بقلم د. خالد عيتاني*
لم يفشل اتفاق الطائف لأنه نصّ رديء، بل لأنه وُضع في يد قوى لم تكن تريد الدولة التي وعد بها. لم يُهزم الطائف بضربة واحدة، بل أُفرغ على مراحل: وصاية لبست ثوب الاستقرار، ومحاصصة لبست ثوب التوازن، وسلاح لبس ثوب الحماية، وطبقة سياسية لبست ثوب الوفاق. هكذا تحوّل من مشروع دولة إلى نظام إدارة نفوذ، ومن وثيقة لإنهاء الحرب إلى غطاء طويل لتأجيل السلام.
الطائف ليس وثيقة قانونية جامدة، ولا جثة سياسية كما يتعامل معه البعض. إنه مشروع دولة تعرّض للاختطاف والتعطيل. أوقف الحرب، لكنه لم يبنِ السلام. أعاد المؤسسات، لكنه لم يحررها من المحاصصة. وعد بالمواطنة، فازدادت الطائفية رسوخًا. ونصّ على بسط سلطة الدولة، فبقي السلاح خارجها. إنه مشروع لم يُستكمل، والمشروع الذي لم يُستكمل لا يُدفن قبل أن يُستكمل، ولا يُستبدل قبل أن يُفهم لماذا فشل.
اليوم، في ظل الحرب المفتوحة، والانكشاف أمام إسرائيل، وتمدد النفوذ الإيراني عبر سلاح حزب الله، وتراجع الحضور العربي، والانهيار الاقتصادي، وهجرة الشباب، وانكسار التعليم، لم يعد السؤال هل نؤيد الطائف أم نعارضه، بل: من يستطيع اليوم أن يعيده من شعار دستوري إلى برنامج دولة؟
وُلد الطائف في لحظة عربية ودولية دقيقة. كان الملك فهد بن عبد العزيز الراعي العربي الأبرز للاتفاق. لم تكن المملكة العربية السعودية مجرد مضيف للنواب اللبنانيين، بل رافعة عربية أساسية لمحاولة إنقاذ لبنان من التحلل الكامل، في زمن كان البلد ساحة مفتوحة لسوريا وإسرائيل والفصائل الفلسطينية والميليشيات المحلية وصراعات الحرب الباردة. ولا بد من الاعتراف بالدور السعودي كرافعة عربية للطائف، لا بوصفه مجاملة دبلوماسية، بل كجزء من حقيقة أن لبنان لا ينهض خارج عمقه العربي. لقد حاولت المملكة أن تمنع لبنان من السقوط النهائي في التقسيم أو الفوضى أو الارتهان الكامل.
في المقابل، كان حافظ الأسد اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في مرحلة الولادة والتطبيق، لا بوصفه ضامنًا بريئًا للاستقرار، بل بوصفه صاحب مشروع نفوذ واضح في لبنان. فسوريا الأسد لم تكن دولة مجاورة فقط؛ كانت جيشًا على الأرض وجهازًا سياسيًا وأمنيًا داخل المعادلة اللبنانية. هنا بدأ التناقض الأول: نصّ يتحدث عن سيادة لبنان، وتطبيق يجري تحت يد قوة خارجية تمسك بمفاصل القرار. لم ترفض سوريا الأسد الطائف؛ بل طبّقت منه ما يسمح بإعادة تشغيل النظام تحت سقفها، وعطّلت منه ما كان يمكن أن يحوّل لبنان إلى دولة مستقلة القرار. لم يكن ذلك تطبيقًا للطائف بقدر ما كان استعمالًا له.
أما النواب اللبنانيون الذين اجتمعوا في الطائف، فكانوا الغطاء الدستوري والوطني للاتفاق، لكنهم لم يتحركوا في فراغ. كانوا أبناء حرب طويلة، وتوازنات مكسورة، وضغوط عربية ودولية، ووقائع عسكرية على الأرض. لذلك وُلد الطائف كاتفاق بين نص يريد دولة، وواقع يفرض تسوية مع قوى الأمر الواقع.
