تعويم الجنيه المصري قرار جريء على طريق الإصلاح

14.12.2016
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
الاقتصاد والاعمال

قرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف الجنيه كان صائباً وجريئاً، وشكّل خطوة في الإتجاه الصحيح على طريق الإصلاح الإقتصادي بشكل تتكامل فيه السياسات المالية والنقدية والإجتماعية، وقد تكون لقرار تعويم الجنيه آثار سلبية تتمثل بإنخفاض الدخل الحقيقي نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لكن المشهد سيبدو مختلفاً في الأمد المتوسّط حيث الهدف ليس رفع قيمة العملة أو خفضها بل الحفاظ على استقرارها، وتحفيز التدفقات الاستثمارية والمالية وتحسين بيئة الأعمال لتكون جاذبة.

ما هي السلبيات والمحاذير المؤقّتة؟ وما هي الإصلاحات المطلوب أن تتكامل مع هذا القرار؟

مرّت مصر على مدى تاريخها الحديث بأزمات إقتصادية متعدّدة أدت إلى عدم استقرار سعر صرف الجنيه وبالتالي إلى وجود سوق موازية للعملة الأجنبيّة وهو الأمر الذي حدّ من قدرة وفعالية البنك المركزي على إدارة السياسة النقديّة والتحكم بسعر الصرف. ولا شكّ أنّ لجوء الحكومات المتعاقبة إلى الحفاظ على قيمة  الجنيه بسعر أعلى من قيمته الحقيقية وتركيز الجهود على حماية سعر الصرف وكأنه هدف في حدّ ذاته، لم يصبّا في مصلحة الاقتصاد الوطني كما هو معلوم في أدبيات الاقتصاد، وهذه الجهود، هدفت إلى «التباهي» بقوّة سعر صرف العملة، وهذا ما تسعى إليه بعض الحكومات.  

قرار لا بدّ منه

وكان قرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف الجنيه حكيماً بقدر ما كان شجاعاً، حتى ولو جاء متأخراً، ويمكن القول إنه يشكل استعادة «للرشد الاقتصادي» وإعادة العملة إلى وضع طبيعي، بحيث يمكن للإقتصاد المصري بعدها أن ينمو، وللمجتمع أن يكون أكثر صحّة وعافية، كما إن القرار أدّى إلى القضاء على السوق السوداء إضافة إلى مساهمته في تيسير حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار وهي خطوة إيجابيّة جاءت متّسقة مع المنظومة الإصلاحية المتكاملة التي تتضمن برنامج الإصلاحات الهيكلية للمالية العامة، وتنسجم تماماً مع الدستور المصري الحديث الذي نصّ على أنّ اقتصاد مصر هو اقتصاد حرّ يقوم على تكامل دور القطاعين العام والخاص وعلى دعم التنافسيّة وبالتالي يُحسب للبنك المركزي القدرة على اتّخاذ قرار جريء لمعالجة الخلل الذي حدث في سوق النقد الأجنبي وتمكين الاقتصاد المصري من مواجهة التحديات القائمة وإطلاق قدراته وتحقيق معدّلات النمو والتشغيل المنشودة، كما إنّ هذا الإجراء يأتي مكملاً لما أنجزته مصر في المضمار السياسي من تحقيق قدر معتبر من الديمقراطيّة وحرية الاختيار للممثلين السياسيين وبالتالي أصبح لزاماً عليها الآن أن تتحرك في سبيل تحقيق ما يطلق عليه ديمقراطية اقتصادية تعطي الفرد قدرة على اختيار وانتخاب السلع والخدمات وفقاً لقيم وتكاليف أكثر واقعية وهو ما يعدّ خطوة كبيرة في طريق التحول الاقتصادي الشامل. 

نجاح التعويم يتطلب اتساقاً كاملاً، للسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية

منافع التحرير 

توقّع البعض بأنّ يؤدّي تحرير الجنيه إلى المزيد من التدهور في قيمته وإلى تراجع اقتصادي، وهي توقّعات غير دقيقة، لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة بإعتبار أن سعر العملة الأجنبية «الدولار» مقوّم بأعلى من قيمته لأنه يتم تداوله في سوق غير رسمية ومحمّلة بتكلفة المخاطرة وتكلفة المضاربة، وبالتالي فإن تحرير العملة ينطوي على منافع اقتصاديّة مهمّة، فهو يساهم أولاً في تعزيز تنافسية المنتجات المصرية وبالتالي تنمية الصادرات وخفض الواردات ومن ثمّ تخفيض العجز المزمن في الميزان التجاري طيلة العقود الفائتة، وهو ما يؤدّي إلى تعزيز احتياطات العملة الأجنبيّة. 

