د. خالد عيتاني*
منذ 17 تشرين الأول 2019 لم تعد الأزمة المالية في لبنان مسألة أرقامٍ وخطط تعافٍ تُعرض في المؤتمرات ثم تُنسى في الأدراج. تحوّلت إلى امتحانٍ أخلاقي–قانوني–سياسي مكشوف: من يدفع الكلفة؟ ومن يُحاسَب؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة إذا كانت الثقة أصلًا هي أول ما انهار؟ والأخطر أن بعض من يطلب من الناس الصبر، لا يطلب صبرًا فعليًا بقدر ما يطلب نسيانًا منظّمًا للمسؤوليات. وكما قال الاقتصادي جوزيف ستيغليتز: “When trust breaks down, laws alone cannot save an economy” عندما تنهار الثقة، لا تعود القوانين وحدها قادرة على إنقاذ الاقتصاد.
اليوم، يعود الاشتباك إلى واجهة النقاش مع مشروع قانون “إعادة التوازن للانتظام المالي”، ومعه الجدل حول المادة 113 من قانون النقد والتسليف، وحول عبارة “الفجوة المالية” التي يخشى كثيرون أن تُستخدم كمصطلحٍ مرن لتذويب المسؤوليات بدل تثبيتها. هذا الجدل ليس نظريًا. إنه يحدّد ما إذا كان لبنان ذاهبًا نحو إصلاحٍ يردّ الحقوق ويمنع تكرار الجريمة، أم نحو “هندسة خسائر” تُقدَّم بعبارات ناعمة وتُطبَّق بيدٍ قاسية.
وفي الاقتصاد كما في السياسة، من يملك حق تعريف المصطلح يملك ضمنًا حق تقرير من يُردم فوقه.
في جوهر المسألة تقف روايتان تتصارعان على العنوان نفسه: استعادة الودائع. لكنهما تختلفان جذريًا على الطريق. المودعون ومن يدافع عنهم يرون أن أصل الأزمة هو توزيع الخسائر، وأن أي مشروع لا يبدأ بمحاسبة الثلاثي: الدولة، مصرف لبنان، المصارف هو مشروعٌ يكتفي بتبديل أسماء الخسائر لا أكثر. هم يرفضون أن تُدفع الفاتورة عبر “هيركات مقنّع” أو عبر تحويل الودائع إلى أسهم في مصارف متعثرة، لأن النتيجة واحدة: نقل الخسارة من ميزانيات المؤسسات إلى جيوب الناس بغطاء “تقني”، وتثبيت منطق الإفلات من المسؤولية.
وهنا تصح عبارة جون ماينارد كينز: “The avoidance of responsibility is the true moral hazard.” "الهروب من المسؤولية هو الخطر الأخلاقي الحقيقي". فالتقنية التي تُستخدم لتبرير الظلم ليست إصلاحًا… بل تسويقًا للخسارة.
في المقابل، تتقدم رواية المصارف ومن يؤيد تطبيق المادة 113 باعتبارها نصًا “واضحًا”: إذا وقع العجز لدى مصرف لبنان ولم تكفِ الاحتياطات، فعلى الخزينة تغطية الخسارة. ويُستعاد هنا منطق “الأكثر أمانًا”: المصارف أودعت لدى المركزي بوصفه مركز الثقل في النظام النقدي، وبوجود ضمانة قانونية تُفهم منها مسؤولية الدولة عن خسائر مصرفها المركزي، كما هو شائع في أنظمة كثيرة. ويُضاف إلى ذلك طرحٌ اقتصادي يقول إن الدولة لا تفلس لأنها تملك موارد وقطاعات منتجة كالكهرباء والخليوي والمرافئ وغيرها، وأن المطلوب ليس بيع الأصول بالضرورة، بل تحسين إدارتها واستثمارها لتوليد إيرادات تساهم في مسار التعويض.
لكن الدولة التي “لا تفلس” نظريًا قد تُفلس مجتمعًا حين تُدار الموارد بعقلية المحاصصة نفسها، وحين تتحول الأصول العامة إلى غنائم في سوق النفوذ بدل أن تكون مصدرًا للإنقاذ. هنا يصبح الكلام عن “الإدارة” بلا حوكمة مجرد قناع جديد للنهب القديم.
