لو كنت قاضياً اليوم!

30.12.2025
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم نديم مخيبر*

 تتالت في الفترة الأخيرة بعض التقارير الصحفية والندوات التي تناولت استقالة بعض القضاة والشكوى من بعض الظروف الخدماتية السائدة في قصور العدل والمحاكم.

وقد تبادر إلى ذهني بمعرض اطّلاعي على هذه التقارير، السؤال الآتي: لو كنت قاضياً اليوم، ماذا كنت أنا فاعلاً؟

وراودتني عندها الخواطر التالية:

أولاً:

لو كنت قاضياً اليوم، لما كنت استقلت بسببب الظروف الخدماتية السائدة في قصور العدل والمحاكم، وانعدام الخدمات الأساسية فيها من تدفئة ونظافة ومصاعد وتجهيزات، الخ …. الخ … لأن الشكاوى المذكورة ليست خاصة بالمراكز القضائية فقط، بل أنها تنسحب بشكل عام على جميع مراكز إدارات الدولة اللبنانية ما عدا القليل القليل منها، والقضاء هو جزء من الخدمة العامة ولا يجب ان يعتبر المنتسب إلى أي جهاز من هذه الخدمة، بما فيه القضاء، انه يجب ان يكون مستثنى من الحالة العامة السائدة في الوطن،

ثانياً:

لو كنت قاضياً اليوم لأحترمت خياري بالإنتماء إلى القضاء، ما دام ذلك ممكناً بالمطلق، حتى تتبدل قناعاتي التي كانت سائدة عند دخولي القضاء، او حتى يتعذّر تأمين حياة كريمة لي او لعائلتي: والاستقالة في هاتين الحالتين مبرّرة،

ولا يظنّن أحد من القضاة الجدد ان مرتّب القاضي كان يؤمّن له، حتى في الفترات الذهبية الماضية، رغد العيش. فكان أهلي عندما كنت قاضياً، يدفعون أقساط أولادي في المدارس الخاصة ، كما كانوا يؤمنون لعائلتنا الصغيرة المصاريف" الأكسترا" : سياراتنا و سفرنا احياناً و حتى استشفائنا (كان القاضي يستفيد حينئذً جزئيّاً من تقديمات تعاونية الموظفين أسوة بغيره) ، إذ لم يكن قد أُنشِأ حينذاك صندوق تعاضد القضاة، الذي يستفيد اليوم القضاة من تقديماته، والمموّل اساساً من طابع تعاضد الصندوق المذكور المخصص لتقديمات القضاة ، في استثناء صارخ لمبدأ شمولية الرسوم والضرائب، والذي قرّر القضاة المشرفون عليه زيادة رسمه ( ولا نعلم ان كان في ذلك تجاوزاً  لصلاحية فرض الضريبة او الرسم؟ ) ،

وكان القضاء يُشبّه في زمننا بالرهبنة: نتفادى المآدب والحفلات وحب الظهور. ونتفادى قبول الدعوات المختلفة. ونرفض الهدايا من غير العائلة اللصيقة حتى في المناسبات. ونمتنع عن ارتياد الأندية الليلية حتى الراقية منها، ومن إظهار علامات الثراء، حتى لو كان القاضي ينتمي إلى عائلة ثرية، وتتفادى زوجته ( ونذكر زوجة القاضي ولا نذكر القاضية لأن القاضيات كنّ نادرات حينئذٍ: اثنتان او ثلاثة فقط) التباهي بحمل الحقائب "السينييه " حتى لو كان ذووها الميسورون ماديّاً اهدوها اليها!

فأين أكثرية قضاة اليوم من هذه "المحظورات" التي التزم بها رضائيّاً اكثرية قضاة زمننا؟

ولا يظنّن أحد أيضاً ان القضاة في العالم الأول إجمالاً، يرتعون بالوفرة والترف: فلقد وقعت منذ مدة وجيزة في صحيفة "لو موند" الفرنسية على تقرير بشأن احدى القاضيات الفرنسيات التي تمارس عملها في احدى محاكم باريس والمضطرة إلى الإقامة فيها، يبلغ مرتّبها حوالي 2,300 يورو شهريّاً تحسم منها الضرائب، وتشكو أنها لا تستطيع إعالة نفسها لولا مساهمة والدها في نفقاتها الضرورية.

