ميناء مبارك الكبير:
رهان الكويت الاستراتيجي
على اقتصاد الموانئ والتجارة الإقليمية

28.12.2025
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

فيصل أبو زكي

يمثل توقيع عقد تطوير ميناء مبارك الكبير لحظة مفصلية في المسار الاقتصادي للكويت، كونه يمثل خياراً استراتيجياً يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية اقتصاد الموانئ في عالم يُعاد فيه تشكيل التجارة وسلاسل الإمداد. فالحدث يتجاوز البعد الإنشائي ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بدور الكويت المستقبلي في خرائط النقل الإقليمي، وقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي من ميزة كامنة إلى رافعة اقتصادية فعلية تساهم في جهود التنويع التي تسعى اليه الكويت كما بلدان الخليج الاخرى.

يأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، فالمنطقة تشهد سباقاً محموماً على اجتذاب التجارة العابرة، والموانئ لم تعد مجرد بوابات لعبور البضائع، بل تحولت إلى منصات اقتصادية متكاملة ترتبط بالصناعة والخدمات اللوجستية والتمويل والتكنولوجيا. في هذا السياق، يبدو ميناء مبارك الكبير محاولة كويتية لإعادة التموضع داخل هذه المنظومة المتغيرة التي تمكنت بعض البلدان الخليجية من بناء تفوق تشغيلي مبكر فيها.

قاطرة التنويع

اقتصادياً، يندرج الميناء ضمن مسعى أوسع لتنويع القاعدة الإنتاجية للكويت وتقليص الاعتماد على النفط. فالموانئ الحديثة تُقاس اليوم بقدرتها على خلق قيمة مضافة مستدامة، من خلال جذب الاستثمارات، وتوليد الوظائف، وتحفيز القطاع الخاص، وربط الاقتصاد المحلي بسلاسل التجارة العالمية. وإذا ما أُحسن تطوير ميناء مبارك وتشغيله ضمن منظومة متكاملة، فإنه قادر على إضافة قطاع لوجستي حيوي إلى معادلة النمو الكويتي، يقوم على التجارة الإقليمية والخدمات المتقدمة.

غير أن الأهمية الأعمق للميناء تتجلى في موقعه الجغرافي. فوجوده في جزيرة بوبيان، في أقصى شمال الخليج، يضعه على تماس مباشر مع العراق وإيران، وقريباً من طرق برية محتملة تربط الخليج بتركيا وأوروبا. هذا الموقع يمنح الكويت فرصة للتحول إلى نقطة وصل بحرية-برية للأسواق غير الساحلية في شمال الخليج، شريطة أن يُستكمل ذلك ببنية ربط فعالة وتشريعات مرنة ونموذج تشغيلي واضح.

مصدر الخريطة: معهد دول الخليج العربية في واشنطن

امكانات التكامل مع طريق التنمية العراقي

وفي هذا الإطار، تبرز العلاقة المحتملة بين ميناء مبارك الكبير وطريق التنمية العراقي بوصفها علاقة قابلة للتكامل أكثر منها محكومة بالتصادم. فالتفاوت في الجاهزية المؤسسية والقدرة التنفيذية بين الكويت والعراق يفتح المجال لنموذج مرحلي يقوم على توزيع الأدوار، حيث يمكن لميناء مبارك أن يشكل منصة لوجستية متقدمة تخدم حركة التجارة المتجهة إلى العراق أو الخارجة منه، في الوقت الذي لا يزال فيه طريق التنمية في مراحل التطوير والبناء. هذا التكامل يمكن أن يوفر للعراق مرونة تشغيلية إضافية ويخفف الضغوط عن مساراته الناشئة، ويمنح المشغلين والمستثمرين قدراً أعلى من اليقين في المدى القصير.

وعلى المدى الأبعد، لا يستبعد هذا السيناريو إمكانية تطور التكامل إلى مستوى أعمق. فإذا ما نضج طريق التنمية وتحول إلى ممر بري رئيسي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، يمكن لهذا المسار أن يشكل الامتداد الطبيعي للتدفقات التي تمر عبر ميناء مبارك، ضمن شبكة إقليمية مترابطة تعزز مرونة سلاسل الإمداد وتعيد توزيع الأدوار بين البحر والبر. في هذه الحالة، يتحول شمال الخليج من ساحة تنافس بين مشاريع متوازية إلى عقدة لوجستية متعددة الخيارات، تستفيد منها الكويت والعراق معاً.

بوابة الى السعودية

وإلى جانب بعده العراقي والدولي، تبرز إمكانية أن يلعب ميناء مبارك الكبير دوراً أوسع بوصفه بوابة شمالية إلى السعودية وبلدان خليجية أخرى، في حال استكمال مشروع السكة الخليجية الموحدة الذي تعمل دول مجلس التعاون على تطويره. فربط الميناء بشبكة سكك حديدية خليجية عابرة للحدود من شأنه أن ينقل دوره من ميناء يخدم نطاقاً جغرافياً محدوداً إلى عقدة لوجستية إقليمية قادرة على تغذية أسواق خليجية كبرى، وفي مقدمتها السوق السعودي لذي يعتبر الأكثر حجماً وتأثيراً، خصوصاً وان هناك مشروع ربط سككي بين الكويت والسعودية يمتد من الكويت الى الرياض بطول 650- 700 كلم يُتوقع البدء في تنفيذه في العام 2026  وانجازه بحلول عام 2030. هذا الربط المتعدد يفتح المجال أمام مسارات جديدة لتدفقات البضائع القادمة من آسيا وأوروبا عبر شمال الخليج، حيث يتم تفريغها في ميناء مبارك ثم نقلها براً إلى العمق الخليجي بكلفة أقل ومرونة أعلى مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة داخل الخليج. كما أن هذا الدور المحتمل يعزز منطق التكامل داخل المنظومة الخليجية نفسها، حيث تتحول الموانئ من وحدات متنافسة إلى نقاط متخصصة ضمن شبكة واحدة، ويمنح الكويت فرصة استراتيجية لإعادة ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين شمال الخليج ووسطه، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن مشاريع الربط التي تعيد رسم الخريطة اللوجستية للمنطقة.

المؤكد أنه لا يمكن اختزال توقيع عقد تطوير ميناء مبارك الكبير في كونه إنجازاً إدارياً أو إنشائياً، بل اختباراً لقدرة الكويت على التفكير الاستراتيجي طويل الأمد، وعلى استثمار الجغرافيا والمؤسسات والجاهزية التنفيذية والقدرات المالية في بناء دور اقتصادي راسخ والمضي قدماً في تنويع الاقتصاد وتخفيف الاعتماد على النفط كمورد اساسي للايرادات. كما أنه يضع المشروع ضمن سياق إقليمي أوسع، حيث  تُقاس الجدوى بقدرة المشروع على الاندماج الذكي في منظومة الموانئ والممرات التجارية التي يعاد تشكيلها في المنطقة.