية، مرتبطة بتحسين الدخل. أما بعد الانهيار المالي، وانفجار مرفأ بيروت، وتفكك مؤسسات الدولة، فقد أصبحت الهجرة استراتيجية نجاة طويلة الأجل.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 200 ألف لبناني غادروا بين 2019 و2023، نصفهم تقريبًا من أصحاب الشهادات العليا والمهارات المتخصصة. ومع كل سنة تمرّ، لم تتباطأ الوتيرة، بل ازدادت انتظاماً، وكأن البلاد دخلت في نظام تصدير دائم لرأس مالها البشري.
فجوة قاتلة: خريجون بلا اقتصاد
الأخطر في هذه المعادلة لا يكمن فقط في عدد المهاجرين، بل في تركيبتهم. فلبنان يخرّج سنوياً ما بين 39 و43 ألف طالب جامعي من جامعاته الرسمية والخاصة. في المقابل، لا يخلق الاقتصاد اللبناني سوى نحو 4 آلاف فرصة عمل جديدة سنوياً في أفضل التقديرات. يعني ذلك أن أكثر من 35 ألف شاب وشابة يدخلون سنوياً إلى سوق عمل عاجز عن استيعابهم. البطالة المقنّعة، أو العمل غير اللائق، أو الهجرة، تصبح الخيارات شبه الوحيدة.
في هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن “هجرة طوعية”، بل عن فشل هيكلي في تحويل التعليم إلى قيمة اقتصادية داخلية.
هل تعوّض تحويلات المغتربين هذه الخسارة؟
غالباً ما يُقدَّم ارتفاع تحويلات المغتربين كـ"خبر إيجابي" يخفف من وقع الأزمة. صحيح أن هذه التحويلات: تؤمّن الحد الأدنى من الاستهلاك، تدعم آلاف العائلات وتساهم جزئيًا في استقرار سعر الصرف لكنها في الوقت نفسه، لا تخلق وظائف ولا تنقل معرفة ولا تبني مؤسسات ولا تعوّض خسارة الأطباء، والمهندسين، والأساتذة، وروّاد الأعمال.
بعبارة أوضح، التحويلات تُبقي المجتمع على قيد الحياة، لكنها لا تُبقي الدولة قابلة للحياة. وهي تكرّس اقتصاداً ريعياً يعتمد على الخارج بدل أن ينتج في الداخل.
الهجرة كتصويت ضد الدولة
حين يهاجر هذا العدد من الشباب، فنحن لا نواجه فقط مشكلة اقتصادية، بل أزمة ثقة شاملة. فالهجرة هنا ليست رفضاً للبلد، بل رفضاً لغياب الدولة: غياب القضاء المستقل، غياب الاستقرار السياسي، غياب أي أفق مهني أو اجتماعي. الهجرة حينها، تتحوّل إلى استفتاء صامت تخسره السلطة السياسية القائمة.
خطوات أولية قبل فوات الأوان
لا يمكن وقف الهجرة بالشعارات، لكن يمكن إبطاء النزيف عبر خطوات أولية واقعية:
- تأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي
- سياسات نقدية شفافة، حماية الأجور، ودعم الفئات المنتجة لا الريعية.
- وقف انهيار التعليم العام والجامعي لأن انهيار التعليم هو الإعلان عبر دعم القطاعات القابلة للتصدير والتكنولوجيا والزراعة ذات القيمة المضافة.
- تحويل المغتربين من ممولين للاستهلاك إلى شركاء في الاستثمار الرسمي عن موجة هجرة مستقبلية.
- خلق فرص عمل منتجة لا وهمية. عبر أدوات واضحة وشفافة، لا عبر مناشدات عاطفية.
لكن كل ذلك يبقى ناقصاً من دون الشرط الأساسي: استعادة الثقة بالدولة وبمؤسساتها.
حين تُفرَّغ الطبقة الوسطى… ينهار المجتمع
لا يمكن قراءة موجة الهجرة الراهنة بمعزل عن التفكك التدريجي للطبقة الوسطى اللبنانية، التي شكّلت تاريخياً العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي. فالأزمة لم تكتفِ بإفقار الفئات الهشّة، بل سحبت الأرضية من تحت أقدام المعلمين، والموظفين، والمهنيين، وأصحاب الدخل الثابت، أي الفئة التي كانت تموّل التعليم، وتحافظ على الاستهلاك، وتنتج رأس المال البشري.
في هذا السياق، لم يعد التعليم رافعة للترقي الاجتماعي، بل أصبح عبئاً مالياً بلا عائد داخلي. آلاف العائلات تستثمر في تعليم أبنائها لا أملاً بسوق عمل محلي، بل كجواز عبور للهجرة. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: المجتمع يموّل تعليم شبابه، بينما يجني الخارج ثماره.
أما عدم المساواة، فقد تعمّق بشكل غير مسبوق. فبينما تملك فئات محدودة القدرة على التحوّط بالدولار أو بالعلاقات العابرة للحدود، تُترك الغالبية أمام خيارين قاسيين: الفقر أو الرحيل. وبهذا، تتحوّل الهجرة من فرصة فردية إلى آلية فرز اجتماعي، تُكافئ من يملك رأس المال وتُعاقب من يملك الكفاءة فقط.
لبنان لا يخسر فقط سكانه، بل يخسر مستقبله الاقتصادي. وكل سنة تمرّ دون معالجة جذرية، تجعل من الهجرة خياراً أكثر عقلانية من البقاء.
الهجرة لم تعد ظاهرة، بل أصبحت بنية موازية لدولة غائبة.
*عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان.




