فيصل ابوزكي
موازنة دبي للعام 2026 التي تم الاعلان عنها مؤخراً تتعدى صفة الإعلان المالي الدوري، لتبرز كوثيقة اقتصادية ترسم مسار التحول المقبل الذي تسعى الإمارة من خلاله إلى تثبيت مكانتها كواحدة من أهم ثلاث مدن اقتصادية في العالم. فاعتماد دورة الموازنة 2026-2028، بإجمالي نفقات يبلغ 302.7 مليار درهم (نحو 82.3 مليار دولار( وايرادات متوقعة بقيمة 329.2 مليار درهم (نحو 90 مليار دولار)، يعكس انتقال دبي من إدارة النمو إلى تشكيل المستقبل، ومن مجرد تمويل الخدمات العامة إلى تحويل الموازنة إلى أداة استثمارية استراتيجية لتحقيق الرؤية الطموحة والجريئة لاقتصاد الامارة.
ميزانية توسعية والرهان على البنى التحتية
تضمنت الميزانية المعلنة لعام 2026 زيادة ملحوظة في الإنفاق المخطط له بنسبة 15.4 في المئة ليصل الى 99.5 مليار درهم مقارنة مع 86.2 مليار في عام 2025. في حين قدرت الإيرادات بنحو 107.7 مليار، بما فيها 5 مليارات درهم كاحتياطي عام، ما يفترض تحقيق فائض بنحو 8.2 مليارات درهم إماراتي، أي بنسبة 1.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المقبل وفق أبحاث بنك الامارات دبي الوطني. كما تفترض الارقام المعلنة تحقيق فائض قدره 26.5 مليار درهم على مدى الثلاث سنوات الممتدة بين 2026 و 2028.

وتظهر الميزانية تركيزاً كبيراً في الإنفاق على البنى التحتية التي تستحوذ على 48 في المئة من الإنفاق المرصود لعام 2026، أي ما قيمته 47.8 مليار درهم، بزيادة كبيرة قدرها 20.4 في المئة عن ميزانية 2025. وحسب البيان الذي أصدرته حكومة دبي للإعلان عن الميزانية، ستذهب النفقات المخصصة للبنى التحتية لتمويل مشاريع طرقات وجسور وأنفاق والنقل العام وشبكات الصرف الصحي والطاقة المتجددة وإدارة النفايات. وتشير بعض المصادر بأن هناك حالياً مشاريع قيد التنفيذ في دبي بقيمة 114 مليار درهم. ويتماشى التوسع في الإنفاق على البنى التحتية مع هدف تحويل دبي الى إحدى المدن الرئيسية عالمياً وزيادة عدد السكان الى 5.8 ملايين مع حلول عام 2040 من نحو 4 ملايين حالياً. وتتضمن مشاريع البنى التحتية بناء خطوط جديدة للمترو. وكل هذه المعطيات تشير الى أن الموازنة المعلنة هي توسعية بكافة المقاييس وستساعد على تسريع النمو الاقتصادي في عام 2026 وما بعده.
تسارع النمو
يتزامن إطلاق الموازنة الجديدة مع تحقيق معدلات نمو قوية خلال عامي 2024 و2025. فقد سجل اقتصاد دبي نمواً بلغ 3.1 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024 بإجمالي ناتج محلي بلغ نحو 339.4 مليار درهم (نحوالي 92.2 مليار دولار(، بعد أداء قوي لعام 2023 الذي شهد نمواً قدره 3.3 في المئة وبلغ فيه الناتج 429 مليار درهم ( نحو 116.5 مليار دولار(. وتشير التوقعات الحالية أن النمو الاقتصادي سيكون بين 3.2 و 3.4 في المئة لكامل عام 2025. ومن جهته يتوقع بنك الامارات دبي الوطني أن ينمو اقتصاد دبي بنسبة 4 و 4.5 في المئة خلال عامي 2026 و 2027 على التوالي مدعوماً بالزيادة الكبيرة في الإنفاق، لا سيما على البنى التحتية. وتظهر التفاصيل أن التجارة بالجملة والتجزئة ما تزال تشكل العمود الفقري للاقتصاد بنسبة تقارب 24.5 في المئة من الناتج المحلي، فيما قاد قطاعا النقل والتخزين والقطاع المالي جانباً كبيراً من الزخم، إلى جانب السياحة والتصنيع والعقار والإنشاءات.
وفي عام 2025، يتوقع أن يكون النمو مدفوعاً أيضا بارتفاع النشاط العقاري بنسبة 7.8 في المئة وبطفرة سياحية ملحوظة، إذ استقبلت دبي 18.72 مليون زائر في 2024، ثم 9.88 ملايين زائر خلال النصف الأول فقط من 2025، مع نسب إشغال فندقي قاربت 80 في المئة.
ثلاثي الاستثمار والتجارة والمال
وعلى مستوى الاستثمار العالمي، سجلت دبي رقماً قياسياً باستقطاب 52.3 مليار درهم ( نحو 14.2 مليار دولار (من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2024 مقارنة مع 39 مليار درهم في عام 2023. وقد تبوأت المرتبة الأولى عالمياً في استقطاب مشاريع الاستثمار الجديدة التي بلغ عددها 1117 مشروعاً مقارنة بـ 1070 مشروع في عام 2023. كما شهد مركز دبي المالي العالمي أداءً لافتاً بارتفاع الإيرادات بنسبة 37 في المئة ونمو الأرباح التشغيلية بنسبة 55 في المئة، في مؤشر على تعاظم دور دبي كمركز للخدمات المالية العالمية. أما على صعيد التجارة الخارجية، فاستمرار صعود التجارة غير النفطية لدولة الإمارات العربية المتحدة نحو 3 تريليونات درهم، وتجاوز تجارة دبي غير النفطية حاجز التريليوني درهم، يدعم موقع دبي كبوابة محورية لحركة التجارة وإعادة التصدير في المنطقة والعالم.
هذه المؤشرات تؤكد أن دبي دخلت مرحلة اقتصاد عالمي متنوع، يعتمد على التجارة والخدمات والرقمنة واللوجستيات والسياحة والتمويل، ما يجعل الموازنة الجديدة استمراراً لمنحنى تصاعدي وليس ظاهرة ظرفية.
وتعكس الموازنة المعلنة رؤية قيادة الإمارة "في تحقيق أهداف أجندة دبي الاقتصادية D33، وفي مقدمتها مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي لدبي وجعلها واحدة من أفضل ثلاث مدن اقتصادية في العالم بحلول العام 2033، فضلًا عن الالتزام بتحقيق التوازن بين الطموحات الكبيرة والنمو والاستقرار الاقتصادي، بدعم من السياسات المالية الرشيدة." وفق قول الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي.
تعزيز محرك المعرفة
في ضوء هذه المرتكزات المتينة، تكشف الموازنة عن توجه واضح وهو تسريع الانتقال نحو اقتصاد معرفي يقوم على الابتكار والتكنولوجيا والبحث العلمي. فالإمارة لم تعد تكتفي بدعم البنية التحتية التجارية والسياحية، بل تمنح مكانة مركزية للذكاء الاصطناعي، بحوث الفضاء، وتطوير الاقتصاد الرقمي. ويتعزز ذلك عبر استراتيجية دبي اللانقدية، التي تهدف لتحويل الإمارة إلى نموذج عالمي للمدفوعات الرقمية لزيادة كفاءة العمليات الحكومية وخلق بيئة اقتصادية أكثرسرعة وجاذبية. كما تسعى دبي ان تكون احدى المراكز العالمية للاصول الرقمية عبر توفير بيئة تنظيمية متقدمة ومنظومة متكاملة لاستقطاب اللاعبين من كافة انحاء العالم.