لكن تحت سطح هاتين الروايتين ينفجر سؤال الثقة بوصفه الامتحان الأكبر: متى سيستعيد الناس أموالهم؟ لا أجوبة حاسمة. وكيف سيتم السداد؟ في ظل شح السيولة وانهيار الأصول وضعف الإنتاج، تبدو الآليات المقترحة-في نظر شريحة واسعة-غير واقعية أو ملتبسة. هنا تتغذّى الشكوك الشعبية من المسافة بين خطاب “قدسية الودائع” وبين واقع مشاريع قوانين تُقرأ كأنها تُعيد صياغة “القدسية” بشروط قابلة للتأويل، أو تؤجل الحق عبر الزمن إلى حدّ يتحول فيه التعويض إلى إنكارٍ بطيء.
والحق المؤجَّل بلا معيار زمني ليس “حلًا تدريجيًا”، بل هو غالبًا إنكارٌ متقن. وكما قال فريدريك باستيا: “When plunder becomes a way of life, men create for themselves a legal system that authorizes it.” "حين يصبح السلب أسلوب حياة، يصنع الناس لأنفسهم نظامًا قانونيًا يشرّعه.".
هذا التوتر يتضاعف بفعل الانقسام السياسي والشعبي. سياسيًا، يظهر الانقسام حتى داخل السلطة نفسها، بما يعكس تضارب مصالح قوى مرتبطة بالقطاع المصرفي وبمراكز القرار المالي. وشعبيًا، يترسّخ خوفٌ واسع من أن يتحول القانون إلى “براءة ذمة” للمنظومة المالية والمصرفية، وإلى عفو مقنّع عن الجرائم المالية، عبر تثبيت مقاربة تضع المودع في مواجهة الدولة، فيما تُستثنى المصارف من مسؤولياتها التعاقدية تجاه المودعين.
والمفارقة القاتلة أن تحويل المودع إلى خصم للدولة يفتح باب صراع اجتماعي طويل، بينما يخرج الفاعلون الحقيقيون من المشهد كأن شيئًا لم يكن.
وعند هذه النقطة تحديدًا تصبح المادة 113 قلب العاصفة: هل هي حلّ أم فخ؟ المؤيدون يستندون إلى أن النص يتحدث صراحة عن تغطية الخسارة من الخزينة عند عدم كفاية الاحتياط العام. ويضيفون أن علاقة الدولة بمصرف لبنان ليست علاقة “جهة بعيدة”، بل علاقة عضوية وتشابك مؤسساتي وفق قانون النقد والتسليف: تعيين الحاكم وأدوار وزارة المالية ومفوض الحكومة وعضويات رسمية في المجلس المركزي… إلى آخره. ويُستحضر منطق “المساهم الأوحد”: الدولة استفادت تاريخيًا من أرباح المركزي وتوزيعاته، وبالتالي تتحمل خسائره عند العجز. ومن هذا المنطلق يطرح بعض المؤيدين إمكان تجنّب القصّ المباشر للودائع عبر استثمار أصول الدولة وإدارة مواردها بكفاءة وإنشاء صندوق لاسترداد الودائع (Deposit Recovery Fund) تموله الإيرادات، لا البيع العشوائي. لكن المشكلة ليست في فكرة الصندوق بحدّ ذاتها، بل في سؤالٍ واحد: من يضمن ألا يتحول “الصندوق” إلى صندوق نفوذ جديد، يدار بالصفقات نفسها، وبالمنطق نفسه، وبالشفافية نفسها التي أوصلتنا إلى هنا؟
غير أن المعارضين لتوسيع تطبيق المادة 113 كما يُطرح يضعون سلسلة محاذير لا يمكن القفز فوقها. أولها الدستور وقواعد المالية العامة: مبدأ سنوية الموازنة وما يستتبعه من رفض تسجيل دين عام “بمفعول رجعي” أو فرض أعباء على الخزينة لم يوافق عليها ممثلو الشعب مسبقًا. وتُستعاد هنا المادة 88 من الدستور التي تشترط صدور قانون لأي قرض عمومي أو تعهد يرتب إنفاقًا من مال الخزانة، ما يعني أن أي “ديون” يدّعيها المركزي على الدولة يجب أن تقوم على اتفاقيات وقوانين مصدّق عليها وفق الأصول، وإلا بقيت موضع نزاع دستوري وقانوني. ثم تأتي مبادئ الصدقية والشمول والوحدة في الموازنة لضرب محاولة إدخال التزامات ضخمة خارج الأطر الرقابية والشفافية التي تجعل المحاسبة فعلًا لا شعارًا.
