مذكرة التفاهم التركية الليبية:
جولة رابحة في حرب خاسرة

21.12.2019
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
 
كتب ياسر هلال 
لماذا أشعلت مذكرتا التفاهم الموقعتان بين تركيا وحكومة الوفاق في ليبيا وتحديداً تلك المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، بركان الغضب اليوناني والأوروبي والعربي، والذي ترجم برد شامل يبدأ بالعقوبات على تركيا ولا ينتهي بشن حرب بالوكالة على الساحة الليبية، من خلال دعم الموجة الثانية من هجوم الجيش الوطني الليبي لتحرير طرابلس وإسقاط حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج ولتسقط معها المذكرتين.
ضم تركيا لجزيرة "كاستيلوريزو" يزيد منطقتها الاقتصادية الخالصة من 41 إلى 145 ألف كلم2 
الجواب ببساطة، لأن المذكرة التي تعتبر "ضربة معلم" بالنسبة لتركيا، تشكل بالنسبة لليونان ومصر والاتحاد الأوروبي ولأميركا أيضاً، خرقاً "للخطوط الحمراء" المرسومة بدقة للصراع في شرق المتوسط. فهي تقتطع "بشحطة قلم" حوالي 100 ألف كلم2 من المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان وتضيفها للمنطقة التركية، كما "تضيف" أو "تعيد" حوالي 39 ألف كلم2 للمنطقة الليبية من المنقطة اليونانية. والأهم أنها تجعل تركيا الممر الإلزامي لأي خط أنابيب من شرق المتوسط إلى أوروبا. أما "ثالثة الأثافي" فهي أن المذكرة التي تم إيداعها لدى الأمم المتحدة كاتفاقية دولية، تتضمن تغييراً في حدود تركيا مع اليونان، وذلك ما عناه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقوله أن المذكرة "تقلب الوضع الذي فرضته معاهدة سيفر الموقعة عام 1920" والتي رسمت حدود تركيا الحديثة.
 
وعليه، فمن المتوقع أن تتحول معركة طرابلس إلى واحدة من "أمهات المعارك"، حيث ستضع تركيا كل ثقلها السياسي والعسكري للدفاع عن طرابلس، حتى لو اضطرت إلى ارتكاب "خطيئة" تعميق تحالفها مع روسيا والتدخل العسكري المباشر، والمخاطرة بمزيد من تدهور علاقتها بالولايات المتحدة. ولتتحول "ضربة المعلم" إلى ضربة قاضية على نفوذها الإقليمي وعلى أحلامها بإعادة النظر في معاهدة سيفر، ولتصبح مذكرة التفاهم مجرد جولة رابحة في حرب خاسرة. 

"ضربة معلم" 