ولا يكتمل فهم الطائف من دون قراءة القلق المسيحي والماروني تحديدًا. فقد دخل جزء واسع من الوجدان المسيحي إلى الطائف بشعور الخسارة لا الشراكة، إذ رأى أن الاتفاق أنهى امتيازات الجمهورية الأولى، وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، ونقل مركز القرار التنفيذي إلى مجلس الوزراء، من دون أن يضمن قيام دولة قوية تعوّض هذا التنازل. لم يكن القلق المسيحي كله حنينًا إلى امتيازات قديمة؛ كان في جزء منه خوفًا مشروعًا من أن يتنازل الموقع المسيحي الأول عن صلاحياته لدولة لم تولد، ثم يجد نفسه أمام وصاية وسلاح ومحاصصة.
لكن الخطأ المسيحي لم يكن في الخوف من الطائف، بل في تحويل هذا الخوف أحيانًا إلى سياسة حصة لا إلى مشروع دولة. بعض القوى اختصر الأزمة بصلاحيات الرئاسة، وبعضها دخل المحاصصة باسم استعادة الحقوق، بدل تحويل القلق المسيحي إلى معركة وطنية لتطبيق البنود الإصلاحية: اللامركزية، مجلس الشيوخ، قانون انتخاب عابر للطوائف، واستقلال القضاء. أما بكركي فبقيت تعبّر عن هاجس أعمق: حماية لبنان الرسالة والكيان والحرية من أن يتحول إلى ساحة. والمراجعة المطلوبة اليوم ليست العودة إلى ما قبل الطائف، بل نقل الدور المسيحي من الدفاع عن الحصة إلى قيادة مشروع الدولة.
بعد لحظة الولادة، جاء زمن العمل على تنفيذ اتفاق الطائف. رفيق الحريري لم يكن من صانعي النص الأصلي، لكنه أصبح أحد أبرز مهندسي لبنان ما بعد الحرب. أعاد وصل لبنان بالعالم العربي والدولي، وفتح باب الإعمار والخدمات والمصارف. مشروعه حمل وعدًا كبيرًا: إعادة لبنان إلى الخريطة. لكنه حمل مأزقًا عميقًا أيضًا: بناء اقتصاد على الدين والريع والمركزية فوق دولة سياسية لم تُصلَح بعد. لم تكن الحريرية الاقتصادية وحدها سبب العطب، لكنها كانت التعبير الأوضح عن محاولة بناء اقتصاد حديث فوق دولة غير حديثة. أما اغتيال رفيق الحريري رحمه الله، فبصرف النظر عن المسار القضائي والسياسي المعقّد، كان أثره التاريخي واضحًا: لقد فجّر الصراع بين لبنان الوصاية ولبنان السيادة.
أما نبيه بري، فكان ولا يزال حالة شديدة الالتباس في مسار الطائف. ليس المقصود تحميله وحده مسؤولية مرحلة كاملة، بل قراءة موقعه كأحد أكثر رموزها قدرة على إدارة التوازنات وأقلها اندفاعًا إلى كسرها إصلاحيًا. يقدّم نفسه بوصفه حارسًا للاتفاق، ويدافع عنه في وجه تعديله أو إسقاطه من دون توافق، غير أن هذا الدفاع بقي غالبًا دفاعًا عن توازنات النظام لا عن مشروع الدولة. المشكلة في بري ليست أنه امتلك موقعًا داخل نظام الطائف، بل أنه حوّل هذا الموقع إلى إدارة دائمة للانتظار، بدل أن يحوّل مجلس النواب إلى آلة تشريعية لإطلاق البنود المؤجلة: مجلس الشيوخ، اللامركزية، إلغاء الطائفية السياسية، استقلال القضاء، وحصر السلاح بيد الدولة. ظهر في الخطاب مع الطائف، لكنه في الممارسة كان جزءًا من سياسة حافظ الأسد خلال الوصاية السورية، ثم جزءًا من توازن سياسي نشأ لاحقًا تحت التأثير الإيراني عبر التحالف الوثيق مع حزب الله.
أما حزب الله، فكان العقدة التي لم يستطع الطائف حلّها لاحقًا. المشكلة ليست في أن حزب الله امتلك دورًا مقاومًا في زمن الاحتلال، بل في أن هذا الدور لم يُنقل بعد التحرير إلى صيغة دولة. هنا تحوّل الاستثناء إلى نظام، والسلاح من وظيفة دفاعية إلى عنصر بنيوي في توازن السلطة. فالطائف نص على حل الميليشيات وبسط سلطة الدولة، لكن الحزب بقي خارج معادلة الحلّ. بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، لم تُحلّ العقدة، بل تبدلت عناوينها: مزارع شبعا، التهديد الإسرائيلي، الردع، ثم الصراع الإقليمي. أما إيران، فلم تصنع الطائف، لكنها استفادت من ثغرته الكبرى: غياب استراتيجية دفاعية لبنانية واضحة، وترك السلاح خارج الدولة بلا سقف زمني ولا حل مؤسساتي. وبذلك تقاطعت أدوار سوريا الأسد سابقًا، ثم حزب الله وإيران لاحقًا، عند نتيجة واحدة: إبقاء الطائف إطارًا شرعيًا مفيدًا، مع تعطيل تحوله إلى دولة مكتملة السيادة.
لكن الخارج لم يكن قادرًا على خطف الطائف لولا قابلية الداخل اللبناني للتسليم والمقايضة والاحتماء بالخارج. القوى المسيحية والسنية والدرزية لم تكن خارج العطب؛ بعضها عارض الطائف ثم استهلك حصصه، وبعضها دافع عنه ثم عطّل إصلاحه، وبعضها حوّل الدولة إلى مجال نفوذ لا إلى عقد مواطنة. لا يملك أي فريق براءة كاملة من تاريخ ما بعد الطائف، وإن اختلفت درجات المسؤولية وأدوات التعطيل.
زمنيًا، مرّ الطائف بسبع محطات. بين 1989 و1990 كان اتفاق إنقاذ وتنازل في آن واحد: أوقف الحرب، ثبّت نهائية لبنان وعروبته والمناصفة، لكنه قلّص صلاحيات الرئاسة وفتح الباب أمام دور سوري وازن. بين 1990 و2005 أصبح ممسوكًا بالوصاية السورية: مؤسسات تعمل، لكن القرار الكبير يمر عبر دمشق؛ إعمار يتقدم، لكن الإصلاح يتأخر؛ وسلاح حزب الله يبقى خارج الدولة. في 2005 كشف اغتيال الحريري أن الوصاية شوّهت الطائف، لكنها لم تكن وحدها من عطّله؛ فبعد خروج الجيش السوري بقيت المحاصصة والسلاح والقضاء الضعيف والاقتصاد الهش. بين 2005 و2008 صار السؤال: هل لبنان دولة تقرر الحرب والسلم، أم مساحة يتداخل فيها القرار الوطني بقرار المحاور؟ بعد حرب تموز 2006 بدا واضحًا أن لبنان يستطيع أن يدخل حربًا كبرى من دون أن تكون مؤسساته شريكة فعلية في القرار. بين 2008 و2015 تحولت الديمقراطية التوافقية إلى ديمقراطية تعطيلية: الحكومات، الرئاسة، البيانات الوزارية، وقوانين الانتخاب صارت ساحات فيتو. بين 2016 و2019 ظهر فشل نظام تقاسم السلطة في إنتاج مواطنة، وهو ما قرأه مفكرون مثل جورج قرم وفواز طرابلسي ووضاح شرارة وجوزيف مايلا كنظام طائفي متجدد، بينما رأى أنطوان مسرّة وزياد بارود أن المشكلة في سوء التطبيق وتعطيل المؤسسات الإصلاحية. ثم جاءت 2019–2022، فانكشف أن الفساد لم يكن تفصيلًا جانبيًا، بل طريقة حكم: ليرة منهارة، مصارف ساقطة، ودائع ضائعة، شباب مهاجر، تعليم متراجع، ودولة بلا ثقة.
واليوم، بين 2022 و2026، يعود الطائف في لحظة أشد خطورة. هنا تكتسب مواقف فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون أهميتها. فقد جاء كلامه ليعيد الأزمة إلى أصلها: لبنان ليس ورقة إيرانية، والشعب اللبناني لا يُختصر بحزب أو محور، والسلاح لا يمكن أن يبقى خارج الدولة إلى الأبد. أهميته أنه لم يطرح مواجهة داخلية، بل مسارًا سلميًا لاستعادة القرار الوطني، وهذا بالضبط هو جوهر الطائف: دولة واحدة، شرعية واحدة، وقرار حرب وسلم داخل المؤسسات لا خارجها. غير أن العبرة ليست في جرأة التسمية، بل في القدرة على تحويلها إلى روزنامة تنفيذية: حوار دفاعي، دعم الجيش، ضمانات للجنوب، وقرار واضح بأن السلاح لا يبقى خارج الدولة إلى أجل مفتوح.
ما نُفّذ من الطائف هو هيكل السلطة: وقف الحرب، تعديل الدستور، المناصفة، نقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء، انتخابات وحكومات ورئاسات، حل معظم الميليشيات، وإعادة بناء جزء من الجيش والإدارة. أما ما لم يُنفّذ فهو روح الدولة: إلغاء الطائفية السياسية، الهيئة الوطنية لإلغائها، مجلس الشيوخ، مجلس نواب خارج القيد الطائفي، اللامركزية، الإنماء المتوازن، حصر السلاح، استراتيجية دفاعية، استقلال القضاء، إدارة كفوءة، مصالحة وطنية، تعليم يبني المواطنة، واقتصاد إنتاجي يحمي الناس.
من أفشل الطائف؟ أفشلته الوصاية السورية حين ربطت التطبيق بمصلحة دمشق لا بسيادة بيروت. أفشلته الطبقة السياسية حين أخذت السلطة وتركت الإصلاح. أفشله أمراء الحرب حين دخلوا الدولة بلا مراجعة ولا عدالة انتقالية. أفشلته الحكومات حين أجلت مجلس الشيوخ واللامركزية وإلغاء الطائفية واستقلال القضاء. أفشله نبيه بري وباقي أركان النظام حين حوّلوا الدفاع عنه إلى إدارة طويلة للتوازنات. وساهم حزب الله، بإبقاء سلاحه خارج المؤسسة الشرعية، في إبقاء أحد أهم بنوده معلّقًا. كما ساهم النفوذ الإيراني في تثبيت لبنان كساحة تفاوض إقليمية أكثر منه دولة مكتملة القرار. أما الحريرية الاقتصادية، فرغم إنجازاتها، فقد وضعت الإعمار قبل الإصلاح .
لكن الأخطر أن إفشال الطائف جرى غالبًا باسم حمايته. فالوصاية قالت إنها تحمي الطائف، والسلاح قال إنه يحمي الدولة، والمحاصصة قالت إنها تضمن التوازن. وهنا براعة التعطيل: أن يُقتل المشروع باسم حمايته، وأن تُشلّ الدولة باسم الاستقرار، وأن يُخطف القرار باسم المقاومة.
لا يجوز تكرار ذلك اليوم. فلبنان 2026 أضعف من لبنان 1989. يومها كان الخراب كبيرًا لكن الأمل قائمًا؛ اليوم هناك حرب وانهيار وهجرة وفقر وفقدان ثقة. لذلك، لا إنقاذ بتعديل دستوري في لحظة اختلال، ولا ببقاء الوضع كما هو، ولا بتحويل لبنان نهائيًا إلى ساحة إقليمية.
الحل يبدأ برفض التطبيق الانتقائي. لا نأخذ المناصفة ونترك المواطنة، ولا الشرعية ونترك السلاح، ولا مجلس الوزراء ونترك مجلس الشيوخ. الطائف إما سلّة إصلاحية كاملة أو دفتر حصص جديد. والاختبار ليس في عقد مؤتمر جديد، بل في تحويل البنود المؤجلة إلى قوانين ضمن مهل معلنة ومراقبة.
خلال ستة أشهر، يجب إطلاق لجنة وطنية لتطبيق الطائف تضم دستوريين وقضاة واقتصاديين وممثلين عن الجامعات والمجتمع المدني، وإقرار استقلال القضاء، ووضع جدول تشريعي للبنود المؤجلة. خلال سنة، يجب إطلاق حوار دفاعي جدي، دعم الجيش نوعيًا، إقرار اللامركزية الإدارية، وبدء مسار مجلس الشيوخ. خلال سنتين، يجب الوصول إلى قانون انتخاب إصلاحي، صندوق إنماء متوازن، وخطة وطنية للتعليم والمواطنة.
المطلوب ضمانة عربية ودولية لا وصاية خارجية، خصوصًا من الدول الاقليمية كالسعودية ومصر وقطر والامارات... وبمواكبة أميركية وصينية وروسيا واوروبية وأممية مشروطة بالإصلاح. ولا بد من الاعتراف بالدور السعودي كرافعة عربية أساسية للطائف، لا بوصفه مجاملة دبلوماسية، بل كجزء من حقيقة أن لبنان لا ينهض خارج عمقه العربي. فلبنان يحتاج إلى عودة عربية صادقة تحمي دولته لا زعماءه، وتدعم مؤسساته لا محاور النزاع فيه.
أما سلاح حزب الله، فيجب أن يُعالج بعقل الدولة لا بعقل الانتقام: إدماج تدريجي للقدرات الدفاعية ضمن الدولة، دعم الجيش، ضمانات للجنوب والشيعة، وانسحاب إسرائيلي ووقف اعتداءات. المطلوب ليس إخراج حزب الله من بيئته، بل إدخال كل البيئات، بما فيها البيئة الشيعية، إلى دولة عادلة لا تحتاج فيها أي جماعة إلى سلاح خاص كي تشعر بالأمان. المعركة ليست مع الشيعة، بل مع فكرة أن تحتاج أي جماعة لبنانية إلى سلاح خارج الدولة كي تشعر بالأمان.
الطرح الوطني المطلوب اليوم يحمل عنوانًا واحدًا: إحياء الطائف وبناء الدولة، من وقف الحرب إلى صناعة المستقبل. يبدأ من السيادة، لأن لا إصلاح في دولة لا تملك قرارها. السيادة لا تعني العداء لأحد، بل حصر قرار الحرب والسلم بالدولة، دعم الجيش، استراتيجية دفاعية، منع استخدام لبنان كساحة تفاوض إيرانية أو إسرائيلية أو دولية، وحماية الجنوب ضمن الدولة لا خارجها. ثم تأتي إصلاحات النظام: مجلس الشيوخ، الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، قانون انتخاب وطني، ومهل دستورية تمنع تعطيل الرئاسة والحكومات. ثم العدالة: استقلال القضاء، الرقابة، استعادة الأموال المنهوبة، ورقمنة الإدارة. ثم الاقتصاد والإنماء: خطة ودائع عادلة، إعادة هيكلة المصارف، صندوق إنماء متوازن، تحويل طرابلس والشمال والبقاع والجنوب إلى مناطق إنتاج، وربط الجامعات بسوق العمل. وأخيرًا التربية: مجلس وطني للتربية والمواطنة يحرر الطلاب من ذاكرة الحرب ويدخلهم إلى اقتصاد المستقبل.
قد يكون الطائف آخر جسر صالح لعبور اللبنانيين من الانهيار إلى الدولة. المشكلة لم تكن أن الطائف ضعيف، بل أن من تسلّموه كانوا أقوى من الدولة وأضعف من الوطن. لا يُنقذ لبنان بالإنكار: لا بمحو دور حافظ الأسد في الوصاية، ولا بتجاهل دور الملك فهد والمملكة العربية السعودية في الرعاية والدعم، ولا بتقديس رفيق الحريري أو شطب إنجازاته وأخطائه، ولا بمديح نبيه بري كحارس للطائف من دون سؤاله عن البنود المعطلة، ولا بتخوين الشيعة، ولا بتسليم الدولة لحزب الله، ولا بعداء إيران كشعار، ولا بقبول تحويل لبنان إلى ورقة إيرانية.
ينقذ لبنان عندما نقول الحقيقة كاملة: الطائف أوقف الحرب، لكننا لم نبنِ السلام. أعاد المؤسسات، لكننا لم نبنِ الدولة. وعد بالمواطنة، لكننا أدمنّا الطوائف. دعا إلى حصر السلاح، فقبلنا ازدواجية القوة. دعا إلى الإنماء، فتركنا الأطراف تذبل.
إذا عاد الطائف اليوم، فليعد لا كاتفاق بين الخائفين، بل كمشروع بين الشجعان. لا كوثيقة لإيقاف حرب فقط، بل كخريطة لبناء وطن. لبنان لا يحتاج إلى معجزة؛ يحتاج إلى قرار: أن تكون الدولة أقوى من الحزب، والعدالة أقوى من الزعيم، والمواطنة أقوى من الطائفة، والاقتصاد المنتج أقوى من الريع، والمدرسة أقوى من ذاكرة الحرب، والوطن أقوى من الخارج. عندها فقط لا يعود الطائف ذكرى. يصبح بداية ثانية للبنان.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