والأشد خطورة أن تحويل أخطاء محاسبية أو سياسات نقدية فاشلة إلى ديون سيادية ليس اجتهادًا قانونيًا، بل هو تسييس للدفاتر ومحاولة لإنتاج شرعية متأخرة لما لا شرعية له.
ثاني المحاذير هو خطر تحويل المادة 113 إلى مسار إنقاذٍ خارجي (bail-out) للمصارف على حساب الناس والدولة، بدل إنقاذٍ داخلي(bail-in) يحمّل المساهمين والإدارات مسؤولية ما صنعوه—وهو منطقٌ كرسته تجارب وتشريعات ما بعد أزمة 2008 في أوروبا عبر قواعد تُقدّم المساهمين ثم الدائنين في تحمّل الخسائر قبل أن تُستدعى أموال دافعي الضرائب. وفي لبنان، يصبح الخطر أشد حين تؤدي المقاربة إلى وضع المودع في مواجهة الدولة، فتُقلب تراتبية المسؤوليات، ويُستبدَل النزاع مع المصارف بنزاعٍ اجتماعي مع الدولة والمكلفين، بينما تتراجع مساءلة المصارف والمصرفيين.
وكما قال توماس بيكيتي: “Public debt should never be the refuge of private irresponsibility.” «"لا يجوز أن يكون الدين العام ملجأً لعدم مسؤولية القطاع الخاص.".
وثالث المحاذير يتصل بجذر المخاطرة: توصيف جزء من هذه التوظيفات-حين تتم “طوعًا” وبما يتخطى الاحتياطي الإلزامي طمعًا بعوائد مرتفعة-على أنها تحمل سمات الدين البغيض (Odious Debt) أو التمويل عالي المخاطر، بما يجعل ترحيلها تلقائيًا إلى دافع الضرائب أمرًا شديد الخطورة. ومعه يبرز تحذيرٌ من تهديد الأصول العامة: ربط رد الودائع بخصخصة الأصول أو تلزيم إدارتها في بيئة فساد ومحاصصة قد يعني التفريط بإرث الأجيال المقبلة، لا حماية حقوق المودعين. ويزداد المشهد تعقيدًا مع خطر “التشابك والحجز”: فإذا اعتُمد تحميل الدولة ديون المركزي بصورة تؤكد تشابكًا قانونيًا وماليًا، قد يفتح ذلك الباب أمام مساعي دائنين خارجيين (مثل حملة اليوروبوندز) للحجز على أصول مصرف لبنان-ذهبًا أو أسهمًا أو غيرها-فتتبدد ما تبقى من ضمانات. وعندها لا نكون أمام “خطة تعافٍ”، بل أمام فتح أبواب البلد على مزادٍ خارجي باسم القانون.
وهنا تحديدًا يفرض الواقع اللبناني شرطًا لا مفرّ منه: التمييز بين الودائع. لا يمكن أن تُعامل الودائع “النظيفة/الشرعية” مع ودائع مشوبة بفساد أو تهرب أو مصادر غير مشروعة كأنهما شيء واحد. أي حلّ يتجاهل هذا التمييز يتحول إلى مظلة لتبييض المسؤوليات، ويضرب العدالة التي هي أساس الاستقرار.
وسط هذا السجال، لا يمكن إغفال أن النقاش لا يجري في فراغ. لبنان لا يعيش في معزل مالي. الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، وما ينتج عنها من عدم يقين وتكاليف واستنزاف، تجعل أي خطة مالية بلا بيئة مستقرة خطةً هشّة. المال يحتاج أمنًا وحدودًا واقتصادًا حيًا. وإلا تحولت القوانين إلى نصوص بلا قدرة تنفيذية.
لا معنى لأي “إعادة توازن” فيما الأرض نفسها خارج التوازن.
أما نقطة الالتقاء الوحيدة بين الاتجاهات المختلفة-على تناقضها-فهي أن الثقة لا تُستعاد بتقنيات محاسبية فقط. الثقة تُستعاد بالحوكمة، وتطبيق الدستور والقوانين، واستقلال القضاء، ومكافحة التهرب والتهريب، وبإصلاح الدولة التي أنتجت الانهيار بقدر ما شاركت فيه المؤسسات المالية. وهذه ليست رفاهية. هي شرط صندوق النقد الدولي في كل مسار تعافٍ جدي: إطار واضح لتوزيع الخسائر، حماية صغار المودعين، واستدامة الدين العام ضمن خطة إصلاح شاملة تعالج جذور الأزمة لا مخرجاتها. “IMF” وهنا تصح عبارة آدم سميث: “Justice is the main pillar that upholds the whole edifice of society.” "العدالة هي العمود الذي يقوم عليه بناء المجتمع كله.".