وهذا القرار الذي جاء بناءً على إرادة مصريّة، يُشجع ثانياً على تدفّق الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، ويُزيل مخاوف المستثمرين، كما يساهم في جذب الأموال التي كانت مجمّدة في الخارج بخاصة تلك التي بحوزة المغتربين المصريين والتي تعدّ من أهم روافد النقد الأجنبي، والتي كان أصحابها يخشون تحويلها إلى مصر بسبب عدم القدرة على استردادها في حال الحاجة اليها. ويُحفّز القرار أيضاً، الشركات الأجنبيّة على الإستثمار في مصر لأنّها باتت مع تحرير العملة قادرة على تحويل أرباحها بالعملة الأجنبيّة إلى الخارج وهو يعدّ عاملاً جاذباً لزيادة الاستثمارات الأجنبيّة في الشركات القائمة واجتذاب استثمارات جديدة.

بعد تحرير الجنيه، يفترض الاهتمام بتحسين بيئة الاستثمار 

إنعاش السياحة والبورصة 

 ومن المنافع الرئيسية أيضاً إنعاش السياحة وإنعاش البورصة نتيجة الاستثمار غير المباشر والأموال الساخنة (hot money) التي كانت مصدراً رئيسياً لتدفّق العملة الأجنبيّة وتكوين الاحتياطات الدولية التي وصلت إلى 36 مليار دولار ما قبل العام 2011، ومن المرجّح أن تعود هذه الأموال للمضاربة مرة أخرى في السوق المصرية نظراً الى حرية الدخول والخروج، بالإضافة إلى أثرها غير المباشر على بيئة الأعمال والاستثمار، كما يساهم هذا القرار في زيادة حصيلة الضرائب نظراً الى زيادة حجم الأعمال وتسعير واقعي للعملة الأجنبية عند تحصيل الضرائب الجمركيّة وكل ذلك يؤدي في المحصلة إلى رفع معدّلات النمو الاقتصادي. وهذه المنافع كانت صعبة التحقق خلال الفترة السابقة، في ظل القيود التي كان يفرضها البنك المركزي على حركة العملات الأجنبيّة للأفراد والشركات، وتسعيرها بسعر مختلف عن سعرها الحقيقي مما يجعل بيئة الأعمال تتّسم بقدر من الغموض وهو ما يرفع درجات المخاطرة لدى المستثمر ويقلل من جاذبية الاستثمار في مصر.

سلبيات ومحاذير مؤقتة

ومن الطبيعي في بداية تحرير سعر الصرف أن تحدث فترة من عدم الاستقرار تتذبذب فيها قيمة العملة صعوداً وهبوطاً وهي فترة ترقّب لكل اللاعبين في هذه السوق إلى أن يستقر السعر السوقي، ومن المتوقّع أن يكون الاستقرار دائماً عند سعر أقل من السعر الذي كان سائداً في السوق السوداء، والذي كان يحمل في طياته عنصر المخاطرة «لأنّه مجرّم قانوناً» وعنصر المضاربة «لعدم وجود سوق رسمية». فسياسة البنك المركزي لا يجب أن تستهدف رفع قيمة العملة أو خفضها بل الحفاظ على استقرارها وحمايتها من التقلّبات الحادّة وهو أمر مرتبط بعدم تحميل الإستثمار تكلفة مضاربة كبيرة. فما قبل قرار تحرير العملة، كان سعر الصرف محمّلاً بأمرين هما تكلفة المخاطر والمضاربة وهو ما يفسّر قفزته إلى 17 و18 جنيهاً مقابل الدولار، غير إنّ التحرير سيُسهم في إزالة هذه الأعباء وتحقيق انخفاض تدريجي في السعر ليستقرّ عند حدود 14 جنيهاً، وربّما أقل مع عودة التدفقات الأجنبيّة إلى مصر وتحقيق المنافع الديناميكية غير المباشرة من التحرير، وذلك شريطة استعادة البنك المركزي لقدرته على توفير العملات الأجنبية باستمرار، ونجاحه في استعادة الثقة لأنّ العنصر الحاسم في هذه الموقعة هو القدرة على إدارة التوقعات بشأن المستقبل واقتناع كافة اللاعبين بجديّة الإصلاح واكتساب الإدارة الاقتصادية قدراً كبيراً من المصداقيّة، وهو العنصر الحاكم.

أمّا في ما يتعلق بالمخاوف من أن يؤدي القرار في المرحلة الأولى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للمصريين وتآكل قدرتهم الشرائيّة، وارتفاع قيمة السلع المستوردة، فقد بدأت الحكومة بإتخاذ الإجراءات الاحترازيّة لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وتقليل التأثيرات السلبيّة للقرار، شملت على سبيل المثال، زيادة قيمة الدعم للفرد في بطاقات التموين، وبرنامج معاش الضمان الاجتماعي وغيرها. 

