د. خالد عيتاني *
لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث تحولًا اقتصاديًا بحجم ما عرفته السنوات الأخيرة. ففي فترة قصيرة، انتقل الاقتصاد من نموذج خدماتي مربوط بشبكات التمويل الدولية إلى اقتصاد نقدي عالي الدولرة، شبه مُعزول، تراجع فيه الناتج المحلي بما يفوق 40 في المئة، وارتفعت فيه نسب الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا التحول لم يكن مجرد سلسلة أزمات متتالية، بل كان انهيارًا في وظيفة الاقتصاد نفسه. وبين صدمة الحرب وخسائرها التي تجاوزت 14 مليار دولار، ومرحلة الجمود الاقتصادي في 2025، يقف لبنان اليوم أمام واقع معقد: استقرار نسبي يخفي خلفه خطر التحوّل إلى "توازن منخفض" قد يستمر لسنوات ما لم تُتخذ قرارات بنيوية عاجلة.
وهنا تظهر السنوات 2025–2026 كمرحلة اختبار حقيقية:
هل يمكن للبنان تحويل هذا الاستقرار الهشّ إلى نقطة انطلاق جديدة، أم سيتحوّل إلى حلقة جديدة في مسار الانهيار الطويل؟
أولًا: من الانكماش الحاد إلى الجمود… وما بينهما
تكشف بيانات البنك الدولي أن لبنان سجّل في سنةٍ واحدة فقط انكماشًا تجاوز 7 في المئة مع تراكم خسائر الحرب، فيما بلغ الانكماش التراكمي منذ 2019 نحو 40 في المئة.
كانت سنة الصدمة نتيجة حرب حدودية دمّرت البنية التحتية في الجنوب، وتسبّبت في نزوح داخلي وصل إلى أكثر من مليون شخص، ودفعت مئات آلاف العمال والمزارعين والمهن الصغيرة خارج دورة الإنتاج.
مع توقف التصعيد الواسع، بدا الاقتصاد في 2025 أكثر استقرارًا من حيث الأرقام، لكنه استقرار عند مستوى منخفض:
- انخفاض وتيرة الانكماش،
- استمرار الشلل المصرفي،
- دولرة شبه شاملة،
- وتراجع حاد في القدرة الإنتاجية.
هذا الوضع ليس تعافيًا، بل مرحلة جمود تبدو للوهلة الأولى أقل خطورة، لكنها عمليًا أخطر لأنها تُطبع الأزمة وتجعلها "وضعًا طبيعيًا" بدل كونها أزمة قابلة للمعالجة.
ثانيًا: تحليل جذور الأزمة – تفكيك المشكلة بمنهجية Problem Solving
حتى يمكن بناء خطة للتعافي، يجب فهم جذور الأزمة، لا أعراضها. ويمكن تحديد أربعة عوامل مترابطة شكّلت أساس الانهيار:
1- الفساد البنيوي وانهيار الحوكمة
تعدد مراكز القرار، غياب السياسات العامة القابلة للتنفيذ، ضعف الرقابة، وتسييس المؤسسات أدّى إلى شلل إداري ومالي جعل الدولة عاجزة عن إدارة أبسط الوظائف الاقتصادية. لم يعد المواطن ولا المستثمر قادرين على توقّع أي قرار.
2- خروج القطاع المصرفي من دوره الطبيعي
منذ 2019، تعطلت الوساطة المالية. اختفت الودائع، وتلاشى الائتمان، وانكمشت قدرة المصارف على التعامل مع النظام العالمي بعد إدراج لبنان على "القائمة الرمادية".
اقتصاد بلا نظام مصرفي فعّال هو اقتصاد بلا أوعية ادخارية، بلا استثمار، بلا قدرة على تمويل النمو.
3- نموذج اقتصادي ضعيف قائم على الاستهلاك
الاقتصاد اللبناني لم يكن يومًا إنتاجيًا:
- زراعة قليلة القيمة المضافة،
- صناعة محدودة،
- اعتماد على الاستيراد والتحويلات.
- ومع الأزمة، انهارت قدرته على الاستيراد، بينما لم تُبذل أي جهود جدية للانتقال إلى اقتصاد منتج.
4- البعد الأمني–السياسي، وخصوصًا ملف سلاح حزب الله، كعامل أساسي مؤثر في الاقتصاد
لا يمكن تحليل الأزمة من دون الاعتراف بأن البيئة الأمنية-السياسية - وفي صلبها ملف سلاح حزب الله والعلاقة مع إسرائيل والدور الإقليمي - تؤثر بشكل مباشر على الثقة والاستثمار والدعم الدولي.
الدول الغربية والمؤسسات المانحة تربط أي تمويل أو برنامج دعم بوضوح المسار السيادي، وتعتبر هذا الملف جزءًا من تقييم المخاطر. وقد لوّحت في أكثر من مناسبة بأن استمرار الغموض سيؤدي إلى عزلة أو عقوبات إضافية.
ومع أن هذا الملف سيادي-سياسي بطبيعته ويُعالَج ضمن مؤسسات الدولة والحوار الوطني، إلا أن تأثيره على الاقتصاد مباشر وجوهري ويجب الاعتراف به عند صياغة أي رؤية اقتصادية.
ثالثًا: لماذا يمكن أن تكون 2025–2026 بداية فرصة؟
رغم كل المؤشرات السلبية، فإن هناك ثلاثة عوامل تمنح لبنان فرصة نادرة:
1- انخفاض حدة الصدمات الأمنية :استمرار وقف إطلاق النار ولو بحده الأدنى أتاح مساحة للتخطيط والتنفيذ.
2- وجود خارطة طريق دولية لإعادة الإعمار بتقديرات تبلغ 11 مليار دولار، وهو برنامج قادر على خلق نمو سريع إذا تمت إدارته بشفافية.
3- مؤشرات على إمكان تحقيق نمو إيجابي في 2025–2026 ضمن شروط الاستقرار الأمني، إصلاحات مالية ومصرفية، وعودة تدريجية للثقة الدولية.
هذه ليست ضمانات، بل فرصة مشروطة.
رابعًا: إطار الحل – استراتيجية على مسارين
المسار الأول (الـ 36 شهرًا القادمة): استقرار مالي–اقتصادي
1-إعادة هيكلة القطاع المصرفي
- إعادة الرسملة عبر توزيع عادل للخسائر.
- دمج المصارف وإخضاعها لرقابة دولية.
- معالجة ودائع المغتربين ضمن خطة شفافة تحترم حقوقهم.
- تطوير خطة للخروج من اقتصاد «الكاش» والعودة التدريجية للنظام المصرفي.
2-هيئة وطنية–دولية مستقلة لإعادة الإعمار
- تعتمد الشفافية والحوكمة الرقمية.
- تُطلق مشاريع سريعة الأثر في الجنوب وبقية المناطق.
3-تأمين 12–16 ساعة كهرباء يوميًا
- مزيج من الإنتاج المحلي والطاقة المتجددة والاتفاقات المؤقتة.
- دعم مشاريع الطاقة الشمسية اللامركزية على مستوى البلديات.
4- دعم القطاعات ذات القدرة على خلق وظائف سريعة
- الزراعة المتخصصة والصناعات الغذائية.
- القطاع الرقمي والبرمجيات والعمل عن بُعد.
- السياحة الطبية والبيئية وسياحة المغتربين.
المسار الثاني (36–60 شهرًا): التحوّل الاقتصادي البنيوي
1-اقتصاد معرفي–رقمي
- تشجيع الشركات الناشئة،
- حاضنات تكنولوجية،
- خدمات رقمية موجهة للخارج.
2-رقمنة الإدارة العامة
- الجمارك، الضرائب، السجل التجاري، والمناقصات.
- تقارير مالية فصلية شفافة.
3-تمكين الاغتراب عبر مسارات مالية ودستورية
- إنشاء سندات اغترابية للمشاريع الحيوية.
- صناديق استثمار مشتركة مع القطاع الخاص.
- تعزيز حقّ المشاركة السياسية والانتخابية للمغتربين، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من الجسم الوطني.
- معالجة خاصة لملف ودائعهم لاستعادة ثقتهم بالنظام المالي.
الخاتمة
تكشف التجربة اللبنانية أن الأزمات لا تنتهي تلقائيًا، وأن الزمن وحده لا يعالج شيئًا. ما نعيشه اليوم ليس بداية تعافٍ، بل بداية اختبار: فإمّا أن يستثمر لبنان استقراره النسبي لإعادة بناء وظائف الدولة الاقتصادية، أو يترك هذا الاستقرار الهش ليتحوّل إلى جمود طويل ومعه تتحول الأزمة إلى حالة دائمة.
لا يمكن لأي خطة اقتصادية أن تنجح دون معالجة الفساد البنيوي، وتفعيل المؤسسات، وخلق بيئة استثمارية آمنة، والاعتراف بأن الأمن والسياسة جزء من المعادلة الاقتصادية. ولا يمكن تجاهل قوة الاغتراب وحقّه في الودائع والانتخاب، ولا دور القطاع الخاص في تحريك النمو، ولا ضرورة بناء حوكمة مالية ورقمنة الإدارة العامة.
إن السنوات 2025–2026 ليست مجرد مرحلة انتقالية؛ إنها النافذة الأخيرة لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار. وإذا كانت الأزمات الكبرى تفتح دائمًا أبوابًا جديدة، فإن الباب المتاح اليوم قد يكون الأخير قبل الدخول في ركود طويل وازمات يصعب الخروج منها.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




