الدول العربيـة
وأزمـة الديـون

13.09.2019
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
رشيد حسن

تلقّت الحكومة اللبنانية نبأ سيئاً في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي وهو قرار وكالة «فيتش» خفض التصنيف الائتماني للبنان منB  إلى CCC وأحدث القرار على الفور شعوراً بالصدمة بين المسؤولين اللبنانيين وأطلق دعوات بضرورة المسارعة إلى معالجة شاملة للوضع المالي المتفاقم بما يعيد للبنان الثقة الدولية ويمكّنه بالتالي من الإستمرار في الحصول على أموال جديدة وتجنّب مخاطر الإنهيار المالي. 

في الأردن، تضافرت الأعباء المتزايدة لأزمة اللاجئين مع تراجع المعونات الخارجية والركود الاقتصادي لتتسبب بأكبر زيادة سنوية في الدين العام لتصل إلى نحو 95 في المئة من الناتج المحلي.

في مصر، سجّلت المديونية العامة زيادات كبيرة خلال العام 2018، إذ وصل الدين الخارجي إلى نحو 96.6 مليار دولار أو ما يعادل 35 في المئة من الناتج المحلي، بينما قفز الدين الداخلي بنسبة 20.2 في المئة في عام واحد ليصل إلى ما يعادل 242 ملياراً، وتجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي 101 في المئة كما ارتفع عبء خدمة الدين كنسبة من موارد الميزانية الحكومية إلى أكثر من 31 في المئة من الواردات الحكومية، وقد دفع ذلك بوزارة المالية المصرية إلىالإعلان عن برنامج لخفض معدل المديونية إلى الناتج المحلي إلى 77.5 في المئة في نهاية العام 2022.  

كلّ هذه أمثلة على الإنغماس المتزايد للدول العربية في مسار الإستدانة من الأسواق المحلية والخارجية، والملاحظة الأهم في هذا المجال، هي أن سياسة الدين العام في أكثر هذه الدول لا تحكمها رؤية واضحة واستراتيجية للتحول الاقتصادي بقدر ما هي مبادرات للتعامل في المدى القصير أو المتوسط مع المأزق المالي غالباً من خلال الاستجابة لضغوط أو «مطالب» صندوق النقد الدولي، والتي تترجم زيادة في الأعباء الضريبية والمالية على السكان، بينما يحتاج تحقيق ثمار حقيقية للإصلاح إلى رؤية بعيدة وإرادة سياسية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتأهيله للإنفتاح على الاقتصاد العالمي وتعزيز قدراته التنافسية خصوصاً من خلال الإنفاق السخيّ على التعليم النوعيّ وتكوين المهارات وتوفير البنى الأساسية والخدمات اللازمة لاستقطاب الشركات والعاملين الأجانب، على أن يترافق كل ذلك مع زيادة دور القطاع الخاص عبر خصخصة المؤسسات الحكومية ووضع حد للفساد السياسي وتحقيق تحسن حاسم في بيئة الاستثمار. 

إلا أن تحقيق نتائج إيجابية للإصلاحات يجب أن تدعمه أيضاً ظروف الاقتصاد الكلي سواء في الدولة نفسها أو على النطاق الدولي الأوسع، وبما أن برامج التحول الاقتصادي ما زالت خجولة في أكثر الدول والتوقعات الغالبة هي استمرار التباطؤ في الاقتصاد الدولي وفي المنطقة، فإن الاحتمال الأرجح هو أن يستمر هم الحكومات مركّزاً على المدى القصير أي على إبقاء السفينة عائمة وإنفاق الموارد على تلك المهمة بالدرجة الأولى على أمل تحسن ظروف الانتعاش وخفض العجوزات على المدى الأطول. 

إن إحدى الصعوبات الإضافية التي تلعب الآن دوراً في تعقيد أزمة الديون هي الصراعات الإقليمية والحروب والأزمات السياسية التي تزعزع ثقة المستثمرين بالمستقبل وتضعف الأداء الاقتصادي للدول وتحرم الحكومات من جني العائد الأهم للإصلاحات وهو استقطاب الاستثمارات الخارجية وحفز النشاطات الاقتصادية المحلية.  

يعني ذلك أن العناء الذي تتسبب به الإصلاحات ذات الطابع المالي والضريبي بالدرجة الأولى قد يفلح في خفض العجوزات الأولية، لكن قد لا ينتج عنه في الوقت القريب الثمار المأمولة للإقتصاد ولفرص التشغيل، والمحظور الأساسي هنا سيكون احتمال تصاعد التعب من الإصلاحات وتراكم التذمر وارتفاع أصواته من قبل الناس الذين لم يلمسوا أياً من المنافع الموعودة لقاء تضحياتهم.  وهناك علامات عديدة على تصاعد التوتر الاجتماعي في عدد من دول المنطقة، وهو توتّر تساهم أنباء الفساد المستشري في أوساط المسؤولين وجود معارضة داخلية متربصة،  في إذكائه وتحوّله بالتالي إلى معضلة بل إلى تهديد سياسي حقيقي. 

