إستمر القطاع المصرفي اللبناني في منحاه التراجعي عاماً بعد عام بل شهراً بعد شهر نتيجة لما تعرض من ضربات على مدى الـ 25 شهراً الماضية أي منذ الفصل الأخير من العام 2019 حتى نهاية العام 2021. إلا أن منحى التراجع يبقى مستمراً حتى إشعار آخر نتيجة الإستنزاف الذي يتعرض له القطاع بفعل استمرار الأزمة وغياب المعالجات الشاملة عبر خطة التعافي واستنكاف المؤسسات المصرفية عن اجراء أية خطوات باتجاه إعادة الهيكلة.
فعلى مدى عامين ونيْف بدت المصارف وكأنها بمثابة الصراف الآلي ATM يعطي زبائن البنك مبالغ مقيدة تزيد وفقاً للتعاميم الذي يصدرها مصرف لبنان، في غياب أي نشاط مصرفي يذكر سواء في عمليات الاقراض أو في عمليات الإعتمادات المستندية. اللهم في تقبل مبالغ محددة من الدولارات الطازجة Fresh التي تعيد تسليمها إلى الزبائن وفقاً للشروط الموضوعة.
وأظهرت هذا الوقائع إحصاءات مصرف لبنان عن أرقام الميزانية المجمعة للمصارف التجارية العاملة في لبنان والموقوفة بنهاية العام 2021.
تراجع شامل
وبنتيجة المقارنة بين عام وعام أظهرت الإحصاءات التي نشرتها وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الإعتماد اللبناني الآتي:
- بلغ إجمالي الأصول في نهاية 2021 نحو 174.9 مليار دولار في مقابل 188 مليار في نهاية العام 2020، أي بتراجع نسبته 6.97 في المئة يوازي نحو 13.1 مليار دولار.
- بلغ إجمالي التسليفات إلى القطاع الخاص 27.7 مليار دولار في مُقابل 36.2 ملياراً في نهاية العام 2020، أيّ بتراجع نسبته 23.4 في المئة، وهو التراجع الأكبر في بنود الميزانية كافة.
- أما ودائع الزبائن فبلغت 134.5 مليار ليرة في مُقابل 144.6 ملياراً بنهاية الفترة المماثلة أيّ بتراجع نسبته نحو 7 في المئة.
وشمل التراجع تفاصيل هذه الودائع فتراجعت الودائع بالليرة اللبنانية 3.5 في المئة، والودائع بالعملات الأجنبية 8.1 في المئة. وودائع القطاع الخاص المقيم 6.1 في المئة. وودائع القطاع الخاص غير المقيم 10.3 في المئة. وودائع القطاع العام 8.8 في المئة.
أما حسابات رأس المال فتراجعت بنحو 2.19 مليار أي بنسبة 11 في المئة نتيجة الخسائر التي تكبدها القطاع المصرفي خلال العامين الماضيين. وتراجعت نسبة "الدولرة" في الودائع من 80.4 في المئة نهاية 2020 إلى 79.4 في المئة نهاية 2021.
أما نسبة التسليفات إلى القطاع الخاص من ودائع الزبائن فتراجعت من 25 في المئة نهاية 2020 إلى 20.6 في المئة نهاي 2021.
القطاع في 3 سنوات
غير أن هذه المقارنة الرقمية بين عام وآخر، لا تعطي صورة واقعية لما وصل إليه القطاع المصرفي خلال السنوات العجاف الثلاث الماضي (2021 – 2020- 2019) إذا لم تتم المقارنة مع العام 2018 الذي كان يمثل ذروة النشاط المصرفي يوم كان حجم القطاع يمثل أكثر من 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.
فالمقارنة الرقمية مع العام 2018 الذي يعتبر عام الأساس تشير إلى أن القطاع المصرفي خسر نحو 31 في المئة من موجوداته، كما خسر النسبة نفسها (الثلث) من إجمالي الودائع. كما خسر ما يزيد على 55 في المئة من إجمالي التسليفات الممنوحة إلى القطاع الخاص. أيّ أن القطاع تراجع في 3 سنوات بنحو الثلث من موجوداته وودائعه. كما خسر أكثر من نصف التسليفات والتسهيلات الائتمانية التي كانت تضخ في الاقتصاد سواء للشركات أو للأفراد، حيث تجاوزت التسليفات حجم الناتج المحلّي الذي كان عامذاك يقدر بنحو 52 مليار دولار. وهذه الفجوة الكبيرة مع ما تبعها من تقلّص، من الصعوبة بمكان ردمها. بل يحتاج إلى 10 سنوات أكثر أو أقلّ، خصوصاً إذا لم تتم معالجة الأزمة الاقتصادية، واستعادة المصارف ثقة زبائنها في الداخل والخارج.
التراجع الفعلي
وتجدر الإشارة إلى أن مقارنة التراجع خلال السنوات الثلاث الماضية قد تمّت بالأسعار الثابتة ولم تأخذ في الإعتبار الارتفاع الحاصل في سعر صرف الدولار والفارق الناتج عن السعر المُحتسب على أساس 1507.5 ليرة للدولار وارتفاع ذلك إلى مستوى بلغ نحو 30 ألف ليرة، ثم تراجع لإعتبارات معينة إلى ما بين 20 و21 ألف ليرة حالياً.
ولا شك أن المقارنة بالأسعار الجارية لسعر صرف الدولار تظهر التراجع الكبير الحاصل والذي ثمة تهيب في احتسابه على هذا الأساس وإلا كانت النتائج مقلقة للغاية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد فقط رقمين أثنين:
أولاً: بلغت الودائع بالليرة اللبنانية 31.65 مليار دولار على أساس 1507.5 ليرة. أما إذا تمّ احتسابها على أساس سعر الصرف الواقعي بحسب سعر "الصيرفة" أو السعر في السوق السوداء فإن قيمتها الفعلية تصبح بحدود 2.3 مليار دولار على أساس أن قيمتها هي 47.7 مليار ليرة.
ثانياً: إن حسابات رأس المال بلغت في نهاية العام 2021 ما قيمته 26,740 مليار ليرة وإذا احتسب بالسعر الحالي الواقع فإن قيمتها تتدنى إلى أقلّ من 1.5 مليار دولار قيمة الحسابات الإجمالية لرأس المال.
وقس على ذلك، إذ أن معظم بنود الميزانية المجمعة تنطوي على العديد من القيم المقومة بالدولار في بنود الموجودات والمطلوبات على السواء.
خسارة الدور والوظيفة
والواقع أن تراجع القطاع المصرفي اللبناني لا يتمثل في التراجع الفعلي لأرقام ميزانيته المجمعة بل تعداه، ولعلّ ذلك هو الأهم، إلى دوره ووظيفته سواء على المستوى المحلي أو الخارجي ويتمثل ذلك في الآتي:
على الصعيد المحلي
خسر القطاع المصرفي دوره الإنمائي في تمويل الاقتصاد حيث كانت تسليفاته توازي الناتج المحلي الإجالي، إذ انكفأ القطاع فعلياً عن التسليف سواء إلى الشركات Corporate أو للأفراد (Retail). فلم يعد ثمة تسهيلات تعطى للشركات لتسيير أعمالها وللتوسع في مشاريعها وبالكاد تلعب دوراً في تمويل التبادُل التجاري من خلال الاعتمادات المستندية المفتوحة والبوالص. أما في صيرفة الأفراد فقد توقفت عمليات التسليف سواء للإسكان أو للسيارات أو للقروض الشخصية. إلى ذلك أظهرت الاحصاءات ترجعاً شهرياً في عدد بطاقات الائتمان بفعل الشروط المفروضة على السحوبات لا سيما في الخارج إلا إذا كانت مربوطة بحسابات الدولار Fresh.
خسر القطاع بفعل تقلص نشاطه قسماً من موظفيه إذ تراجع عدد الموظفين من 24886 موظفاً في نهاية 2019 إلى 22325 موظف في نهاي العام 2020. إلا أن التراجع الأكبر ربما حصل في العام 2021 وبنسبة قد لا تقل عن 15 في المئة في هذا العام.
كما تراجع عدد فروع المصارف من 1058 فرعاً نهاية 2019 إلى 992 فرعاً وفي نهاية 2020، أي بتراجع نسبته نحو 6.2 في المئة ونحو 66 فرعاً. وقد حفل العام 2021 بموجة جديدة من إقفال الفروع إماً طوعاً بسبب تقلّص النشاط المصرفي وانتفاء الحاجة إلى استقطاب الودائع أو منح التسليفات أو حتى منح بطاقات ائتمان جديدة أو تجديدها أو قسراً بفعل التعديات المتكررة من الفروع المصرفية.
على الصعيد الخارجي
أما على المستوى الخارجي فقد القطاع المصرفي اللبناني كثيراً من هويته الإقليمية أو الدولية التي كانت ممثلة بتواجده بأكثر من 30 مدينة. وقد تخلى القطاع عن أبرز نقاط الثقل لديه بعد إقدام بنك لبنان والمهجر على بيع مصرفه التابع في القاهرة كذلك إقدام بنك عوده على إلغاء وجوده كلياً في كل من القاهرة وعمان.
كذلك يمكن القول أنه تم خروج شبه كلي من الحضور المصرفي في العراق باستثناء مصرفين فقط هما بنك BBAC وبنك بيبلوس ومثل ذلك كان الخروج من سوريا.
وعليه، يمكن القول أن التواجد المصرفي اللبناني في البلدان العربية قد تراجع بنسبة كبيرة، وكذلك الأمر في أفريقيا، ولم يبقَ سوى التواجد في أوروبا الذي يبقى محدوداً من حيث التأثير والدور.
القطاع المالي
وامتدادا للنشاط المصرفي في لبنان أظهرت إحصاءات مصرف لبنان مزيداً من التراجع في حجم مصارف الإستثمار والمؤسسات المالية التي هي جزء من القطاع المالي.
فبالنسبة إلى الميزانية المجمعة لمصارف الإستثمار، ظهرت الاحصاءات تراجع الموجودات في نهاية العام 2021 إلى 4001 ملايين دولار في مقابل 4560 مليوناً في نهاية 2020، أيّ بتراجع نسبته 12 في المئة.
وقد تراجعت التسليفات إلى القطاع الخاص لدى مصارف الاستثمار بنسبة 18 في المئة وإلى القطاع العام بنسبة 71.6 في المئة، والتسليفات إلى القطاع المالي غير المقيم بنسبة 35.1 في المئة.
أما على جهة الودائع فقد تراجعت ودائع القطاع الخاص بنسبة 28.7 في المئة. أما حسابات الرساميل فقد زادت بنسبة 3.5 في المئة لتصبح بنهاية العام 2021 نحو 1583 مليون دولار.
أما الموجودات في ميزانية المؤسسات المالية فقد تراجعت نهاية العام 2021 بنسبة 2.6 في المئة مقارنة بما كانت عليه. في نهاية العام 2020. وتراجعت حسابات الرساميل في المؤسسات المالية بنسبة 3.5 في المئة لتصبح 447 مليون دولار وكل ذلك حسب الأسعار الثابتة للدولار.




