بعيــداً مــن منطـــق العــائـــد الإستثمــاري مبــادرة المصرفــي روبيـــر عيــد: بيــت الفنــان - حمــانــا

2016-09-15

فكرة جريئة مصحوبة بالشجاعة والثقافة والذوق جعلت من حمّانا مقصداً للزائرين من بيروت والمناطق المجاورة، ومن صاحب الفكرة مثالاً . الفكرة كانت حلماً صار مشروعاً قيد التنفيذ  هو "بيت الفنان- حمانا"، أما صاحبه فهو عضو مجلس الإدارة المنتدب الرئيس التنفيذي لأحد أكبر المصارف العربية روبير عيد الذي قرر أن يهدي داره الى حلمه، فحوّل بيتاً قديماً يملكه في حمانا ملتقى الفنانين اللبنانيين والأجانب ومساحةً حرة لتطوير أعمالهم في فنون الأداء والمسرح.  

في خطوة نادرة، أراد رجل الأعمال الآتي من عالم المال والمصارف تحقيق مشروع ثقافي  فني، فتنازل عن منطق الأرقام ولم يحسب حساباً لمردود مادي، أما الهدف فتقديم عمل راق ونادر في قلب الجبل، يعيد إلى القرية اللبنانية نفَسها ونبضاً فقدته في ظل النزيف البشري نحو المدينة. 

إبن بكفيا، لم يسمح لإبتعاده عن الوطن أن يضعف حنينه الى الجذور، فلم يبخل بوقته الثمين للإهتمام بمشروعه الهادف الى ضخ الفن الجميل في شرايين حمانا. أما لماذا حمانا، فهي بلدة الوالدة، كان يتردد اليها لتمضية عطلة الصيف قبل أن يغادر لبنان منذ ستة وثلاثين عاماً، إلا أن الذكريات الجميلة بقيت مستوطنة في الذاكرة والوجدان:"أريد أن أعيد لحمانا القليل من الذي أعطتني إياه وغذّت به ذكرياتي وأحلامي". يقول كلماته هذه وهو جالس إلى شرفته ينظر أمامه إلى شير حمانا الخلاب وإلى الوادي الساحر حيث سكن لامارتين ونظم لحمانا أبيات الشعر.

هو الذي صمم منذ الطفولة أن يكتشف العالم، كان له ما أراد. أما إذا سألته اليوم : بين العالم وحمانا ماذا تختار؟ فيجيب: "أنا صاحب نظرة معولمة، وهناك بلدان كثيرة اعتبرها كأنها بلدي، لكن من دون شك، تبقى لذكريات الطفولة نكهة خاصة". 

 

المبادرة الجريئة

قبل  نحو 3 سنوات وجد روبير عيد نفسه، ومن قبيل الصدفة، مالكاً لـ 3 عقارات صغيرة في شارع جميل وهادىء في قلب حمانا. على واحدٍ من هذه العقارات بيت قديم عمره أكثر من قرن، فيما العقاران الآخران  خاليان ، أحدهما حوله حديقة جميلة هي "حديقة فهد فرحات" التي تضم تمثالاً له وشلالاً، والثاني سيكون عبارة عن مسرح في خلفية البيت القديم.

وعن مشروعه للبيت القديم يروي عيد :"خلافاً لبيئتنا المصرفية، أحببت أن أنجز عملاً يكون مفيداً  للمجتمع بعيداً عن حسابات العائد على الاستثمار وعن أية نظرة تجارية، والهدف أن تستعيد قرانا بعض النفَس بعد أن هجرها أهلها مع الأسف. الحقيقة لم تكن لديّ في البداية فكرة واضحة عن وجهة المشروع، فاستشرت العديد من الأشخاص الذين تقدموا بأكثر من اقتراح: بيت للكشافة، بيت للمسنين أو للعجزة، مستوصف، بركة سباحة، مدرسة لتعليم التطريز والخياطة وغيرها... لكن في المقابل كانت لديّ رغبة بأن أقدّم مشروعاً يخدم الفن ويكون جاذباً. لماذا الفن؟ أولاً الفن للفن، وثانياً إعادة الحياة إلى القرى من خلال التركيز على الفن وخصوصاً الموسيقى لأنها، كما يُقال، تلطّف الأطباع، وهذا ما نحن بحاجة اليه اليوم". 

هكذا إذاً، تحولت صدفة امتلاك عقارات صغيرة الى حلم يُوظّف في خدمة المجتمع والفن ولا يكون خاضعاً لمنطق العائد على الاستثمار. 

 

خصوصية المشروع


ماذا عن تفاصيل المشروع؟ 

يتكوّن المشروع من 3 أجزاء مكمّلة لبعضها بعضاً: 

البيت القديم  الذي سيتم الحفاظ على طابعه وهندسته، وسيتحول الى مسكن لفنانين مختارين يعيشون فيه لفترة معينة حيث يمكنهم أن يتمرنوا على أعمالهم في أجواء هادئة بعيداً عن المدينة، بما يساهم في تنمية طاقاتهم الابداعية واللوجيستية، وهذا الأمر سيتيح أيضاً لفنانين يأتون من الخارج تبادل المعرفة وأساليب العمل مع فنانين لبنانيين. 

إضافة إلى ذلك سيكون هناك في البيت القديم جزء مخصص لورش عمل للسينوغرافيا بما يتيح لكافة الفنانين سواء الساكنين في البيت أو الذين يأتون من الخارج الحصول على فرصة التدريب ضمن مواصفات مؤاتية . 

إقامة صالة عرض مسرحي مقفلة متعددة الغرض تتسع لمئة شخص وتتمتع بأفضل المواصفات الفنية والسمعية والبصرية . 

ولا شك أن مجموع هذه العناصر (أي غرف الفنانين وورش العمل والصالة المتعددة الغرض) هي التي ستعطي المشروع خصوصية، ولاسيما انه موجود في قلب قرية جبلية وليس في المدينة وهذه أيضاً خاصية مهمة، علماً أن حمانا تقع جغرافياً في منتصف لبنان كما إنها لا تبعد عن بيروت أكثر من 33 كلم . 

أما في خلفية البيت القديم الذي سيبقى مفتوحاً صيفاً شتاءً، فسيُقام مسرح  حديث وفق مواصفات عالمية ومجهّز بأفضل التقنيات.  

وهكذا سيشكّل ذلك المحيط الذي يضم البيت القديم مع المسرح إضافة الى حديقة 

فهد فرحات ومكتبة نجيب أبو حيدر الواقعتين في جواره وقرب المبنى البلدي  مساحة ثقافية وفنية مميزة. 

ويشرح عيد: "أن المشروع لن يكون فقط عبارة عن حفلة موسيقية أو مسرحية، إذ سيكون هناك مطبخ يؤمن المأكل والمشرب إلى الزائرين الذين يمكنهم، مع استمتاعهم بالموسيقى والفنانين، تناول العشاء الطيب في ظل مناخ جميل ومنعش".  

"كهربا" لإدارة المشروع

ومشروع "بيت الفنان- حمانا" الذي يُتوقع أن يكون منجزاً بعد سنة، ستديره فنياً "مجموعة كهربا" التي تعرّف عليها عيد من خلال المركز الثقافي الفرنسي، وتضم عدداً من الفنانين الذين لهم مساهمات وخبرة في فن الشارع. ويقول: " إن تجربة المجموعة ناجحة للغاية وقد نظّمت الصيف الماضي مهرجان درج الفاندوم في مار مخايل الذي استقطب آلاف المشاهدين". ويلتقي عيد مع المجموعة في أهدافها الفنية وتحديداً سعيها إلى تعزيز اللامركزية في المناطق اللبنانية لجهة العروض المسرحية وباقي الفنون، وإلى كسر الأحادية وملاقاة الجمهور في كل الساحات والمناطق اللبنانية، وإعطائه فرصة الإحتكاك بالفنانين من خلال عروض الشارع. 

ويبدو عيد مطمئناً للمشروع ومستقبله، خصوصاً ان حفل وضع حجر الأساس للمكان (إيذاناً بالبدء بالمشروع) والذي تمّ في تموز الماضي استقطب ما بين 1200 و1500 شخص، وقد تضمن ثمانية عروض فنية منوعة لفرق آتية في معظمها من أوروبا ، وجرت هذه العروض في أماكن مختلفة في الضيعة منها ساحة العقد الخلابة قرب بيت لامارتين، وشاغور حمانا الذي كان له عزه أيام أم كلثوم وعبد الوهاب، كما شهدت شوارع القرية جولات لمجموعة عازفين على الساكسوفون. وأعرب عيد عن سروره "لأن الحفل استقطب جمهوراً كبيراً من خارج حمانا والجوار فاق التوقعات، ولاقى صدىً إيجابياً والكثير شجعنا على متابعة العمل ليكون المشروع منجزاً في أسرع وقت". 

بعيداً عن المنطق التجاري

لا شك أن كلفة مشروع بهذه المواصفات العالمية ليست قليلة، لكن روبير عيد أخذ على عاتقه تمويله كاملاً الى حين اكتماله ويقول: "هذا ليس مشروعاً تجارياً على الاطلاق ولأول مرة ربما، وخلافاً للمنطق السائد في صناعتنا المصرفية والمالية، لا نرتكز على العائد على الإستثمار. فالتمويل شخصي، ودوري الأساسي يكتمل تقريباً عندما ينتهي الترميم والبناء والتجهيز وقد استمر ربما لثلاث سنوات إضافية أقدم المساعدة للمشروع إلى حين التأكد من أنه صار قادراً على الوقوف وحده، فيموّل نفسه بنفسه ويغطي مصاريفه، وهكذا أكون ضمنت استمراريته".  

في الختام لا بدّ من الإعتراف بأن إقامة مشروع ثقافي فني في قرية حمانا هو مبادرة جديدة من نوعها ونادرة بإعتبار أن مثل هذه المشاريع ليست جذابة كالمهرجانات وغيرها، لكن روبير عيد يعي تماماً أنه يطرق باباً غير تقليدي وغير مكرر وخصوصاً في القرى لكنه مطمئن الى حجم الحضور والإقبال لأن مقياس نجاح مشروع "بيت الفنان- حمانا" برأيه كان في قدرته، يوم وضع حجر الأساس، على استقطاب الناس من خارج حمانا وحتى من بيروت وطرابلس وصيدا وهذا كان مؤشراً جيداً . ويضيف: "إن الهدف خلق رديف بين بيت الفن في حمانا و بين أعمال واستعراضات عالمية ترتكز على النوعية بحيث تصبح حمّانا مقصداً وعنواناً لفن راق، وهذا سيكون ربما مفتاح النجاح في المستقبل".  

لا شك أن اطمئنان روبير عيد مبرّر ومفهوم، بإعتبار أن من يملك الإرادة والقناعة والايمان بمشروع ما ويعمل له بإخلاص وحب ومن قلبه، لا بدّ لمشروعه أن يحصد النجاح 

Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.