يتوقف نجاح قرار تعويم العملة، على تحقيق سلسلة إصلاحات ليؤتي ثماره فمن دون ذلك ستكون فرص الإستفادة من التعويم محدودة، إذ لا يمكن التعامل مع سياسة سعر الصرف بشكل منعزل عن السياسات الأخرى. ومن متطلّبات النهوض الاقتصادي المكمّلة لخطوة التعويم الجريئة، أن تقوم الحكومة المصريّة بإعادة صياغة السياسات المتعلقة بتحسين مناخ الاستثمار بما يطمئن المستثمرين بأنّ الاستثمار في مصر مجد وعائده مضمون على المدى البعيد وإن كان ينطوي في هذه المرحلة على شيء من المخاطرة. كذلك يتطلّب التعويم اتّساق السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية اتّساقاً كاملاً. والنجاح في اجتذاب الاستثمارات المحليّة والأجنبيّة يساهم بدوره في خلق فرص عمل وتحسين مستوى معيشة المواطن المصري، والحل هو بتوسيع وتكبير حجم الاقتصاد من خلال تحقيق زيادة كبيرة في استثمارات القطاعين العام والخاص. وهذا ما بدأ يتحقّق من خلال استعادة ثقة المتعاملين مع الاقتصاد المصري بعد تعويم الجنيه، وترحيب بيئة الأعمال به الذي كان مطلباً أساسياً لهم وخصوصاً للشركات المتعدّدة الجنسية. 

يفضل حالياً تحمل عجز في الموازنة لصالح تحقيق معدلات نمو مرتفعة

تحفيز النمو

والمطلوب كذلك أن تقوم الحكومة بوضع سياسات لتحفيز الطلب الكلّي خشية حدوث ركود اقتصادي نتيجة الانكماش الناتج عن ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكيّة وتراجع القدرة الشرائيّة للمواطنين، وذلك يتحقّق من خلال تحفيز الإنفاق الاستهلاكي وزيادة الإنفاق الحكومي «وليس تخفيضه كما يُطالب البعض» والاستثمار العام والخاص، وهذا التحفيز أساس في اقتصاد ناشئ مثل مصر التي تحتاج إلى زيادة في حجم التشغيل وتوظيف الأموال وإلاّ تتعرّض البلاد لحالة من الكساد التضخمي، كذلك لا بدّ لسياسات التجارة الخارجيّة أن تتّسق مع السياسات النقديّة من خلال تحرير التجارة من أي قيود وعراقيل. والمهم في هذه المرحلة التركيز على تحفيز النمو وخلق فرص العمل وليس فقط على علاج اختلالات الموازنة العامّة، ولا بأس من تحمّل عجز أكبر في الموازنة، وضخ المزيد من الاستثمارات في مجالات البنية الأساسية والرعاية الاجتماعيّة وتحسين مناخ الاستثمار، وتبني سياسات ماليّة ونقديّة توسّعية بغية تحقيق معدلات مرتفعة من النمو وهو ما قد يؤدي بعد ذلك إلى زيادة إيرادات الموازنة العامة واحتواء العجز. 

مشهد تحرري 

وخيراً فعل القطاع المصرفي بتوجيه من البنك المركزي عندما طرح منتجات إدخارية بالجنيه بعائد ثابت قدره 20 في المئة لمدّة 18 شهراً لتعزيز الطلب على الجنيه وخفض معدّل الدولرة. ومن المهم أن يعمل البنك المركزي ضمن سياسة توسّعية ترتكز على الإدارة الفعالة للسيولة النقدية، وذلك من خلال استخدام أدوات البنك المركزي لتعويض النقص في السيولة المحلية والعرض النقدي الناتج عن الإقبال على شراء تلك الشهادات وذلك مثلاً بتخفيض نسبة الاحتياطي القانوني والتي تؤدي بدورها الى توسع بالعرض النقدي ما يضمن سيولة أكبر في السوق لتجنب الكساد التضخمي.

المشهد في مصر هو مشهد تحرّري يبعث على التفاؤل بأنّ مصر تسير على الطريق الصحيح وأنّ الإدارة المصريّة جادّة وجريئة في وضع الإصلاحات الاقتصاديّة والسياسيّة الضرورية وتحصين الشارع المصري من أي ردود فعل شعبيّة. ورغم أنّ كلفة هذا الإصلاح قد تكون كبيرة على النظام السياسي لكنّه ضروري، فكل الدوائر التي تراقب الوضع الراهن في مصر تلمس جدية الدولة وإصرارها على تحقيق الإصلاح ما من شأنه أن يحقق تطوّر ونمو الاقتصاد المصري. إذاً، مصر مقبلة على تطورات إيجابية شرط أن تكون السياسات الاقتصاديّة والمالية والنقدية متّسقة مع قرار تحرير الجنيه، وأن يترافق ذلك مع إزالة العراقيل وتوضيح الرؤية وأن يتم التعامل مع الاقتصاد المصري على أنّه اقتصاد حرّ مما يشجع الاستثمارات الخاصة ويسهم في تحقيق الأهداف الأخرى وعلى رأسها رفع مستوى المعيشة وخلق فرص العمل واستقرار الأسعار.