لبنان 2026 بين خرائط النفوذ وخارطة الإنقاذ:
دولة تحت الاختبار واقتصاد يدفع الثمن

29.12.2025
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. خالد عيتاني*

لم يعد سؤال لبنان اليوم: هل ينبغي أن يكون السلاح بيد الدولة؟ فهذا سؤال محسوم نظريًا في الدولة الحديثة، ومكرّس منذ اتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة، ولم يعد موضع نقاش دستوري أو قانوني. السؤال الحقيقي صار أكثر تعقيدًا وعمقًا، وربما أكثر إلحاحًا وخطورة: كيف تُستعاد السيادة كقدرة تنفيذية لا كشعار، في دولةٍ تتقاطع فوقها خرائط ردع إقليمية، وتُضغط من الخارج بروزنامة أمنية صارمة، بينما اقتصادها ينهار، ومؤسساتها تتآكل، وثقة الداخل والخارج بها تتبدّد؟

في الدول التي نجحت في عبور أزماتها، كانت السيادة أداة حماية للاقتصاد. أمّا في لبنان، فقد انقلبت المعادلة: غابت السيادة التنفيذية فانهار الاقتصاد، ثم تحوّل الانهيار نفسه إلى عائق أمام أي مسار سيادي. وكما قال الاقتصادي جوزيف ستيغليتز، "الأسواق لا تعاقب الدول لأنها فقيرة، بل لأنها غير قابلة للتنبؤ". ولبنان اليوم، في نظر الأسواق والمؤسسات الدولية، دولة غير قابلة للتنبؤ، لا بسبب نقص الموارد أو الكفاءات، بل بسبب فجوة دائمة بين ما يُقال وما يُنفَّذ.

منذ عام 2023، ومع اندلاع حرب غزة واتساع ارتداداتها الإقليمية، عاد لبنان إلى واجهة الحسابات الدولية لا بوصفه دولة بحاجة إلى تعاطف، بل بوصفه نقطة تماس قد تُفجّر مسارًا إقليميًا أوسع إذا انفلتت. ومع وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، انتقلت المقاربة الدولية من إدارة التصعيد إلى إدارة "اليوم التالي"، وهنا دخل لبنان مرحلة الاختبار الحقيقي. فالولايات المتحدة، التي تعمل منذ 2024 على بلورة خارطة طريق إقليمية جديدة للمنطقة، لا تنظر إلى لبنان كملف معزول، بل كجزء من هندسة أمنية–اقتصادية أوسع تهدف إلى تثبيت التهدئة، وضبط الجبهات المفتوحة، وتأمين استقرار شرق المتوسط، وحماية مسارات الطاقة والملاحة.

إيجابيًا، ترى واشنطن أن قيام دولة لبنانية قادرة على احتكار السلاح يخفّف احتمالات الحرب، ويفتح الباب أمام دعم منظّم للجيش والمؤسسات، ويُعيد إدماج لبنان تدريجيًا في النظام المالي الدولي. لذلك طُرحت خلال عام 2025 مقاربة مرحلية ربطت بين انتشار الجيش، وضبط السلاح غير الشرعي، وتخفيف الخروقات، مع وعود بدعم مشروط. غير أن الجانب السلبي في هذه المقاربة يتمثّل في اعتماد منطق الاختبار لا الشراكة: لا ضمانات مسبقة، ولا تخفيف فعلي للمخاطر السيادية، ولا فتح واسع لمسارات الاستثمار، قبل رؤية نتائج ملموسة. وهكذا بقي الاقتصاد اللبناني معلّقًا بين الانهيار المؤجَّل والنهوض المؤجَّل، وهو أسوأ وضع يمكن أن يعيشه اقتصاد هشّ.

في المقابل، ما تريده إسرائيل من لبنان سلبي بالكامل من منظور بناء الدولة. فهي لا تتعامل مع لبنان ككيان سيادي شريك في ترتيبات متوازنة، بل كساحة يجب إبقاؤها ضعيفة، مكشوفة، وغير قادرة على فرض قواعد اشتباك مستقلة. استمرار الخروقات بعد وقف إطلاق النار، وتصاعد الضربات كلما طُرح الحديث عن مراحل لضبط السلاح، يعكسان استراتيجية تهدف إلى إبقاء مستوى المخاطر مرتفعًا. اقتصاديًا، لا تقل هذه السياسة خطورة عن الحرب المباشرة، إذ تُعطّل إعادة الإعمار، وترفع كلفة التأمين، وتجمّد الاستثمار، وتُكرّس صورة لبنان كبيئة غير قابلة للتنبؤ. وكما يُقال في الاقتصاد السياسي، فإن عدم اليقين بحد ذاته هو شكل من أشكال العقاب.

أما إيران، فتعاملها مع لبنان لا يقل سلبية على مستوى بناء الدولة، وإن اختلفت الأدوات. فلبنان، في الاستراتيجية الإيرانية، ليس اقتصادًا يجب إنقاذه، بل وظيفة ردع متقدمة ضمن صراع أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. دعم سلاح حزب الله يمنح طهران ورقة تفاوض دائمة، لكنه يربط لبنان بمسارات تفاوض لا يشارك فيها، وبعقوبات لا يملك قرارها، وبمخاطر سيادية تُترجم فورًا في سعر العملة، وفي عزلة القطاع المصرفي، وفي إحجام المستثمرين. وكما قال توماس فريدمان، "الدول التي تُستخدم كساحات صراع نادرًا ما يُسمح لها بأن تكون قصص نجاح اقتصادي".