لتبيان عمق تأثير المذكرة التركية الليبية على الصراع بين تركيا واليونان وحلفاؤهما المتعلق بالسيادة البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، لا بد من الإشارة إلى نقطة أساسية، وهي أن تركيا استندت في ترسيم حدودها إلى اعتبار جزيرة كاستيلوريزو (مايس/ بالتركية) والمتنازع عليها مع اليونان، تحت السيادة التركية. والسيطرة على هذه الجزيرة التي  لا تتجاوز مساحتها 12 كلم2 وتبعد 2 كلم عن البر التركي، يحدث تغييرا جذرياً في الحدود البحرية للبلدين بل في المشهد الجيوسياسي ومستقبل صراع الغاز في شرق المتوسط، ولذلك يرجح أن تصبح هذه الجزيرة "السحرية" اكثر شهرة من جزر الفوكلاند (الرسم رقم 1 ورقم 3 )،
 تواصل المياه التركية ـ الليبية، يجعل تركيا الممر الإلزامي لأي خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا 
على أي حال، يمكن اعتبار مبادرة الرئيس التركي لتوقيع المذكرة "ضربة معلم" من حيث التوقيت والأهداف والنتائج لأسباب عدة أهمها:
• تمهد المذكرة المستندة إلى سيادة تركيا على جزيرة كاستيلوريزو (مايس)، الأرضية القانونية لتحديد منطقتها الاقتصادية الخالصة وكذلك حدودها البحرية مع جيرانها وبالتحديد مع قبرص واليونان، والمفارقة إن ضم هذه الجزيرة يؤدي تلقائياً إلى توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا من حوالي 41 إلى 145 ألف كلم مربع، علماً إن هذه الأرقام المستندة إلى خرائط تنشرها اليونان وتركيا هي أرقام تقديرية ومتضاربة. (رسم رقم ـ1ـ و-2 -).
• إن تثبيت السيادة التركية على الجزيرة "السحرية"، يعني إن مدن مرمريس وفتحية وكاس التركية باتت متقابلة (جارة) مدن درنة وطبرق وبردية الليبية. وأهمية هذا التحديد انه يسمح لتركيا برسم جرفها القاري بناء على مبدأ خط الوسط بين الدولتين. وبدون إعارة أهمية (أو اعتبار ان "تأثيرها معدوم") للجزر وبخاصة جزيرة كريت التي تعتمدها اليونان كخط أساس لتحديد مياهها البحرية. ويشار هنا إلى أن المواد المتعلقة بالجزر وبالجروف القارية في قانون الأمم المتحدة للبحار يشوبها الكثير من العمومية والغموض، ما يسمح لكل دولة بتفسير هذه المواد بما يخدم مصالحها. إذ تنص مثلاً على أنه "إذا ما ألحق وجود الجزر الضرر بإجراء ترسيم حدودي عادل ومنصف، فيمكن لدى القيام بأعمال الترسيم منح تأثير محدود - أو حتى معدوم في بعض الحالات - لهذه الجزر". ولم يحدد القانون المقصود بتعبير "عادل ومنصف" كما لم يحدد بوضوح الحالات التي يكون فيها التأثير "محدودا" او "معدوماً". (رسم رقم -4-)
• يؤدي توسيع الجرف القاري التركي حتى حدود المياه الليبية، إلى قطع التواصل بين المياه البحرية لكل من اليونان وقبرص، ما يجعل تركيا هي الممر الإلزامي لأي خط أنابيب لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا وبخاصة خط "إيستمد". وقد عبر الرئيس التركي بمنتهى الوضوح عن ذلك بقوله "ان خط الغاز الذي تخطط إسرائيل ومصر واليونان لتمريره إلى أوروبا، صار تنفيذه بحاجة إلى التفاوض مع تركيا". وتلك هي "القطبة المخفية" التي أشعلت غضب أوروبا.
أردوغان: المذكرة "تقلب الوضع الذي فرضته معاهدة سيفر" التي رسمت حدود تركيا الحديثة
• ولمزيد من الإضاءة على قضية خطوط أنابيب الغاز والأهمية الجيوستراتيجية للجزيرة "السحرية"، نشير إلى أن ضمها للسيادة اليونانية، يجعل المناطق الاقتصادية لكل من إسرائيل، مصر، قبرص واليونان، مناطق متلاصقة، ما يسمح بالتالي بمد خط مشترك لأنابيب الغاز يصل إلى أوروبا بدون المرور بالمياه التركية (حتى لو تم تثبيت النظرة التركية للجرف القاري)، بل بدون المرور بأي مياه دولية. (رسم رقم -5 -).
• تؤمن المذكرة لتركيا حدودا مشتركة مع ليبيا بكل ما يحمله ذلك من ترسيخ لنفوذها وتحقيق مصالح سياسية واقتصادية وأمنية. كما تؤمن لها بالوقت ذاته، حدودا مشتركة مع مصر بكل ما يحمله ذلك من فرص لإثارة النزاعات أو أوراق ضغط في المفاوضات، أو ربما فرص للتعاون والمشروعات المشتركة إذا تغير المناخ السياسي. وللدلالة على ذلك، نشير إلى مقال لوزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، منشور على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية التركية، يذكر فيه بوضوح إن "الاتفاقية الموقعة بين "إدارة قبرص الجنوبية اليونانية" ومصر، غير نافذة بالنسبة لتركيا بسبب القضية القبرصية، وباطلة بالنسبة للقانون البحري لانتهاكها الجرف القاري التابع لتركيا".
• بالنسبة لليبيا، تشكل المذكرة ورقة ضغط مهمة في نزاعها مع اليونان حول المنطقة الاقتصادية الخالصة. وتقول حكومة الوفاق أن اليونان استغلت الأوضاع غير المستقرة في ليبيا وقامت بترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة مقتطعة حوالي 39 ألف كلم2 من المنطقة الاقتصادية الليبية، أي ما يعادل ثلث مساحتها. واستندت اليونان في خطوتها إلى تفسير "لتلك البنود الغامضة" في قانون الأمم المتحدة للبحار المتعلقة بالجزر، معتبرة إن جزيرة كريت هي امتداد للبر اليوناني. وقامت حكومة الوفاق في أكتوبر الماضي، بإبلاغ الأمم المتحدة باعتراضها على الخطوة اليونانية، مؤكدة عدم اعترافها بما أطلقت عليه في المذكرة "الاغتصاب اليوناني للمياه الليبية". وحتى لو سقطت حكومة الوفاق، فإن هذه المذكرة التي تعيد إلى ليبيا المساحة المقتطعة، ستبقى "كابوساً" لليونان و"مأزقاً" لأي حكومة ليبية أخرى، عند مقاربة ترسيم الحدود. (رسم رقم ـ 4 ـ ).
• يشكل إيداع المذكرة لدى الأمم المتحدة نقطة مهمة لصالح تركيا ضد اليونان في صراعهما لتحديد مياههما البحرية، كما تشكل نقطة أكثر أهمية في مواجهة العقوبات المتعلقة بالمذكرة التي قد تفرضها دول الاتحاد الأوروبي، لتضاف إلى العقوبات المفروضة أصلاً والمرتبطة بعمليات الحفر التركية في المياه القبرصية. إذ تعتبر تركيا كما قال وزير خارجيتها "ان إيداع المذكرة لدى الأمم المتحدة يوجب على دول الاتحاد الأوروبي إعطاء تفسير مقنع لفرض أي عقوبات وتبيان سبب رفضها لاتفاقية موقعة بين دولتين ذات سيادة ومعترف بهما". أما الأمم المتحدة، فمعروف أن دورها يقتصر على قبول إيداع الاتفاقيات، وهو ما عبر عنه المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة بقوله "إنه لا يحق للأمم المتحدة أن تتدخل في القرارات السيادية لأي دولة". 
• ولكن تجدر الإشارة إلى نقطة ضعف أساسية في موقف حكومة الوفاق ومن ورائها تركيا، تتمثل في أن الاتفاقيات الدولية يجب أن تقر من قبل مجلس النواب الليبي وهو أمر غير ممكن في ظل تشظي المجلس إلى مجلسين. يضاف إلى ذلك الجدل القائم حول شرعية حكومة الوفاق واستمرار الصلاحية الممنوحة لها لإبرام اتفاقيات دولية بموجب اتفاق الصخيرات (17/12/2017)، باعتبار ان الاتفاق حدد مهلة انتقالية للحكومة ولمجلس الرئاسة مدتها 18 شهرا، تمدد عند الضرورة لمدة 6 أشهر. 

