حين تتكلم الأرقام… ويصمت المنطق

04.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. محمد الرميحي

ليست السياسة دائماً ساحة شعارات، ولا العلاقات بين الدول مجرد عواطف عابرة، بل هي في جوهرها حسابات مصالح، وأرقام صلبة، ووقائع قابلة للقياس. وحين تختلط الضوضاء الإعلامية بالتحيزات الأيديولوجية، يبقى الرقم هو الحكم الأصدق، لأنه لا يجامل ولا ينحاز، بل يكشف بوضوح أين تقف المصالح، ومن يخدم من.

في هذا السياق، يكفي النظر إلى تجربة الصناديق التنموية الخليجية لفهم طبيعة الدور الذي لعبته دول مجلس التعاون في محيطها العربي والدولي. فالصندوق الكويتي للتنمية، منذ تأسيسه وحتى نهاية عام 2025، قدم قروضاً إنمائية قاربت 23 مليار دولار، توزعت على مشاريع بنية تحتية وتعليم وصحة في عشرات الدول. وكذلك الصندوق السعودي للتنمية، الذي موّل أكثر من 800 مشروع في أكثر من 100 دولة، بقيمة تجاوزت 21 مليار دولار منذ عام 1974. هذه ليست أرقاماً دعائية، بل وقائع موثقة تعكس فلسفة تنموية تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى البناء لا الهدم.

إلى جانب ذلك، هناك بعد آخر أكثر تأثيراً وأقل ضجيجاً، وهو سوق العمل. فدول الخليج استوعبت عبر العقود ما بين 8 إلى 9 ملايين عامل عربي، في مختلف القطاعات، من المهن البسيطة إلى التخصصات الدقيقة. هؤلاء لا يعملون فقط، بل يرسلون إلى بلدانهم سنوياً ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار، تشكل شريان حياة لاقتصادات هشة، وتساهم في استقرار اجتماعي مباشر لعائلاتهم.

وهنا يجب التوقف عند حقيقة يغفلها البعض أو يتجاهلها عمداً:

هذا الوجود العربي في دول الخليج ليس عبئاً، بل هو جزء من دورة تنموية متكاملة. فالعامل العربي يساهم بجهده وخبرته في بناء هذه المجتمعات، كما يستفيد هو وأسرته من الفرصة التي أتيحت له. إنها علاقة تبادلية، لا فضل فيها لطرف على آخر، بل هي امتداد طبيعي لوحدة اجتماعية وثقافية أعمق. فالعرب في الخليج ليسوا غرباء، بل هم في نهاية الأمر أهل، تجمعهم اللغة والتاريخ والمصير، وما يجري من تعاون هو في جوهره شكل من أشكال التكامل، لا الاستعلاء ولا الإحسان.

في المقابل، حين ننظر إلى العلاقة مع إيران، نجد صورة مختلفة تماماً. عدد العاملين العرب هناك لا يتجاوز بضع مئات، أغلبهم طلاب أو مرتبطون بتنظيمات مسلحة، ولا توجد تحويلات مالية تذكر إلى بلدانهم. بل إن ما يُصدَّر في حالات كثيرة ليس مالاً، بل توترات، وأفكاراً مؤدلجة، وأحياناً أدوات صراع تساهم في زعزعة استقرار دول عربية عدة. الفارق هنا ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي واجتماعي وإنساني أيضاً.

هذه المقارنة البسيطة تكشف مفارقة عميقة. من جهة، هناك منظومة خليجية، رغم كل ما يمكن أن يقال عنها، أسهمت في دعم التنمية، وفتحت أسواقها للعمالة العربية، وضخت مليارات الدولارات في اقتصادات المنطقة. ومن جهة أخرى، هناك مشروع إقليمي آخر، يقوم في جزء كبير منه على توسيع النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، لا تضيف قيمة اقتصادية حقيقية، بل تخلق أزمات ممتدة.

لكن ما يثير الاستغراب، بل ويبعث على الأسف، هو ذلك القدر من الشماتة الذي يظهر في بعض الخطابات العربية، حتى من قبل من يُفترض أنهم من النخب. هذه الشماتة لا يمكن تبريرها بالاختلاف السياسي، ولا حتى بالاحتجاج، بل هي تعبير عن خلل أعمق في فهم المصالح، وربما في الإحساس بالانتماء ذاته. أما العامة والجهلاء، فهؤلاء يُعذرون أحياناً بسطحية القراءة وضيق الأفق، لكن أن تصدر هذه النبرة ممن يُفترض فيهم الوعي، فذلك هو المأخذ الحقيقي.

الحياد، في مثل هذه القضايا، ليس دائماً فضيلة. أحياناً يكون تواطؤاً مقنّعاً، أو هروباً من مواجهة الحقيقة. وحين يتعلق الأمر بأمن دول قدمت الكثير لمحيطها، فإن الوقوف على مسافة واحدة بين المعتدي والمعتدى عليه لا يعكس توازناً، بل خللاً في قراءة المصالح. فالدول، في نهاية المطاف، تُبنى على حسابات عقلانية، لا على شعارات عابرة.

ليس المطلوب اصطفافاً أعمى، ولا إنكاراً للأخطاء، فلكل تجربة ما لها وما عليها. لكن المطلوب حد أدنى من الاتساق مع المنطق: من يدعم استقرارك الاقتصادي، ويسهم في معيشة مواطنيك، ويفتح لهم أبواب العمل، لا يُساوى بمن يصدّر إليك الأزمات، أو يتدخل في شؤونك الداخلية عبر أدوات متعددة.

الأرقام هنا لا تكذب، بل تضع الجميع أمام مرآة واضحة. وهي تقول ببساطة إن المصلحة العربية، بعيداً عن الضجيج، تميل إلى حيث توجد التنمية والاستقرار، لا حيث تتكاثر الأزمات. ومن يتجاهل هذه الحقيقة، إنما يختار أن يدير ظهره للواقع، لصالح سرديات قد ترضي العاطفة، لكنها لا تبني دولة ولا تحمي مجتمعاً.