بين هذه المحاور، تتحرك المقاربة العربية-ولا سيما الخليجية- مغاير: لبنان كدولة يجب أن تعود، لا كساحة تُدار. الدعم العربي اليوم ليس سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا بامتياز: لا استثمار دون استقرار، لا إعمار دون قرار مركزي، ولا عودة للرساميل دون حصرية واضحة للسلطة. وهذا ما يفسّر لماذا لم تعد الخطابات السيادية كافية لإقناع العواصم العربية أو الأسواق، في ظل غياب خطوات تنفيذية ملموسة.

داخليًا، شهد عام 2025 تصعيدًا في الخطاب الرسمي. دعا رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى حصرية السلاح بيد الدولة، وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن السيادة تُستكمل بالقوى الذاتية، فيما شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أولوية وقف الاعتداءات. غير أن الاقتصاد لم يتفاعل مع هذه الأقوال. الليرة لم تتحسن، الاستثمار لم يعد، والقطاع المصرفي بقي معطّلًا. لأن الأسواق، كما يقول آلان غرينسبان، "لا تصدّق الخطابات، بل تراقب السلوك".

الأخطر من ذلك أن هذا التباين بين الخطاب والفعل انعكس مباشرة على اللبنانيين في الداخل والخارج، الذين علّقوا آمالًا كبيرة على خطاب القَسَم وعلى تشكيل حكومة وُصفت، في بداياتها، بأنها حكومة منسجمة "تقرأ من كتاب واحد"». غير أن هذه الآمال ما لبثت أن تحوّلت إلى إحباط واسع، حين بدا واضحًا أن وحدة الخطاب لا تُترجم وحدة قرار، وأن كل وزير يعود، عند لحظة التطبيق، إلى مدرسته السياسية ومرجعيته الخاصة، لا إلى برنامج حكومي جامع. فبقيت الفجوة المالية بلا معالجة جدية، وتأجلت أي خطة واضحة لإعادة الودائع، وتحوّلت حقوق المودعين إلى ملف مؤجَّل بلا أفق زمني، ما عمّق شعور اللبنانيين بأن الدولة ما زالت عاجزة عن حماية أبسط حقوقهم الاقتصادية.

أما اللبنانيون في الاغتراب، الذين انتظروا إشارات فعلية تشجّعهم على العودة أو الاستثمار أو حتى إعادة وصل ما انقطع مع الدولة، فقد تلقّوا رسائل معاكسة. فبدل أن يُفتح البرلمان كنقطة ارتكاز للدولة والمؤسسات، استمر التعامل معه كأداة سياسية تُفتح أبوابه وتُغلق وفق الحسابات والاعتبارات، لا وفق الحاجة الدستورية أو المصلحة العامة. هذا السلوك لم يُضعف فقط ثقة اللبنانيين المقيمين، بل أصاب ثقة المنتشرين في الصميم، وأعاد تكريس الانطباع بأن القرار العام ما زال رهينة إرادات فردية، وأن الدولة لم تنتقل بعد من منطق الإدارة السياسية إلى منطق الحكم المؤسسي.

وهكذا، لم يعد الإحباط شعورًا نفسيًا عابرًا، بل تحوّل إلى عامل اقتصادي ضاغط: تراجع في التحويلات طويلة الأمد، إحجام عن الاستثمار، وتزايد القناعة لدى فئات واسعة من اللبنانيين في الداخل والخارج بأن التغيير الموعود لم يتجاوز حدود الخطاب. وفي اقتصاد هشّ كاقتصاد لبنان، فإن فقدان الأمل لا يقل خطورة عن فقدان السيولة، لأن كليهما يسرّع الانكماش ويُبقي الدولة عالقة في دائرة الانتظار.

من هنا، يصبح الحل الواقعي ليس في نزع فوري ولا في إبقاء دائم للوضع القائم، بل في مسار تراكمي ذكي يحوّل السيادة من عبء سياسي إلى أداة إنقاذ اقتصادي. كل خطوة أمنية يجب أن تقابلها فائدة اقتصادية مباشرة: انتشار الجيش يُقابله برنامج إعادة إعمار مموّل، وضبط السلاح يتزامن مع خفض الخروقات، وبسط سلطة الدولة على الحدود يُترجم فتحًا تدريجيًا للاستثمار العربي والدولي. وكما قال جون ماينارد كينز، "في المدى الطويل نكون جميعًا أمواتًا، لكن في المدى القصير تُصنع الكوارث أو تُمنع"، ولبنان لم يعد يملك ترف الانتظار.

استشرافًا، تقف البلاد أمام ثلاثة مسارات حتى ما بعد 2026: استمرار إدارة الانهيار، بما يعنيه ذلك من اقتصاد رمادي ودولة شكلية؛ أو تصعيد أمني ينسف ما تبقى من مقومات النهوض؛ أو تسوية تراكمية شاقة تجعل من السيادة شرطًا للنمو لا شعارًا للصراع، وتعيد تعريف وظيفة لبنان كدولة استقرار لا كساحة ردع في صراعات الآخرين.

الخلاصة أن لبنان لا يحتاج إلى خطاب أعلى صوتًا، بل إلى عقل سياسي–اقتصادي يربط الأمن بالاستثمار، والسيادة بالثقة، والقرار بالفعل. فالسيادة لا تُستعاد ببيان، ولا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عندما تتحوّل الدولة من ساحة اختبار للآخرين إلى فاعل مسؤول عن مصير اقتصاده ومجتمعه. وفي بلدٍ دفع ثمن الفساد والتردّد طويلًا، بات واضحًا أن الاقتصاد والعمل المؤسسي هي الحكم النهائي: إمّا أن يصدّق الدولة، أو يدينها بالصمت والانسحاب.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية