أرشيف محمد الشارخ
أخرج المجلات العربية القديمة
من كهوف الخزن إلى عالم الضوء

13.05.2024
محمد الشارخ
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

    "أود أن أقر أمامكم بأني مررت بظروف كنت فيها وحيدا مع رؤيتي ولم يكن لي فيها مؤنس، لا بين رجال الأعمال ولا بين المسؤولين ولا بين أهل الرأي"

تلك العبارة كانت ضمن مقالة كتبها الأستاذ محمد الشارخ، رحمه الله، في مجلة "فكر وفن" المغربية، وقد خصصها للحديث عن مبادرته في إنتاج تكنولوجيا عربية، وأضاف فيها: "كأنما القنوط المعشش أصبح يحجبنا عن ذاتنا وعن قدراتنا فيشل فينا إرادة العمل وروح الإقدام التي وصلت بأجدادنا إلى غرب الصين شرقاً وشواطئ الأطلسي غرباً وجعلت شمس العرب تسطع في أربع رياح الأرض".

في الواقع لم يكن الشارخ وحيداً فقط في "تعريب الكمبيوتر" وبشكل أدق "تطويع الحاسب الآلي لخدمة اللغة العربية" بل كان وحيداً أيضاً ومتفرداً في حفظ تراث "الكلمة" وحفظ الذاكرة الفكرية والثقافية حينما عمد إلى إنشاء أرشيف للمجلات الثقافية والأدبية العربية وجعله متاحاً على الإنترنت، مجاناً، لملايين الباحثين والمثقفين والمهتمين.

لا تشبه غيرها

حينما بدأ الشارخ مشروعه هذا هل كان يحمل مبادرة أولى من نوعها؟ في الواقع كانت هناك مجلات ثقافية تعمل على تحميل أرشيفها من الأعداد السابقة على شبكة الإنترنت، مثل مجلة "العربي" الكويتية، ولكن ما أراده الشارخ هو أن تخرج المجلات العربية القديمة من كهوف الخزن إلى عالم الضوء، وحمايتها من عوامل التعرية وتقادم الزمن، فضلاً عن إنقاذها من الشتات والضياع، وتحويل صفحاتها إلى صفحات إلكترونية، لذلك يمكن القول باطمئنان أن مبادرة الشارخ لا تشبه غيرها، خصوصاً أنها مبادرة ذاتية وشخصية لا تعتمد على حكومات، ولا ترعاها مؤسسات كما هو مطلوب لمثل تلك الطموحات الكبرى والمشاريع النهضوية، بل أننا نجد بعض المراقبين والمؤرخين يضعون مشروع الشارخ على مسافة متقاربة من مبادرات رقمنة عربية لها قيمتها في مجال الأرشفة مثل مبادرة "الذخيرة العربية" التي بدأت عام 2007 بهدف إنشاء بنك آلي من الكتب باللغة العربية في شتى المجالات (لا تتوفر لدينا حتى الوقت الراهن إحصاءات رسمية عنها) وهناك أيضاً مشروع رقمنة وحفظ وتوفير الولوج المفتوح لمجموعة واسعة من كتب عربية في مواضيع الأدب والفلسفة والقانون والدين وغيرها والذي يتم بين جامعة نيويورك ومؤسسات أخرى.

أهمية توثيق الذاكرة الفكرية والثقافية

في شهر يونيو من كل عام يأتي علينا اليوم العالمي للأرشفة، بحسب ما أقره المجلس الدولي للأرشيف الذي تأسس بدعم من اليونسكو (المنظمة الأممية المعنية بالتربية والعلوم والثقافة) بهدف تشجيع التعاون الدولي بين المؤسسات الأرشيفية وتحسين ممارساتها ونشر ثقافة تسجيل الوثائق وإبراز أهميتها في تعزيز الهوية الوطنية وفي حماية التراث الفكري الذي تحتويه الوثائق والسجلات والمجلات. ولعل هذا الاهتمام يبين لنا مدى أهمية الأرشفة وتوفير الفهارس والمسؤولية التي تضطلع بها الحكومات والمؤسسات الوطنية تجاه ذلك.. باختصار يمكن القول أن الأرشفة من أهم أدوات حفظ موروثنا الثقافي والمعرفي فهي تتيح للمجتمعات والحضارات أن تحصل على سجل لتاريخها وثقافتها وتوفر مصدراً ثرياً للمعرفة والبحث والتعلم.

في 2008 كانت الفكرة

في عام 2005 أراد محمد الشارخ أن يتجنب العمل اليومي والإداري فأوكل إدارة صخر ومشاريعها إلى ابنه الأكبر "فهد" وهو الذي رافق وشارك والده في رحلة عملية مدهشة، فواصل "الشارخ الابن" المسيرة بنفس الشغف والاهتمام.. ورغم هذا التقاعد إلا أن محمد الشارخ، وهو الأديب والمثقف، لم يتوقف عن الإسهام في إثراء الحضارة العربية والإسلامية، وهو الذي صنع مبادرات مؤثرة وفائقة الأهمية مثل: تطوير تطبيق للقرآن الكريم، وموسوعة الفقه الإسلامي، وكتب الحديث التسعة باللغة الإنجليزية، والمعجم الإلكتروني، ومشروع "كتاب في جريدة" بالتعاون مع اليونسكو، ومشروع تحديث أرشيف المعلومات الإسلامية الذي يضم بالإضافة للقرآن الكريم موسوعة الحديث الشريف، وقواعد معلومات إسلامية أخرى، ومشروع قاموس عربي/ عربي.

صاحب هذه الإنجازات المبتكرة لم يكن التقاعد يوقفه عن إثراء الحضارة العربية، فكان أن أطلق مبادرته المهمة التي بدأ التفكير فيها والبدء في تنفيذها عام 2008 وكان العمل آنذاك كجزء من مشروع مجلة، وبعد عدة سنوات تم العمل بشكل منفصل وبناء أرشيف الشارخ للمجلات الأدبية والثقافية العربية ليضم ما نشر منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 2010.. وقد أعدت هذه المبادرة ضمن المبادرات الثقافية الكبرى التي يصعب على مؤسسات حكومية عريقة الوفاء بها، بل أننا نتابع من خلالها الشارخ وهو ينفذ مشروعاً غير مربح وذات كلفة عالية، هذا في الوقت الذي لم يكن صاحب "صخر" أغنى أغنياء المنطقة كي يصرف على مثل هذا المشروع، ولكن إيمانه بأهميته دفعه للمغامرة وصرف نحو ثمانية سنوات في الجمع والفهرسة والتحول الإلكتروني.

ويقول هو عن ذلك: "المجلات تسبق إعداد الكتاب، لأن أغلب المفكرين ينشرون أبحاثهم ودراساتهم في المجلات وبعد سنوات يطورونها إلى كتاب، ولذلك إذا أردنا أن نعرف كيف كان العرب يفكرون في القرنين الماضيين من ثقافتهم، فعلينا أن نعيد إحياء ونشر المجلات الثقافية والأدبية لكونها تمثل مخزوناً ثقافياً عربياً، ليس فقط لأنها تضم مقالات رواد الحركة الفكرية والأدبية العرب في عصر النهضة، ولكنها كانت مسرحاً للحراك الثقافي والأدبي، ومؤشراً على مسار الوعي الفكري آنذاك، حيث كانت الصحف والمجلات ميداناً لحركة النشر الأدبي والفكري في أهم حواضر الثقافة العربية خصوصاً مصر، من بينها مجلة "المقتطف" التي تعد من أقدم المجلات التي يضمها أرشيف الشارخ وقد صدرت بين عامي 1876 و1952 وتُعرف بأنها مجلة شامية - مصرية أنشأت في الشام من قبل يعقوب صروف وفارس نمر قبل أن تنتقل إلى القاهرة وكانت تكتب على صدرها أنها مجلة علمية صناعية زراعية وبعد أن انتقلت من بيروت بدأ إصدارها المنتظم في القاهرة سنة 1888، ومجلة "الهلال" التي صدرت عن دار الهلال في 1 سبتمبر عام  1892 وترأس تحريرها جرجي زيدان وهي تعد أول مجلة ثقافية شهرية عربية ومازالت تصدر حتى اليوم، وجريدة "الأستاذ" وهي جريدة علمية تهذيبية فكاهية أسبوعية أصدرها خطيب الثورة العرابية عبد الله النديم في 1892 ونشر عدها الأول في 24 أغسطس من عام التأسيس، ومجلة "الرسالة" لأحمد حسن الزيات وقد صدرت عام 1933، وكتب فيها رموز الأدب العربي أمثال: طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، وزكى نجيب محمود، وعباس العقاد، وأحمد أمين، ومحمود محمد شاكر، وأبو القاسم الشابي وغير ذلك من أمهات المجلات.

ويقول الشارخ أيضاً: "في هذا العصر يوجد العديد من المواقع تخزن الكتب الثقافية العربية ويمكن استرجاعها ولكن لا يوجد موقع مشابه للمجلات ذلك لأن نشر مجموعة كتب هو أسهل بكثير من الحصول على مجموعة مجلات من عقود مختلفة، وقد أردنا من نشر المجلات الحديثة أيضاً أن يطلع الإنسان العربي في صفاقس على ما يكتب في بغداد، ومن في حلب يعرف ما يكتب في الكويت.. وهكذا".

البدايات الصعبة

في البداية كان السؤال الأكثر إلحاحاً كيف يتم جمع تلك المجلات؟ ومن أين؟ خصوصاً وأن الشارخ لم يرغب بأن يكتفي بأرشفة عناوين المجلات وفهارسها، لكنه عزم على تصوير صفحاتها، ونشرها مثلما نشرت ورقاً وإتاحتها على الإنترنت بعد فهرستها مع خاصية البحث بالعديد من العناوين مثل: اسم المجلة، أو المقال، أو اسم الكاتب.. إلخ.

من يعرف صعوبة ذلك هم من صرفوا الوقت والجهد للبحث عن مقالٍ نُشر في مجلة صدرت في القرن الـ19، أو بداية القرن الـ20 كـ"المقتطف"، و"المشرق"، و"لغة العرب"، ومن تشككوا في بلوغ الشارخ أهدافه هم من أتعبهم البحث عن مقال طواه النسيان وطوى كاتبه البين ومن أدركوا حجم معاناة التفتيش بين تلال من المجلات في دهاليز مكتبات لم تصدر فهارس كاشفة لمحتوياتها من الدوريات، من استصعب المبادرة واستعظمها ووصف الشارخ بأنه يطلب المستحيل هو من ذهب وقته وبحثه دون أن يصل إلى ضالته.

لم يتوقف محمد الشارخ أمام التحديات طويلاً فسارع بتعيين عدد كبير من العاملين في 19 دولة عربية وغير عربية لجمع ونسخ أمهات المجلات العربية القديمة والحديثة، بل أن الشارخ بنفسه زار العديد من الجامعات والمؤسسات الثقافية والأدبية ومراكز التوثيق من أجل الحصول على مبتغاه كما سعى للحصول على ما يتوفر لدى "الناس" واتصل بالعديد من الأصدقاء في مدن متباعدة مثل تونس والكوفة في العراق وحلب في الشام وفي غيرها من العواصم العربية والأجنبية قرابة العشر سنوات لمساعدته في البحث والحصول على أعداد المجلات سواء بالشراء بمبالغ باهظة أو الاستعارة نظير مبالغ كبيرة وبعضها كان من خلال استعارات مجانية من أصدقائه ممن أعجبوا من مبادرته وشجعوها وإن استعظموا تنفيذها، وقد أثمرت هذه الجهود عن الحصول على أعداد مدهشة ونادرة من تلك التي تستحق الحفظ من: مصر، العراق، لبنان، المغرب، تونس، الكويت، سوريا، قطر، السعودية، الجزائر، اليمن، ليبيا، البحرين، فلسطين، الأُردن، أميركا، إنجلترا، الهند، ألمانيا.

الرقمنة

لم يكتف محمد الشارخ بجمع المجلات ونسخها، بل قام بتعيين فريق فني عال المستوى وفي تخصصات دقيقة أخدوا في معالجة صفحات المجلات وتصنيفها وفهرستها وتحويلها إلى نسخ "Digital"، ومن ثم بناء نظام إلكتروني دقيق يمكن من خلاله البحث والاسترجاع، والوصول خلال لحظات إلى المقال الذي تريد والكاتب الذي ترغب، بالعنوان والموضوع والمضمون.

شكل ذلك دون شك جهدا استثنائيا وكبيرا تمكّن الشارخ من خلاله ليس فقط من الحفاظ على التراث الثقافي العربي وإنما من جعله متاحاً لملايين الباحثين والمثقفين العرب.

لغة الأرقام

إذا كانت الأرقام هي الأقدر على النطق وأقرب إلى تقديم إطار يقترب من الدقة فإن شهادتها تبين حجم المنجز الحضاري الذي صنعه الشارخ بهذا الأرشيف المعرفي الضخم، وتقول الأرقام بأن:

  • 16 عاماً استمر العمل في أرشيف الشارخ، منذ انطلاق الفكرة، ومازال العمل متدفقاً.
  • يضم أرشيف الشارخ (الآن) 15,865 عددا من أعداد (274) مجلة.
  • عدد المقالات بالأرشيف 326,631 مقالا.
  • عدد الصفحات 2 مليون ومائة ألف صفحة.
  • عدد الكتاب العرب والأجانب أكثر من 52 ألف كاتب.
  • المقتطف التي صدرت عام 1876 هي أقدم المجلات التي يضمها أرشيف الشارخ.

والعمل جار ومتصل لإضافة المزيد والمزيد من المجلات والأعداد والمقالات والكتاب، لذلك نجد أن الأرشيف يضم في الوقت الحالي المجلات التي صدرت حتى عام  2019، بزياد تسع سنوات عن الفترة التي تحددت عند انطلاق الفكرة (2010).

أهمية أرشيف الشارخ

حينما أتاح الشارخ هذا الأرشيف المعرفي الضخم، والذي حمل اسمه، على الإنترنت دون مقابل، كان يعتبر أن مثل هذه المبادرات - التي تجمع بين المعرفة والتطور التكنولوجي - هي السبيل نحو النهضة واللحاق بركب الأمم المتقدمة وأن أهميتها لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي والعسكري، وقد ذكر في أكثر من مناسبة أن هدفه من هذا المشروع هو الحفاظ على الذاكرة العربية الثقافية وتسهيل مهمة الدارسين والباحثين والمؤرخين وطلبة الدراسات العليا.

أرشيف الشارخ الثقافي العظيم لا يوفر فقط ذخيرة متنوعة ومتعددة من المقالات والدراسات لعمالقة الثقافة العرب وغيرهم، بل أنه يفتح المجال ويثير الحماس أمام مبادرات أخرى تغني الأرشيف الثقافي العربي.

ليس هذا فقط؛ بل أن "أرشيف الشارخ" لربما يجعلنا ننظر خجلاً لما آل إليه واقع الكتابة وأمانة البحث، فهو يتيح لنا أن نقرأ بحثاً لا يتعدى ثلاث صفحات يلحق به صفحتان تضم المصادر والمراجع، كما أنه يكشف لنا مدى ما اعترى حرفة الكتابة  في العصر الحالي من وهن وفقدان الكثير منها للتقاليد الأدبية والنقدية الرصينة مقارنة بما كانت عليه في الأزمنة الغابرة.

وصية الشارخ

في حديث له مع منصة إعلامية يقول الشارخ: "من سار على الدرب وصل، وأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، والعلم عبارة عن سلسلة يجب أن لا تنقطع.. وإني أتأمل في الجيل الصاعد من أبناء هذا الوطن الاستمرار في طريق العلم والاجتهاد فيه لأنه هو السبيل الأوحد في تطور الأمم واللحاق بركب الدول المتقدمة". 

 

همسة

كان ذلك وجه آخر لإسهامات محمد الشارخ الحضارية، واستعراضاً لأحد أدوار "صخر" الثقافية المتواصلة للمستقبل.. ونحن نتناول ذلك ندعو أن يكون الاحتفال بيوم الأرشيف العالمي في شهر يونيو القادم مناسبة لأن يتم تكريم اسم الشارخ من قبل أحد المؤسسات المعنية تقديراً لهذا المنجز الثقافي الغني.