الدمج المصرفي بين الواقع والممكن

2014-01-09
الاقتصاد و الاعمال
  • جمود في الدول العربية، باستثناء حركة نشطة في البحرين ومشاريع قيد الدرس في سلطنة عمان
  • لا يتوقع حدوث عمليات دمج كبرى في 2014، بل تركيز على تقوية الميزانيات والرساميل وحماية الأرباح
  • تتجنب المصارف الكبرى دمج مصارف أخرى خوفا من إضافة عناصر مخاطرة جديدة
  • باتت جودة الموجودات العامل الحاسم في تقرير عمليات الدمج وليس مسألة الحجم الانتشار العالمي

نشرت مجلة الاقتصاد والأعمال تقريرا حول عمليات الدمج المصرفية حول العالم والتوقعات حيال مستقبلها في ظل مجموعة من العوامل التي تلعب دورا حاسما في هذا المجال كالمعايير المصرفية الجديدة وتشدد السلطات النقدية ومعايير "بازل 3". وينطلق التقرير من فرضيتين محاولا الإجابة عليهما، الأولى تقول أن ظروف القطاع المصرفي العالمي لا تعزّز من حظوظ الاندماجات في السنة الحالية والثانية تتوقع اضطرار المصارف الصغيرة والمتوسطة للتوجه إلى الدمج نتيجة ارتفاع كلفة الالتزام بالمعايير المصرفية الجديدة.

وينطلق التقرير بطرح سؤال محوري فيقول: "هل أفل نجم عمليات الدمج في الصناعة المصرفية في العالم نهائياً، أم أنها مرحلة صعبة تمرّ بها المصارف عامة لا تلبث أن تنتهي مع عودة زخم النمو الاقتصادي في الدول الكبرى؟". ويضيف أن استطلاعاً للرأي أجرته شركة التدقيق والاستشارات KPMG مؤخراً اظهر أن 13 في المئة فقط من مسؤولي المصارف في الولايات المتحدة يعتقدون أن مصارفهم ستدخل في عمليات دمج أو تملك العام المقبل مقابل 21 في المئة العام الماضي. وأن ذلك يأتي في ظل تزايد التشدد من قبل السلطات النقدية في هذا المجال مقابل تراجع الاستعداد للبيع في انتظار ارتفاع أسعار الأسهم التي لا تزال قرب أدنى مستوياتها في العقدين الأخيرين على أقل تقدير. ويتابع التقرير فيتناول مختلف وجهات النظر حيال هذه القضية كما يتناول أهمية العوامل الحاسمة في عمليات الدمج وتأثير نمو أحجام المصارف الآسيوية ونشاطات الدمج في عدد من البلدان العربية مثل البحرين، عُمان والإمارات.

هنا التقرير:

ثمة آراء تشير إلى تزايد احتمالات حدوث عمليات دمج وتملك العام المقبل وذلك بسبب المعايير المصرفية الجديدة التي يتوقع أن تزيد كلفة الالتزام بها لدى المصارف المتوسطة والصغيرة نظراً لكثرتها وتعقيدها ما يستلزم بذل جهود إضافية للحصول على المعلومات والأرقام المطلوبة واستخدام أدوات وأنظمة آلية متقدمة لبرمجتها واحتساب أثرها. وعليه، يمكن القول إن الآراء ليست متناقضة حول هذا الموضوع، بل إنها تنطبق على فئات مختلفة من المصارف: فالمصارف الدولية الكبرى لديها كل الأدوات الحديثة التي تمكنها من قياس استثماراتها المختلفة مهما كانت درجة تعقيدها أو مستوى تركيبها، إلا أن هذا التعقيد يضعها أمام صعوبات كبيرة بالنسبة للإلتزام بالتشريعات المصرفية الدولية التي صدرت بعد الأزمة المالية، ومنها قانون دود فرانك العام 2010. وهذا بدوره يحدّ من قدرتها على السعي لدمج مصارف أخرى خوفاً من إضافة عناصر تزيد من صعوبة الالتزام بمتطلبات السلطات النقدية والمصرفية. في الوقت نفسه، فإن هذه السلطات باتت في السنوات الأخيرة تنظر أكثر فأكثر إلى مستوى المخاطر التي تتعرض لها المصارف ومدى إمكانية تزايد هذه المخاطر إذا ما قامت بعمليات دمج أو تملك مهمة.

العبرة بنوعية الموجودات

ويبدو أن المصارف الكبرى تنقل تركيزها عند إقدامها على أي عملية دمج من مسألة الحجم وجمع الودائع إلى نوعية الموجودات وجودتها، ومن الاهتمام بالانتشار العالمي إلى التركيز على الجدوى الاقتصادية من التواجد في بلدان معينة. ويرجح الخبراء أن تستمر المصارف الكبرى في الأشهر المقبلة في التركيز على كيفية الالتزام بمعدلات الملاءة والسيولة الجديدة بموجب معايير "بازل 3"، التي يتوقع أن تنعكس سلباً كذلك على قدرتها على التوسع وتحقيق النمو في الحجم. والواقع أن التشريعات والمعايير المصرفية التي صدرت في السنوات القليلة الماضية تدفع المصارف نحو تغيير أساليب ومجالات عملها. وقد بدأت مصارف دولية عديدة في إعادة النظر في انتشارها الجغرافي سعياً الى تقليص المخاطر التي تتعرض لها. لكن السعي نحو تعزيز الأموال الخاصة والعائد عليها وتخفيض مخاطر الموجودات من جهة، وتقليص كلفة رأس المال من جهة أخرى تجعل من الصعب على المصارف تحديد نطاق الأعمال التي يمكن أن تحقق لها الاستخدام الأمثل لأموالها الخاصة من ناحيتي الملاءة والربحية في الوقت نفسه.

وعليه، لم يعد الهدف من وراء الدمج واضحاً كما كان في الماضي، حين كان تحقيق اقتصاديات الحجم كفيلاً بتأمين النمو والربحية في آن معاً، بل إن زيادة تعقيد العمل المصرفي والقيود عليه تضطران المصارف إلى الأخذ في الاعتبار عوامل متنوعة واحتساب نسب ومعادلات عديدة قبل الإقدام على أي عملية دمج، خاصة في ظل حاجة المصارف إلى التأكيد باستمرار على سلامة العمل وإبراز سعيها لتقليص المخاطر منذ أن تزعزعت الثقة بالمصارف الكبرى بعد الأزمة المالية الدولية. وبالتالي، وفي غياب نموذج واضح للعمل، يصبح الدمج أحياناً وسيلة جيدة لتحقيق الأهداف المنشودة للمصرف، وأحياناً أخرى عائقاً مهماً أمام بلوغ الأهداف نفسها.

تقدّم المصارف الآسيوية

هذا لا يعني أن اقتصاديات الحجم لم تعد تنطبق على المصارف أو تدخل في حسابات ربحيتها، والواقع أن المصارف الغربية تواجه ضغوطاً متزايدة من هذه الناحية بفعل النمو المتسارع في حجم عدد من المصارف الآسيوية وخاصة الصينية التي بات عدد متزايد منها يحتل المراتب الأولى في ترتيب المصارف حول العالم، ما يزيد من قدرتها على منافسة المصارف الغربية في بلدان ومناطق عديدة. كذلك، من العوامل التي لا تزال تدفع المصارف الغربية الكبرى إلى القيام بعمليات دمج وتملك عامل الربحية التي تراجعت في الأعوام القليلة الماضية بعد أن اضطرت مصارف كبرى عديدة إلى تغيير نموذج العمل لديها في أعقاب الأزمة المالية والتعديلات التشريعية والرقابية التي تلتها ما خفض ربحيتها بشكل ملموس مقارنة بالمرحلة السابقة. من جهة أخرى، فإن أوضاع المصارف الغربية المتوسطة الحجم عامة تحسنت في العامين الأخيرين بحيث أصبحت تبدو أكثر جاذبية وأقل مخاطرة بالنسبة للمصارف الكبرى الراغبة في شراء وتملك مصارف أخرى. أضف إلى ذلك أن أسعار أسهم المصارف عامة ما زالت دون مستوياتها التاريخية وكذلك دون قيمتها الدفترية، مثل "سيتي بنك" الذي تبلغ قيمة سهمه في السوق 0.67 في المئة من قيمته الدفترية.

وليست التشريعات والمعايير المصرفية المتشددة التي صدرت في السنوات الأخيرة هي وحدها التي تحول دون عودة الزخم إلى عمليات الدمج والتملك في القطاع المصرفي، بل التطلعات الحذرة بالنسبة للنمو الاقتصادي العالمي، علماً أنه يفترض أن تشجع كلفة الاستدانة المتدنية على عمليات الدمج. ففي العام 2007 بلغت عمليات الدمج العالمية في كافة القطاعات 4.6 تريليون دولار ، منها 1.6 تريليون في الولايات المتحدة وحدها. أما في العام 2013 فقد انخفضت قيمة هذه العمليات إلى 2.7 تريليون دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام، منها نحو تريليون في الولايات المتحدة.

حركة نشطة في البحرين

لا يختلف الوضع كثيراً في الدول العربية عنه في مناطق أخرى من العالم، وإن كانت بعض البلدان شهدت حركة ناشطة نسبة لغيرها ولا سيّما البحرين. وقد برزت الحاجة إلى الدمج في البحرين هذا العام أكثر مما هو في الدول الخليجية الأخرى، بسبب تأثر البحرين بالتوترات السياسية المحلية إلى جانب تداعيات الأزمة المالية الدولية. وقد شهدت ثلاث عمليات دمج منذ بداية السنة، تشكل بداية سلسلة من عمليات الدمج والتملك تهدف إلى تقوية القطاع المصرفي البحريني وتعزيز قدرته التنافسية على المستوى الإقليمي، حسب محافظ مصرف البحرين المركزي رشيد المعراج. ففي مارس الماضي اشترى بنك البحرين الوطني مع شركة إدارة أصول الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي 25.8 في المئة لكل منهما من أسهم بنك البحرين الإسلامي من شركة دار للاستثمار الكويتية في صفقة بلغت قيمتها الإجمالية نحو 92.6 مليون دولار. وأعلن بنك الخليج التجاري وبنك الخير في شهر يونيو عن توقيع مذكرة تفاهم بينهما لتقييم جدوى دمج المؤسستين ليصبحا مؤسسة مالية واحدة كبيرة تبلغ قيمة أصولها نحو 500 مليون دولار. وإذا ما تم استكمال عملية الاندماج، فإنها ستضيف للمصرف الخليجي التجاري ميزة تنويع أنشطته التجارية في المنطقة بالنظر إلى العمليات التجارية لبنك الخير في البحرين وماليزيا وتركيا والسعودية.

كما أعلن بنك السلام في شهر سبتمبر موافقته على الاندماج مع بنك بي أم أي، وهو مؤسسة تابعة في البحرين لبنك مسقط العماني، وذلك من خلال عملية تبادل لأسهم المصرفين، وبما يجعل المصرف الجديد الناتج عن الدمج رابع أكبر مصرف محلي في البحرين. كما أعلن مؤخراً البنك الأهلي المتحد أنه ينوي التوسع خارج البحرين وتحديداً في الإمارات والسعودية وقطر، حيث ليس لديه تواجد، بالإضافة إلى تركيا، وهو ينظر إلى إمكانية تملك مصارف محلية لتحقيق اهدافه التوسعية، هذا مع العلم أن البنك ظهر هو نفسه نتيجة اندماج بين بنك الكويت المتحد والبنك الأهلي التجاري البحريني في العام 2000.

ويبلغ عدد المصارف التجارية في البحرين 75 مصرفاً، إلى جانب 24 مصرفاً إسلامياً، وهو عدد كبير بالنسبة لبلد صغير كالبحرين. ويواجه المركز المالي البحريني منافسة متزايدة من قبل المراكز المالية في كل من دبي وقطر خاصة مع إعلان دبي مؤخراً أنها تريد أن تصبح مركزاً مالياً إقليمياً للصيرفة الإسلامية أيضاً، علماً أن البحرين كانت المركز المالي الإسلامي الأول، كما أنها مقر هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) .

مشاريع اندماج في عمان والامارات

في سلطنة عمان، أعلن في بداية الصيف الماضي بنك صحار، وهو خامس أكبر مصرف في السلطنة، أنه يدرس عرض دمج قُدمّ له من قبل بنك ظفار رابع أكبر مصرف، ما يؤدي إلى تكوين ثاني أكبر مصرف في عمان تصل موجوداته إلى نحو 10.7 مليارات دولار. وكانت السلطنة شهدت عملية دمج العام 2012، مع اندماج فروع بنك HSBC في عمان مع بنك عمان الدولي ليصبح اسم المصرف الجديد بنك HSBC عمان.

وفي الامارات تدرس مصارف عدة إمكانية الدمج والتملك بعد نجاح عملية دمج بنك دبي مع الإمارات الإسلامي في العام 2012، وذلك بهدف تقليص التكاليف التشغيلية من جهة وتحقيق النمو السريع في الحجم من جهة أخرى.

والواقع أن تملك مصرف كبير لمصرف صغير يبدو اكثر قابلية للتحقق من اندماج مصرفين كبيرين، ذلك أن المصارف الكبيرة تكون لديها ثقافة خاصة وأساليب عمل محددة، يصعب التخلي عنها أو إلحاقها بثقافة وطرق عمل المصرف الآخر، في حين يسهل على مصرف كبير استيعاب مصرف أصغر. وعليه، وفي ظل أجواء التوتر السياسي والترقب الاقتصادي في المنطقة العربية عامة، لا يتوقع حدوث عمليات دمج كبرى عام 2014، الذي من المنتظر أن يبقى التركيز فيه على تمتين الميزانيات وتقوية الرساميل والحفاظ على نمو الأرباح ولو بشكل محدود وتجنب خسائر الديون والاستثمارات العالية المخاطر.

وفي ظل هذه الأهداف المحافظة، يصعب تبني استراتيجيات طموحة وتوسعية وبالتالي الإقدام على خطوات كبيرة تغير هيكلية المصارف وبالتالي بنية المخاطر التي تتعرض لها بشكل ملحوظ وهذا لا يمنع من استفادة بعض المصارف الكبيرة ذات السيولة العالية من الفرص المتاحة والأسعار المتدنية نسبياً للأسهم، لتملك مصارف صغيرة واضحة المعالم والمخاطر بهدف تحقيق نمو أسرع أو دخول أسواق جديدة.

Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.