إلى جانب ذلك، تخصص الموازنة 28 في المئة من الإنفاق للإنسان والتنمية الاجتماعية، في الصحة والتعليم والإسكان ورعاية الأسرة والطفولة والرياضة، بما في ذلك الاهتمام بكبار السن وأصحاب الهمم. هذه الأرقام تُظهر أن دبي تدرك أن المنافسة بين المدن العالمية لا تُكسب بالبنية التحتية فقط، بل أيضاً بتعزيز جودة الحياة والقدرة على جذب المواهب والحفاظ عليها، وهو ما يجعل التنمية الاجتماعية ركناً اساسياً من استراتيجية الإمارة الاقتصادية .
الاستدامة والانضباط المالي
ورغم اتساع حجم الاستثمار العام، تحافظ دبي على نهج مالي منضبط بفائض تشغيلي متوقع يبلغ 5 في المئة من الناتج المحلي في 2026، واحتياطي عام يُستقطع سنوياً من الإيرادات، ما يضمن قدرة الإمارة على تمويل المشاريع طويلة الأجل دون تعريض توازنها المالي للخطر. هذه السياسة تجعل من النمو أداة تراكمية لا تعتمد كثيراً على الاقتراض أو الإنفاق الطارئ، بل على اقتصاد قادر على تمويل نفسه.

موازنة على طريق "دبي العالمية"
تكشف موازنة دبي 2026 أنها مشروع لبناء مدينة عالمية بكافة المقاييس، حيث تتداخل التجارة والسياحة والخدمات اللوجستية والقطاع المالي والتقنيات الرقمية مع جودة الحياة والبحث العلمي والابتكار. وتمثل هذه الميزانية عنواناً للمرحلة المقبلة عبر توفيرها مقومات قوية للنمو والتوسع والمنافسة اقليمياً وعالمياً، وهي تأتي في وقت يُعاد فيه رسم ممرات التجارة وتتم إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، ويشهد العالم تصاعداً للتوترات التجارية والجيوسياسية، وتزايداً للمنافسة الاقليمية.
دبي تسير دائماً إلى الأمام واصبحت تختزن عصارة تجربة غنية تمزج بين الوضوح في الرؤية والجرأة والابتكار والتعلم من تجارب الماضي.