ولأن “العودة إلى النقطة صفر” لم تعد خيارًا، ظهر في النقاش ما سُمّي بإطار لمعالجة الفجوة واستعادة الودائع-سواء عبر مشاريع قوانين أو مسودات حكومية-بمنطق يفرّق بين أحجام الودائع، ويطرح آليات سداد زمنية، ويستند إلى أصول المصرف المركزي وإيراداتها، مع حديث عن تدقيق دولي وضرائب أو إجراءات على تحويلات سابقة. هذا الطرح، وإن قُدّم كخطوة “عملية”، يظل معرضًا للانتقاد نفسه: الغموض، والعدالة، ومن يتحمل العبء، وهل يُصان حق الملكية أم يُعاد تعريفه تحت ضغط الاستثناء. “Reuter, 2”
وإذا كانت “العملية” تعني تمرير الخسائر بصمت، فهذه ليست عملية إنقاذ… بل عملية نقل منظّم للثروة من الضعفاء إلى الأقوياء.
في المحصلة، المشكلة ليست أن لبنان يفتقر إلى “قانون”. المشكلة أن لبنان قد يربح قانونًا ويخسر دولة. وقد يربح ورقة ويخسر ثقة. وقد يربح عنوان “إعادة التوازن” ويخسر توازن العدالة. لذلك لا بد من صيغة إنقاذ غير منحازة، لا تُلغي أي حجة لكنها تضع كل حجة في مكانها الصحيح: تثبيت التراتبية (Waterfall) بدل قلبها، تدقيق قانوني–دستوري لأي دين مزعوم على الدولة قبل تحميل الخزينة، حماية صغار المودعين بنص لا يحتمل التأويل، تمييز الودائع الشرعية عن غير الشرعية، إنشاء صندوق استرداد الودائع بشرط حوكمة صارمة تمنع البيع العشوائي وتضمن الرقابة المستقلة، وأخيرًا—وهذا مفتاح الثقة—جدول زمني مُلزم ومؤشرات أداء شفافة، لأن الحق المؤجَّل بلا معيار يتحول إلى إنكارٍ متقن.
التوصيات
- إقرار تراتبية المسؤوليات (Waterfall) بنص تشريعي صريح يقدّم المساهمين والإدارات والمستفيدين والأرباح غير الطبيعية والتحويلات المشبوهة على أي مساس بودائع الناس.
- عدم الاعتراف بأي التزام على الخزينة مرتبط بخسائر مصرف لبنان إلا بعد تدقيق قانوني ودستوري يثبت الأصول: اتفاقيات، قوانين مصدّق عليها، وقيود موازنية سليمة.
- حماية صغار المودعين بنصوص تمنع الهيركات المقنّع أو الإذابة الزمنية بلا تعويض عادل، وتفرض آليات دفع واقعية قابلة للتنفيذ.
- تمييز الودائع الشرعية عن غير الشرعية وربط أي تعويض عام بمعايير نزاهة مصدر الأموال، بما يحمي الودائع النظيفة ويمنع تبييض المسؤوليات.
- إنشاء صندوق استرداد الودائع (Deposit Recovery Fund) بتركيبة حوكمة مستقلة، ومحاسبة دورية، ومنع أي خصخصة/بيع عشوائي للأصول في بيئة الفساد.
- إطلاق مسار إصلاح الدولة (حوكمة، جباية، تهرب/تهريب، مؤسسات عامة منتجة، استقلال القضاء) كشرط لازم لأي استقرار مالي، لأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحدها لا تعيد الثقة.
- تحييد مخاطر “التشابك والحجز” عبر هندسة قانونية تمنع فتح الباب أمام إجراءات حجز على أصول مصرف لبنان في سياق نزاعات سيادية خارجية.
- ربط التعافي المالي بالاستقرار الأمني وخطط إدارة المخاطر، لأن القوانين لا تعيش في ظل حرب مفتوحة وعدم يقين مزمن.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