ثالثاً:

لو كنت قاضياً أليوم، لشملت ايضاً بمطالبتي بالإضافة إلى تحسين ظروف عمل القضاة في مراكزهم، لأسباب إنسانية ومهنيّة، تحسين مراكز التوقيف والسجن للمتهمين والمدانين، وذلك نظراً للاعتبارات الآتية:

  1. لأن نزلاء السجون والنظارات يعانون ظروفاً أسوأ بكثير من ظروف مراكز المحاكم وقصور العدل،
  2. لأن الموقوفين بشكل خاص وهم الذين لم تثبت ادانتهم بعد، يشكلون نسبة كبيرة من القابعين في السجون والنظارات،
  3. لأن ارتفاع عدد الموقوفين احتياطاً يرتبط بتأخر البت بملفات هؤلاء من قبل القضاة أنفسهم،
  4. لأن الارتفاع المذكور مرتبط ايضاً باعتماد النيابات العامة عل تقارير شفهية من المخافر (وغالباً ما تكون غير دقيقة وتغفل وقائع وأقوال للمتهم) تؤثر على تقرير القاضي باحتجاز المتهم،
  5. ولأن هذا الارتفاع مرتبط ايضاً بإسراف هذه النيابات ايضاً في استعمال حقها بهذا "الاحتجاز" كما تصفه المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، دون اقتصاره فقط على الجرائم الخطيرة كالإرهاب والايذاء الجسدي الخطر والخطف ….
  6. لأن القضاء لا يفرض في جميع الحالات تطبيق الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 47 أصول جزائية التي تلزم بان تكون "إجراءات الاستجواب او الاستماع إلى المشكو منه مصوراً بالصوت والصورة بدءاً من لحظة تلاوة عليه حقوقه المذكورة في هذه المادة عليه، على ان ترفق التسجيلات بمحضر التحقيقات الأولية تحت طائلة بطلان المحضر والإجراءات التابعة له "، وذلك مما يساعد في حسن استنساب ضرورة الاحتجاز او التوقيف،
  7. لأن القضاء عليه الواجب المعنوي والإنساني ان يطالب للمتعاملين معه، ونعني بهم الموقوفين والمسجونين، بالحد الأدنى من الظروف الإنسانية للاحتجاز، وذلك كما يطالب لنفسه بالحد الأدنى من الظروف المادية للقيام بعمله، خاصة ان القضاة لا يمضون في أماكن عملهم سوى ساعات قليلة يعودون بعدها إلى راحة منازلهم، بينما المحتجزون يمضون كل ساعات يومهم في أماكن احتجازهم،
  8. لأنه كما ضغط القضاة لاستصدار ما يسمّى بقانون اسستقلال القضاء، فقد حان الوقت لضغطهم ايضاً وبعد 24 سنة من حمل المجلس النيابي على تعديل  المادة 47 أصول جزائية في العام 2001 في ظروف معروفة ، لتعديل هذه المادة بشكل يريح القضاء الواقف (أي النيابات العامة)  ومن بعده قضاء الحكم الجزائي، من اكتظاظ الملفات الجزائية التافهة التي يمكن حلّها بعدالة اوفر لدى القضاء المدني عند الاقتضاء، وخاصة قضاء الأمور المستعجلة (كالخلافات حول الحقوق العقارية و حقوق المرور الخ) ، لأن بعض المدعين يلجأون  إلى الملاحقة الجزائية للضغط على خصمهم وأرغامه على الإذعان لهم كي يتلافى هذا الأخير الذهاب إلى المخافر والاهانات والانتظار الممل فيها واحياناً كثيرة الاحتجاز دون فائدة ، بينما يُكتفى بالمقابل بالحكم على الشاكي المفتري بعد سنين عديدة بغرامة غير رادعة.

رابعاً:

لو كنت قاضيا اليوم، لما كنت توسّلت أي مرجع، سواء كان عدلياً، او ادارياً، او سياسياً، او طائفياً، لتعييني او نقلي او تكليفي بإحدى اللجان التي تحسّن دخلي الشهري، لأن مقابل التوسّل إرتهان، وعذاب للضمير عندما سأُضطرُّ عاجلاً أم آجلاً لمسايرة مصالح الذي أحسن إليّ او مصالح من يخصّه!

وأقول في الختام، لو كنت قاضياً اليوم، واستطعت الالتزام بما سبق ذكره من سلوك، لما استقلت.

لكنني أتساءل: هل كنت أستطعت؟

لو كنت استطعت، لكنت استمرّيت، لأن القضاء يجب ان يُنظر اليه كرسالة، وليس كوظيفة مريحة و "ربّيحة".

أمّا لو كنت قاضياً اليوم، ولم أستطع، لكنت استقلت!

ولكن بصمتٍ وخفرٍ ودون ضجيج!

                                                                      * قاضٍ سابق