العبرة بالتنفيذ 

لأن المذكرة تحقق لتركيا مكاسب ضخمة كما ورد أعلاه، ما يضعها في موقف تفاوضي بالغ القوة على أي طاولة مفاوضات أذا لم نقل إنها "تقلب الطاولة" كما قال الرئيس أردوغان، فمن البديهي أن لا يكون فرضها كأمر واقع سهلاً في ظل موازين القوى الحالية ومسارعة التحالف المضاد الذي يضم الاتحاد الأوروبي وغالبية الدول العربية وتحديداً مصر، للتصدي لها على خطين الأول إسقاط الطرف الليبي الموقع عليها، بما ينزع عنها الصفة القانونية كاتفاقية دولية، والثاني تشديد الضغوط على تركيا لوقف أنشطتها المتعلقة بالحفر والتنقيب في المياه القبرصية وكذلك استخدام القوة العسكرية لمنع الشركات الدولية من العمل في تلك المياه. 
ويبدو ان تركيا تدرك إن "قلب الأوضاع" وتغيير المعاهدات الدولية وإعادة رسم خرائط الدول في منطقة شديدة الحساسية مثل شرق المتوسط، يتطلب أكثر من مذكرة تفاهم مع ليبيا أو الأصح مع "حكومة الوفاق" التي تسيطر على جزء محدود من ليبيا. كما يتطلب وجود حلفاء أقوياء وثابتون في تحالفهم، إذ لا يكفي أن يكون حليفها الوحيد الثابت هو دولة قطر. لذلك فمن المرجح أن تسعى تركيا لاحتواء الخلاف الناشئ مع روسيا بشأن الملف الليبي، خاصة بعد إعلان الرئيس التركي أن بلاده "لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام نشاط المرتزقة الروس في ليبيا". الأمر الذي استدعى رداً روسياً حاداً تمثل في تصريح لمصدر في الخارجية نقلته وكالة "نوفوستي" الحكومية اعتبر ان "إبرام الاتفاق التركي مع حكومة السراج واحتمال زج قوات تركية في ليبيا يبعثان على قلق بالغ لدى موسكو". وعلى أي حال فإن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة في 8 يناير المقبل، والتي أعلنت تركيا أنها ستتركز على بحث الأزمة الليبية، تشكل محطة مهمة في مسار العلاقة بين الجانبين وفي سعي تركيا إلى تعميق تحالفها مع روسيا. علماً ان تعميق التحالف مع روسيا، سيسهم بدون شك في تعميق الخلاف التركي الأميركي، ويحمل مخاطر جدية بتحول أميركا من حليف إلى عدو، خاصة إذا نفذ الرئيس أردوغان تهديده بإغلاق قاعدة أنجيرليك. ويجدر هنا التوقف عند الموقف الأميركي المتذبذب أصلاً من الوضع في ليبيا حيث تعلن وزارة الخارجية عن دعمها لحكومة فايز السراج في الصباح، ليبادر الرئيس الأميركي للاتصال بالجنرال خليفة حفتر بعد الظهر، ليعرب عن دعمه له.
 
تبريد الرؤوس الحامية
لذلك الاندفاعة التركية الحالية بكل معطياتها وتداعياتها وردود الفعل عليها، ليست سوى معركة جزئية في حرب إقليمية دولية تتواصل فصولاً في مختلف الميادين، ولأن الظروف الدولية والإقليمية غير متوافرة للبحث في حلول جذرية لها تتضمن تغيير الخرائط والحدود، فمن المرجح ان تتكثف الجهود لتبريد الرؤوس الحامية بين تركيا واليونان، والبحث عن حلول وسط في ليبيا. ولتتحول المذكرة التركية الليبية إلى ورقة تفاوضية رابحة أو الأصح "جائزة ترضية" إلى أن يحين وقت التفاوض. ولن يكون بمقدور الرئيس أردوغان الاحتفال بذكرى مرور قرن كامل على اتفاقية سيفر في ديسمبر 1920، بإعلان تمكنه من تعديلها أو حتى وضعها على طاولة البحث.