الحلقة المفرغة

إن العديد من الدول النامية أو ما يسمى «الأسواق الناشئة» بما في ذلك دول عربية عديدة مثل لبنان والأردن ومصر وبعض دول الخليج الأقل ثراء قد تجد نفسها في حلقة مفرغة حيث تؤدي الخشية من الثمن الاجتماعي لزيادة الأعباء الضريبية والمالية على المواطن إلى إبطاء الإصلاحات وتأخير التصدّي لمشكلة العجوزات المالية المتفاقمة، بينما يؤدي عدم الجدية في الإصلاحات، وبصورة خاصة مكافحة الفساد ورفع مستوى الإدارة الاقتصادية إلى تباطؤ حركة الاستثمارات الخارجية، وإلى تفاقم العجوزات المالية وتراكم الدين العام. 

هل الدين العام جزء من إستراتيجية التحوّل الاقتصادي أم مجـرّد مسكِّن للتغطية على تأخير الإصلاحات؟

الدين .. إلى أين؟

إن التضخم المستمر في المديونيات العامة في عدد من بلدان العالم العربي وفي أكثر البلدان النامية سيطرح مع الوقت السؤال حول مدى قدرة البلدان المدينة على الاستمرار في تمويل الدين العام أو تدويره، إن لم يكن خفضه على مراحل من خلال حفز النمو وخفض العجوزات المالية، حتى تدوير الدين قد لا يمثل خياراً متاحاً دوماً لأن استمرار العجز في الميزانية الحكومية في بعض البلدان يفرض البحث عن المزيد من الاستدانة لتمويل ذلك العجز ولا بدّ بالتالي أن ينعكس بطلب إضافي على الاقتراض سواء من السوق الداخلية او السوق المالية ولاسيما سوق السندات المقومة بالعملات الرئيسية مثل الدولار أو اليورو. 

إن هذه الحلقة المفرغة هي التي تتسبب مع الوقت في تراكم «جبل الدين» وقد تجعل من الدين مشكلة هيكلية خطيرة في حال تجاوز هذا الأخير عتبة معينة كنسبة من الناتج المحلي أو تجاوز قدرة الدولة على الحصول على موارد جديدة، وهذا الواقع هو ما تتبعه عن كثب وكالات التصنيف المالي والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو مؤسسات متخصصة، وفي حال ظهور مؤشرات على تردي قدرة الدولة على خدمة الدين العام فإن النتيجة المباشرة الأولى هي ارتفاع تكلفة الدين (أي أسعار الفائدة وأسعار التأمين على الدين) بما يعكس ازدياد المخاطرة السيادية لمنح الدولة قروضاً جديدة. أما في مرحلة تالية، فإن الوضع قد يصل بالدولة إلى العجز عن تأمين تمويلات كافية لخدمة الدين، وهو ما يعتبر توقفاً عن الدفع Default مع ما يجرّه ذلك من إهتزاز مالي ومفاوضات لإعادة جدولة الدين تدخل البلد تحت نوع من الوصاية الدولية، كما حدث في اليونان وقبرص.

أزمة الديون المقبلة

إن ظاهرة تضخم المديونيات العامة ليست خاصّة بالعالم العربي فهي ظاهرة عالمية تشمل الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وهناك الآن توافق متزايد على أن دولاً كثيرة في العالم تشهد بالفعل بروز معضلة ديون خارجية تضاف إلى الحجم الكبير للمديونية المحلية، وهذه الديون بدأت بالتنامي بعد الأزمة المالية الدولية في العام 2008 بسبب تحول الولايات المتحدة خصوصاً وبقية الدول المتقدمة إلى خفض الفوائد وضخ السيولة بهدف إنهاض الاقتصاد من الركود الذي نجم عن انهيار الأسواق المالية، وساعدت تلك الأجواء دولاً عديدة منها عربية مثل لبنان والأردن ومصر على الاستدانة واعتبرت الأسواق الدولية هذه الأسواق مؤهلة للإستدانة (بفوائد مرتفعة نسبياً) بسبب معدلات النمو المقبولة التي كانت تحققها وانخفاض معدل التضخم، فضلاً عن التصنيف الائتماني الإيجابي الذي كانت تحظى به. 

الحكومات أمام المعادلة الصعبة: كيف يمكن حفز النموّ وضبط الدين في آن ٍواحد ؟

كما إن أحد مصادر القلق الإضافية، الآجال القصيرة نسبياً للقسم الأكبر من محفظة الديون الأجنبية للدول النامية، وهو ما يجعل هذه الأسواق مكشوفة لأي مسار تصاعدي في أسعار الفائدة أو للنضوب النسبي لفرص الإقتراض، ويشار في هذا السياق، إلى أن الأسواق الناشئة ستواجه الحاجة لتسديد سندات دين أو قروض مصرفية بقيمة ثلاثة آلاف مليار (ثلاثة تريليونات) دولار في نهاية العام 2020 المقبل. 

خلاصة

إن الدين العام يمكن أن يكون وسيلة للإنفاق على التنمية وتحقيق النمو الاقتصادي وفي هذه الحال، فإن الثمار الطيبة للسياسات الاقتصادية الصحيحة يمكنها أن تمول الدين بل وأن تستهلكه مع الوقت، لكن إذا أصبح الدين وسيلة لتمويل عجز الميزانية وتوفير الدعم المؤقت والمصطنع للوضع النقدي من دون إسهامه في تحقق فوائد اقتصادية فإنه سيتحول عندها إلى عبء متصاعد على البلد والاقتصاد وقد يتحول إلى علاج وهمي للتغطية على فشل السياسات الاقتصادية أو تأخير الإصلاحات الحيوية التي وحدها تحمل الأمل بالنمو والخروج من المأزق الاقتصادي و«فخ الدين».